في 6 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أصدر العاهل المغربي، الملك محمد السادس، قراراً بالعفو عن مجموعة جديدة من 37 معتقلاً سلفياً على رأسهم الشيخ حسن الخطاب، كانوا محكومين في قضايا الإرهاب. وأفاد بلاغ لوزارة العدل بأن العفو عن هؤلاء المعتقلين جاء "بعدما أعلنوا بشكل رسمي تشبتهم بثوابت الأمة ومقدساتها وبالمؤسسات الوطنية، وبعد مراجعة مواقفهم وتوجهاتهم الفكرية ونبذهم للتطرف والإرهاب".

تقدّم قررات العفو المؤشر الأحدث عن التحوّل الذي تشهده البلاد في طريقة التعاطي مع المسألة الجهادية السلفية. لقد استفاد خمسة من الشيوخ المعتقلين المحسوبين على تيار السلفية الجهادية من عفو ملكي في العامَين 2011 و2012، حتى إن عدداً قليلاً منهم سُمِح له بالعمل السياسي داخل تنظيمات حزبية قائمة. في آذار/مارس 2014، ألقى الشيخ محمد الفيزازي خطبة الجمعة أمام الملك محمد السادس وقام بإمامة الصلاة به. تكريساً لهذا التقارب، أعلن المجلس العلمي الأعلى بشراكة مع وزارة الأوقاف، في 4 نيسان/أبريل 2015، عن تنظيم ندوة علمية تحت عنوان "السلفية: تحقيق المفهوم وبيان المضمون"، والتي تم تكثيف بعض خلاصاتها ومخرجاتها وعُرِضَت في درس رمضاني ألقاه العالم المغربي مصطفى بنحمزة، المعروف بخلفيته السلفية، أمام الملك في تموز/يوليو الماضي. تؤشّر خطوات العفو هذه إلى تحسّن في العلاقة بين عدد من الشخصيات السلفية والنظام، ومراجعة بعض عناصر المقاربة الحكومية في مكافحة التطرف.

منذ التفجيرات الإرهابية في أيار/مايو 2003، استندت المقاربة المغربية الرسمية لمكافحة التطرف إلى دعم الطرق الصوفية المغربية لتكون بمثابة ثقل موازن في مواجهة أنماط التدين "الدخيلة"، السلفية أساساً. لقد حظي المكوّن الصوفي بوضع امتيازي ومعاملة رسمية تفضيلية جعلته يكتسح وبشكل مكثف المجال العمومي بفضاءاته المتنوعة. الرهانات المرجوة من وراء هذه الاستراتيجية لم تعد خفية، وهي لا تخرج في المجمل عن أجندة استخدام الطرق الصوفية لاحتواء النزوعات السلفية المتشددة الآخذة في التغلغل في أوساط الشباب، إضافة إلى مواجهة المشاريع الأيديولوجية للحركات السلفية، المعتدلة أو المعارضة، وهو توجّه ظل ثابتاً في السياسة الدينية المغربية مند نهاية السبعينات. وكان الهدف من هذه المقاربة تأمين آلية فعّالة يُراهَن عليها لتحصين المملكة من كل ما من شأنه تهديد أمنها واستقرار نموذجها السياسي.

على الرغم من أن الحكومة تستمر في دعم المؤسسات الصوفية، إلا أنها باتت تدرك التداعيات السياسية والأمنية لتهميش السلفيين. لقد أظهرت هذه الاستراتيجية محدوديتها في أعقاب الربيع العربي. فالطرق الصوفية، رغم سهولة توظيفها سياسياً، يظل فعلها الجماعي مفتقداً لرؤية سياسية واضحة التوجه. لكن بعض الطرق الصوفية، البوتشيشية تحديداً، أبدت دعماً قوياً للتعديل الدستوري في صيف 2011، من خلال إنزال مكثف لمريديها في الشوارع للتعبير عن تماهيها اللامشروط مع مواقف النظام، الأمر الذي أثار ردود فعل سلبية من الصف الإسلامي وحتى من داخل التوجه الصوفي نفسه، بدعوى أن تلك الخطوة تتعارض مع روح التصوف المعروف بالنأي بنفسه عن القضايا السياسية الخلافية. 

أما على المستوى الأمني، فإن الاستراتيجية الحكومية القائمة على استخدام الصوفية في مواجهة الفكر السلفي المتطرف، لم تثبت فعاليتها بعد. تشكّك الحكومة بصورة متزايدة في قدرة التوجه الصوفي بتوجهاته وأشكاله المختلفة، رغم كل الدعم الذي يحظى به من الدولة، على بلورة تيار ديني ومجتمعي-كما راهنت الدولة في البداية- يتمتع بالقوة الكافية ليتحوّل إلى بديل عن الأيديولوجيات السلفية الجهادية والتكفيرية، إذ يبدو أن هذه الأخيرة لم تفقد تماماً بعد كل جاذبيتها وقدراتها الاستقطابية في أوساط بعض الفئات المجتمعية الهشّة.

لذلك، يبدو أن صنّاع القرار يميلون نحو سياسة تقوم على تقبّل أكبر للمكوّن السلفي، والتوليف بينه وبين المكوّن الصوفي. تشير ندوة المجلس العلمي حول السلفية -التي حاولت توضيح مفهوم السلفية من حيث أهدافها وممارساتها ونظرة الرأي العام إليها واستراتيجيات التواصل- إلى أن الهدف هو استعادة مفهوم السلفية وإعادة تملّكه. فضلاً عن معالجة "المفاهيم الخاطئة" عن السلفية، دعت الندوة التي نُظِّمت برعاية الحكومة، الفقهاء السلفيين البارزين، على غرار الشيخ محمد زحل، إلى العمل على مواءمة السلفية -فهماً وتطبيقاً- مع الأنموذج الديني المغربي القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف، وذلك أملاً في الانخراط في حوار مفتوح مع الشباب السلفي وتزويدهم بهذا الفهم "الصحيح" للسلفية. هذا التحول في الخطاب سيكرسه بوضوح وزير الأوقاف أحمد التوفيق، في كلمته الافتتاحية للندوة المذكورة، عندما أقر بأن "كل المغاربة، اليوم كالأمس، [هم] سلفيون"، مشيداً بـ"الجهود التربوية القيّمة" التي تبذلها بعض الجماعات الحاملة لهذا الفكر.

فضلاً عن ذلك، سُمِح لعدد كبير من الأشخاص في التيار السلفي - عندما بات من الصعب فصل التيار عن السياسة- باندماج سياسي محدود. يتطلع القادة السلفيون المغاربة، بعد إعطاء النظام تطمينات وافية عن سلوكهم منحى الإصلاح والتوبة، إلى السير على خطى اندماج حزب النور السلفي المصري، وقد سعى عدد من رموز التيارات السلفية وأتباعها إلى الاضطلاع بدور سياسي أكثر نشاطاً عبر الانضمام إلى أحزاب معارضة صغيرة مثل حزب النهضة والفضيلة الإسلامي المعتدل، والحركة الديمقراطية الاجتماعية المنتمية إلى يمين الوسط. فمن خلال هذا النشاط السياسي المحدود، يستطيعون -عند الحاجة- تقديم الدعم السياسي للنظام. 

من شأن التعددية الدينية المقنّنة رسمياً بضوابط سياسية ومؤسساتية أن تعزز، ولو مؤقتاً، الوظيفة التجميعية/التحكيمية لمؤسسة إمارة المؤمنين، بدلاً من أن تبقى الحكومة سجينة مقاربة انتقائية–إقصائية برهنت عن عدم فعاليتها في تأمين الحاجيات السياسية الملحة للنظام.