منذ اندلاع القتال في بنغازي في أيار/مايو 2014، تأثّرت الخدمات الصحية بالمدينة بشكل كبير،لأنّ معظم مستشفيات المدينة يقع في مناطق الاشتباك، كما أن ما تبقى من مستشفيات المدينة استُنزِفَت موارده الطبية من معدات وأدوية.وحسب وزير الصحة رضا العوكلي، اضطُرّ نحو ستين في المئة من مستشفيات المدينة إلى إغلاق أبوابه، في حين أن البقية عاجزة عن الاستجابة لاحتياجات السكّان.

"أصبحت القذائف والصواريخ جزءاً من عملنا اليومي في المستشفى"، يقول الطبيب سالم لنقي هذه الكلمات وهو يتفقد ساتراً من أكياس الرمل أقامه العاملون بمركز بنغازي الطبي تفادياً لوابل الرصاص القادم من أحد خطوط القتال القريبة من المبنى.يُعتبَر مركز بنغازي الطبي أكبر المرافق الصحية في شرق ليبيا والمشفى الرئيسي في المدينة بعد إغلاق معظم المستشفيات فيها.ويضيف لنقي أن المركز ليس مجهزاً ليعمل في بيئة حرب، فعدد الأسرة الذي لا يتجاوز المائتَين وستين سريراً لا يكفي لاستقبال العشرات منجرحى الاشتباكات اليومية، مع المرضى العاديين الذين يتلقون علاجاً دورياً في المركز.

بالإضافةإلى ذلك، فإن معظم الأطقم الطبية الأجنبية غادرت البلاد بعدما كانت تشكّل العمود الفقري للعاملين في المستشفيات. ومنذ أكثر من عام والسفارات الأجنبية تخاطب رعاياها بضرورة مغادرة البلاد نظراًإلى تأزم الوضع الأمني فيها، وهذا يُعتبَر كارثة بالنسبة للمركزحيث تسعون في المئة من العاملين فيه هم من جنسيات أجنبية. ويقول سالم لنقي إن العديد من الأطباء والممرضين المحليين لم يستطيعوا الحضور ومباشرة أعمالهم بسبب نزوحهم إلى خارج المدينة أو بسبب خوفهم من الوضع الأمني، خصوصاً بعد إصابة عدد من العاملين داخل المركزجراء استهداف المبنى بالقذائف والرصاص في 9 أيار/مايو.

الوضع الأمني الآن أسوأ مما شهدناه خلال الثورة الليبية قبل أربعة أعوام"، يقول ليون تومبو الفيليبيني الجنسية والممرض في قسم الطوارئ بمركز بنغازي الطبي، في أيار/مايو 2015. ويضيف قائلاً: "سأستقيل أنا أيضاً مع نهاية هذا الشهر والكثير من زملائي فعل ذلك، لم نعد بأمان داخل المستشفى، فالقذائف والرصاص تصيب المبنى، والعديد من زملائي أصيبوا جراء تلك الاعتداءات". ويشرح تومبو أن النزاع يلقي أيضاً بأعباء مالية على العمال الأجانب، قائلاً:"عائلاتنا غاضبة جداً لأننا لم نستطع تحويل الأموال من رواتبناإليهم منذ أكثر من عام، وذلك بسبب القيود التي تفرضها المصارف على تحويل الأموال، وهم في حاجة ماسة إلى تلك الأموال وهذا ما دفعنا للعمل في الأساس". ويضيف تومبو أن "سعر الدينار الليبي قد تهاوى أمام الدولار الأميركي، مما جعل مرتباتنا غير مجزية كما بالسابق، خصوصاً وأننا نقوم بتحويل أموالنا بالدولار الأميركي، ولم نحصل على أي زيادة على المرتبات منذ خمس سنوات".

يحاول الأطباء في بنغازي تفادي وقوع كارثة صحية بسبب مغادرة الأطقم الطبية الأجنبية، وذلك عن طريق تدريب طلبة الكليات الطبية ليحلوا محل الممرضين الأجانب في مستشفيات المدينة. يقول عصام الدناع، الطبيب في مركز بنغازي الطبي: "وجّهنا نداء في مدينة بنغازي إلى طلبة الكليات الطبية للتطوع والعمل كممرضين في المستشفيات، وقد فوجئنا بالأعداد التي لبت النداء من أبناء المدينة حيث بلغ عددهم حتى الآن أكثر من 600 متطوع".يضيف:"شكلنا لجنة علمية من أطباء متخصصين في التدريب وقمنا بتدريب مجموعات كبيرة بواقع 40 متطوعاً لكل مجموعة، وسيتم توزيعهم على المستشفيات المتبقية في المدينة، وسيشكلون العمود الفقري لعمل المستشفيات في حال مغادرة جميع الممرضين الأجانب". ويضيف الدناع أن "هذه التجربة جديدة وبها الكثير من المحاذير والخطوط الحمراء التي وضعناها للمتطوعين في مهنة التمريض. ونعلم أن المتطوعين لن يكونوا بكفاءة الممرضين الذين تخرجوا من كليات التمريض، ولكننا ندربهم على مهارات التمريض وستكون مهامهم مساعدة الممرضين المتواجدين بالمستشفى". لكن المتطوعين لايتقاضون أجراً، وعلى الرغم من أن كثراً يقولون إنهم سيستمرون في العمل في المستشفيات إلى حين انتهاء النزاع وعودة الٌأطقم الطبية الأجنبية، إلا أن الأطباء ليسوا أكيدين مما إذا كانت هذه المقاربة ستنجح لوقت طويل 

لكن معظم المستشفيات لاتزال تبذل جهوداً حثيثة لتأمين الخدمات الطبية المناسبة التي يجب توافرها في منطقة حربية. ومايزيد الأمور سوءاً هو أنه على الرغم من أن منظمة الصحة العالمية حذّرت من أزمة صحية في بنغازي، إلا أن منظمات الإغاثة الدولية التي تملك خبرة في مناطق النزاعات، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئة الطبية الدولية، غادرت ليبيا بسبب الوضع الأمني.