شهدت صفوف المعارضة السورية المسلحة تحولات هامة خلال الأشهر الماضية جاءت، بدرجة كبيرة، كرد فعل على التدخل الروسي وما تلاه من التزام غير مسبوق أبدته الدول الغربية والإقليمية حيال الانتقال السياسي في سوريا. جاءت ردة الفعل الغربية والإقليمية على التدخل الروسي بزيادة الدعم العسكري للجيش السوري الحر الذي ضعف بشكل كبير خلال الأعوام الماضية. وقد أدت جهود دعم تشكيلات المعارضة السورية المعتدلة إلى الحد من جاذبية الخطاب الديني الأصولي في صفوف المعارضة المسلحة. إذ شرعت بعض الفصائل الكبيرة المتشددة مثل أحرار الشام وجيش الإسلام بتخفيف حدة خطابها المتطرف والطائفي، فيما اتجهت الفصائل الصغيرة والمبعثرة للتوحد في تحالفات أكبر ويشمل ذلك تجمع صقور الغاب، تجمع العزة، الفرقة 111، جبهة الإنقاذ، الفرقة 101 مشاة، لواء فرسان الحق، وآخرون.

في وقت مبكر، اتخذت العديد من مجموعات المعارضة مظاهر مستمدة من السلفية الجهادية من اجل كسب الدعم. في حالات كثيرة، لم تكن تلك المظاهر الأصولية اعتناقاً صادقاً للايدولوجيا السلفية الجهادية وإنما وسيلة للحصول على أموال المانحين التي كانت تأتي من تبرعات بعض الأثرياء في الخليج العربي. كما تبنت الفصائل الصغيرة الرموز والشعارات السلفية لضمان الحماية من القوى السلفية الجهادية المستعدة لإقصاء المختلفين عنها، وذلك في ظل دعم غربي خجول للقوى المعتدلة. هكذا، نمت قوة الفصائل الفصائل المتطرفة، بما ذلك تلك المرتبطة بالقاعدة، فيما كان الجيش السوري الحر الذي يحمل خطاباً وطنياً وإسلاميا معتدلاً يفتقد إلى الدعم.

بلغت عملية إضعاف الجيش السوري الحر ذروتها عندما قامت جبهة النصرة بالتعاون مع تنظيم جند الأقصى المرتبط بتنظيم القاعدة خلال الفترة الواقعة بين شهر تموز/يوليو 2014 وشهر شباط/فبراير من العام الحالي 2015 باستهداف عدد من فصائله التي تتلقى الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية مثل جبهة ثوار سوريا، حركة حزم، تجمع العزة، تجمع صقور الغاب، ولواء صقور الجبل. لم تتمكن تلك المجموعات من التصدي للهجوم وحماية مناطق سيطرتها، وكانت النتيجة هي القضاء على كل من جبهة ثوار سوريا وحركة حزم، وإضعاف بقية الفصائل. في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 تلقت بعض فصائل الجيش السوري الحر ضربة إضافية وذلك باستهدافها من قبل الغارات الجوية الروسية وقد شملت الغارات كل من تجمع العزة والفرقة 13 ولواء صقور الجبل والتي كانت دوماً هدفاً للتنظيمات المتشددة.

ولكن رد الفعل الغربي والإقليمي على الغارات الروسية بدا في صالح الجيش السوري الحر. إذ تدفق الدعم منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر من قبل الولايات المتحدة الامريكية والسعودية على تلك الفصائل، وبشكل خاص صواريخ "تاو" المضادة للدبابات. جرى تسليم تلك الصواريخ الفتاكة إلى عدد من فصائل الجيش الحر، وتحديداً الفرقة 13، الفرقة 101، الفرقة 46 ولواء فرسان الحق، وهو ما أعاد تسليط الضوء عليها من جديد. هدف الدعم المقدم من الغرب ودول الخليج العربي للمعارضة السورية إلى تمكينهم من التصدي للهجمات الكبيرة والجديدة التي أطلقها جيش النظام السوري مستفيداً من الحليف الإيراني وغطاء الضربات الجوية الروسية. 

الوعود بالدعم العسكري من قبل الغرب والموقف المشترك المعادي للتدخل العسكري الروسي دفع قوى المعارضة السورية للتوحد، وبالنسبة للكثيرين منهم، إلى الابتعاد عن الخطاب المتطرف. بعد عشرة أيام فقط على التدخل العسكري الروسي أعلنت الإدارة الأمريكية في التاسع من شهر تشرين الأول/أكتوبر التحول لدعم وحدات من المعارضة العربية التي تقاتل حالياً في سوريا. وقد دفع ذلك بعض مجموعات المعارضة، التي تأمل بالاستفادة من التطور الجديد في السياسة الأمريكية، إلى تشكيل تحالفات وطنية متخلية عن الأسماء والشعارات الدينية. إحدى تلك المجموعات كان "جيش الشام" إذ تأسس في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2015 ويضم "عشرات الكتائب الصغيرة والمبعثرة في عموم الساحة" كما قال قائد التشكيل الجديد محمد طلال بازرباشي. اتخذ "جيش الشام"، والذي كان مؤسسوه أعضاءً بارزين في حركة أحرار الشام وجبهة النصرة، شعار "ثورة على الطغاة والغلاة" في إشارة إلى نظام الأسد والتنظيمات المتشددة، كما اتخذ من علم الثورة السورية راية له فيما يمكن أن يعتبر تحولاً هاماً يتمثل بالتخلي عن الرايات السوداء والبيضاء التي تحيل إلى السلفية الجهاديين.

كما أعلنت ثلاثة فصائل من الجيش السوري الحر عن توحدها و اندماجها تحت راية "جيش النصر" وذلك في 24 من شهر تشرين الأول/أكتوبر. كما تشكلت خلال تلك الفترة قوات سوريا الديمقرطية وجيش سوريا الجديد، والتي تلقت أسلحة وذخائر من الولايات المتحدة كما أعلن المتحدث باسم التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية. وكذلك الحال، في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2015، قبل يوم واحد فقط على انطلاق مؤتمر في الرياض لتوحيد الفصائل المعارضة للنظام السوري، أعلنت كل من فرقة المشاة 101 ولواء فرسان الحق الاندماج وتشكيل "الفرقة الشمالية". تظهر تلك التحالفات الميل المتزايد من قبل الفصائل الصغيرة والمشتتة والتي لا تتبنى السلفية الجهادية لتشكيل تحالفات اكبر تستفيد من السياسة الأمريكية الجديدة.

كما حفزت الجهود الدبلوماسية الخاصة بإنهاء الصراع السوري بعض مجموعات المعارضة للتخلي عن الخطاب السلفي الجهادي. ويشمل ذلك الجهود التي تبذلها الأردن في أعقاب محادثات فينا للتوصل إلى قائمة بالمنظمات الإرهابية في سوريا وجهود السعودية لجمع المعارضة السياسية والعسكرية. بدا أن بعض مجموعات المعارضة المتشددة بدأت تنأى بنفسها عن التطرف والتنظيمات المتربطة بالقاعدة لكي تتجنب وضعها على لائحة الإرهاب. المثال الأبرز على ذلك هو حركة أحرار الشام. خلال الأعوام الماضية، فضلت حركة أحرار الشام، والتي تعتبر حالياً أقوى فصيل عسكري في سوريا، التحالف مع جبهة النصرة والقوى الجهادية بدلاً مع الجيش الحر. وبقي ذلك قائما حتى وقت قصير إذ رفضت الحركة في نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي المشاركة في "غرفة عمليات حلب" التي تضم فصائل عسكرية معتدلة في حلب، وشكلت مع جبهة النصرة مركز قيادة بديل.

في خريف 2015 ظهر تحول تدريجي في مقاربات حركة أحرار الشام وذلك بعد أن باتت تدرك بصورة متزايدة الدور السياسي الذي من الممكن أن تلعبه في مستقبل البلاد. كتب لبيب النحاس، مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة، مقالين نشرا في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية والتليغراف البريطانية حيث نفى فيهما تهمة الإرهاب عن الحركة والارتباط بجبهة النصرة، وشجع الولايات المتحدة على تقديم الدعم لهم. كما بدأت الحركة بنفي الاتهامات الموجهة لها بالقيام بانتهاكات وجرائم حرب في سوريا باعتبارها "أفعال تتناقض مع سياسة الحركة". في 18 تشرين الثاني/نوفمبر قامت الحركة بحل الهيئة الشرعية وهو ما اعتبر تكريساً لسلطة المكتب السياسي الأكثر اعتدالا والمهتم بوضع رؤية جديدة تنقل الحركة من ميادين السلفية الجهادية إلى دهاليز العمل السياسي والمشاركة بالمفاوضات السياسية. 

كما كانت حركة أحرار الشام من ضمن 29 فصيلاً عسكرياً وقعوا على بيان يؤيد الحل السياسي بناء على مقررات مؤتمر جنيف آملة في أن تضمن مقعداً في محادثات فينا في أكتوبر. حضرت حركة أحرار الشام مؤتمر الرياض ووقعت على بيان مبادئ يدعو إلى "نظام تعددي يكون ممثلاً للجميع"، ساعية بذلك إلى تسريع خطوات الانتقال من التطرف إلى الاعتدال، فضلاً عن الرغبة في تجنب إدراجها على لائحة المنظمات الإرهابية التي تقوم الأردن حالياً. وكانت حركة أحرار الشام قد انسحبت في وقت مبكر من اليوم الثاني والأخير لأعمال المؤتمر بسبب ما اعتبرته انتقاصاً "للثقل الحقيقي" الذي تحظى به وانخفاض نسبة تمثيلها في المؤتمر. لكنها، وفي نهاية المطاف، عادت لتوقع على البيان الختامي، وهو ما يُظهر بوضوح أن الحركة تتطلع للعب دور كبير في المفاوضات القادمة وعملية الانتقال السياسي. 

مع ذلك، لا يزال انحياز حركة أحرار الشام للمعارضة المعتدلة والابتعاد عن التيار الجهادي السلفي مبهماً، ومن شأن توضيح وتكريس ذلك الانحياز أن يزيد من احتمال حدوث انشقاقات في صفوفها وبإنهاء بعض تحالفاتها القائمة حالياً. كان ذلك واضحاً عندما انسحب تنظيم جند الأقصى المرتبط بتنظيم القاعدة من تحالف "جيش الفتح" الذي يضم كل من حركة أحرار الشام وجبهة النصرة. وقد برر التنظيم المتطرف انسحابه بتأييد أحرار الشام لما اعتبرها مشاريعاً "مصادمة للشريعة الإسلامية" كالتوقيع على بيان المبعوث الدولي للصراع السوري ستيفان دي ميستورا، وتشجيع التدخل التركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا.

إن من شان استمرار الجهود الغربية والإقليمية للتوصل إلى حل سياسي ودعم تشكيلات المعارضة السورية المعتدلة، أن يساهم في إضعاف حدة الخطاب الإسلامي الأصولي في صفوف الفصائل العسكرية. كما قد يقود إلى ظهور طرف سياسي مرن ومتماسك يساعد في الحفاظ على زخم محادثات فينا وفي انجاز انتقال سياسي ناجح في نهاية المطاف.