دقّ عدد من المحللين مؤخراً نواقيس الخطر في مايتعلق بالاستراتيجية التي تنتهجها واشنطن في التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية والتي تتمحور بصورة متزايدة حول الأكراد، محذّرين من أن تمكين الأكراد يولّد خللاً في التوازن في علاقتهم مع المجتمعات المجاورة. بيد أن ماتُصوّره هذه المحاججة على أنه مشكلة ربما يتيح فرصة للأكراد كي يؤدّوا دوراً في إرساء سلام مستدام في تركيا وسورية والعراق.

مع تواصل النزاع، تتضاءل أكثر فأكثر حظوظ الأفرقاء المتناحرين بتحقيق نصر حاسم. ينبغي على أطراف النزاع العالقين في مأزق أن يجدوا سبيلاً عن طريق التفاوض للخروج من هذه الورطة التي تعود بالضرر على الجميع. في حين تدفع القوى الكبرى باتجاه حل ديبلوماسي للنزاع السوري - على الرغم من الطبيعة المدمّرة والمعقّدة للحرب الأهلية - بإمكان المجموعات الكردية في سورية والعراق، المساعدة على التوصّل إلى اتفاق لتقاسم السلطة. لقد تحوّل الأكراد، بفعل نجاحهم في القضاء على بعض المكاسب التي حقّقتها الدولة الإسلامية في العراق وسورية، إلى حلفاء أساسيين للولايات المتحدة في المعركة ضد تنظيم داعش، وسمح هذا النجاح بتمكين لاعبين ديبلوماسيين محتملين مثل قوات سورية الديمقراطية المؤلفة من أكراد وعرب ومسيحيين.

علاوةً على ذلك، ونظراً إلى أعداد الأكراد وانتشارهم بين دول الشرق الأوسط الأساسية، تركيا وإيران والعراق وسورية، من شأن إشراكهم في أي اتفاق لتقاسم السلطة في سورية أن يؤثّر في العلاقات بينهم وبين الدولة في البلدان الأخرى التي تضم جاليات كردية كبيرة. الأكراد هم من أكبر المجموعات الإثنية في الشرق الأوسط، إذ يشكّلون نحو عشرين في المئة من مجموع السكان في تركيا والعراق على السواء، وعشرة في المئة من مجموع السكان في إيران وسورية. بيد أن انقسامهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى حوّلهم إلى أقليات إثنية في الدول الحديثة المنشأ، وفي القرن العشرين اندلعت عشرات الانتفاضات الكردية التي تحدّت السياسات الاستيعابية العدوانية التي انتهجتها تلك الدول. وقد جرى سحق كل الانتفاضات الكردية الكبرى والقضاء عليها بدءاً من ثورة البرزنجي في العام 1920 وصولاً إلى التمرد في إيران في العام 1979. لكن الوضع تبدّل في النزاعات الأخيرة: فقد تكلّلت انتفاضة 1991 بالنصر للأكراد، ويستمر النزاع الذي يخوضه حزب العمال الكردستاني في تركيا بصورة متقطّعة منذ العام 1984. لكن لم يتم التوصل في أي من هذه النزاعات إلى تسوية عن طريق التفاوض، لذلك تستمر في الظهور من جديد - أو تتوالى فصولاً في حالة النزاع مع حزب العمال الكردستاني.

يستحيل إرساء استقرار طويل الأمد في تركيا وإيران والعراق وسورية من دون معالجة المطالب الكردية، مايتقضي بدوره إنشاء منظومات أكثر انفتاحاً على تقاسم السلطة مع الأقليات. بناءً عليه، يقدّم السياق الحالي في سورية بعض الأمل ليس فقط لإيجاد حل للحرب الأهلية السورية، إنما أيضاً لإحداث تغييرات في السياسات من شأنها معالجة المشكلات المتفاقمة بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، وبين أنقرة وحزب العمال الكردستاني.

في سورية، من شأن الدعم الأميركي لقوات سورية الديمقراطية الكردية-العربية أن يؤدّي إلى طرد تنظيم الدولة الإسلامية بالكامل من شمال البلاد. ثم يمكن نقل نموذج الكانتونات ذات الحكم الذاتي التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي يرى فيها الحزب "نموذجاً لنظام لامركزي من الحكم الفدرالي في سورية في المستقبل"، إلى أجزاء أخرى من البلاد حيث لايشكّل الأكراد أكثرية. يأمل حزب الاتحاد الديمقراطي بأن تحمي الولايات المتحدة هذه "الكونفدرالية الديمقراطية" طالما أن قوات سورية الديمقراطية تحافظ على الهدوء عند الحدود مع تركيا، ولاترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرتها. بما أن أكراد سورية ليسوا متحالفين مع نظام الأسد وليسوا أيضاً أعداءه اللدودين، قد يقدّم هذا النموذج وسيلة لتسوية الأمور في سورية. صحيح أن الكانتونات الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية ليست الخيار الأول لا بالنسبة إلى الأسد ولا بالنسبة إلى الثوّار العرب، إلا أنها يمكن أن تؤمّن وسيلة للخروج من الصراع الدائر في سورية تحت عنوان "كل شيء أو لاشيء"، مايُهيئ الساحة أمام توسيع اتفاقات وقف إطلاق النار وزيادة أعداد الإدارات المحلية. من شأن هذه الكانتونات أن تبقى رسمياً جزءاً من سورية، لكنها تتيح للمجتمعات المحلية التمتع بالحكم الذاتي وحماية نفسها.

ومن شأن استتباب الهدوء على الحدود التركية-السورية أن يقدّم أيضاً برهاناً لأنقرة على أنه ثمة بدائل عن محاولتها معالجة مشكلتها مع حزب العمال الكردستاني وملايين الأكراد الذين يدعمونه عن طريق الحل العسكري. من الضروري أن تعقد تركيا سلاماً مع أكرادها، وتقرّ بالواقع الكردي في الجانب الآخر من الحدود. ففي غياب التقارب بين تركيا والتيار السياسي الكردي في تركيا وسورية، سوف تظل المنطقة تعاني من عدم الاستقرار بعد وقت طويل من رحيل تنظيم الدولة الإسلامية. تُظهر العلاقات التركية مع الأكراد في العراق أن المصالحة التركية-الكردية يمكن أن تعود بالفائدة على الطرفَين. كانت تركيا تعتبر في السابق أن قيام كيان كردي في شمال العراق يشكّل تهديداً مباشراً وغير مقبول لأمنها القومي. أما الآن، وبعد انهيار سياسة "صفر مشكلات مع الجيران" التي وضعها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو - لاسيما بعد قيام الجيش التركي بإسقاط طائرة روسية في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي - فلم يتبقَّ لتركيا من صديق في المنطقة سوى حكومة إقليم كردستان في العراق.

في العراق، من شأن تقديم مزيد من الدعم للأكراد، بغض النظر عن رغبات الحكومة في بغداد، أن يُرغم هذه الأخيرة على الموافقة على عدد أكبر من المطالب الكردية في مايتعلق باللامركزية، وتقاسم السلطة، والسيطرة على أجزاء مهمة من القطاع النفطي. ليس هذا أمراً سيئاً بالضرورة، فلطالما عانى العراق من مشكلات السلطوية، والمركزية المفرطة للسلطة، وماينجم عنها من صراع على السيطرة في بغداد تحت عنوان "كل شيء أو لاشيء". إذا أصبح كردستان العراق أفضل تسلّحاً، لن تسعى بغداد عندئذٍ إلى تسوية الخلافات مع الأكراد عسكرياً. واقع الحال هو أن الجهود التي بذلتها بغداد لتهميش السنّة العرب العراقيين بالقوة بعد العام 2010 تسبّبت بقدر كبير من المشكلات المرتبطة بوجود تنظيم داعش في العراق اليوم. فمع تجاهل حكومة نوري المالكي بصورة متزايدة لأحكام اللامركزية في دستور 2005، لم تستجلب لنفسها عداء الأكراد العراقيين وحسب إنما أيضاً عداء العرب السنّة. وقد مهّد النفور السنّي الطريق أمام عودة تنظيم القاعدة في العراق، المعروف أيضاً بالدولة الإسلامية. أخيراً، من شأن الأخذ بالمطالب الكردية عبر تطبيق لامركزية فدرالية في العراق - مع العلم بأن هذه المطالب تراعي دائماً المحافظات والأقاليم الأخرى إلى جانب كردستان - أن يقطع شوطاً طويلاً نحو طمأنة العرب السنّة، وكذلك السكّان الشيعة الذين يفضّلون الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي في أماكن مثل البصرة.

يستطيع الأكراد، في الواقع، أن يؤدّوا دور صنّاع السلام في سورية والعراق حيث تعيث الحرب دماراً، وأن يساهموا في تعزيز المؤسسات الديمقراطية القائمة في تركيا. إذا سُمِح لهم القيام بذلك، فسوف يتراجع أيضاً ميل الأحزاب الكردية إلى القيام بمحاولات محفوفة بالمخاطر للانفصال عن أيٍّ من تلك الدول. غالب الظن أن الفشل في الاستجابة للمطالب الكردية المشروعة من أجل المساواة سيدفع بالأكراد إلى بذل المزيد من المحاولات للانفصال عن الدول السلطوية التي تحكمهم، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى تعزيز النزعات السلطوية لدى الحكومات المركزية التي قد تستغلّ التهديد باندلاع انتفاضات كردية لفرض إجراءات أمنية أكثر تشدّداً على مجتمعاتها. في الدول حيث لايستطيع الأكراد أن يتمتّعوا بالحرية بوصفهم أكراداً، على الأرجح أنه لن ينعم أحد بهامش كبير من الحرية، لاسيما الأقليات الأخرى وأولئك الذين يعربون عن معارضتهم للأحزاب الحاكمة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.