يُعتبَر النقص الحاد في الغاز الطبيعي من الأزمات الأكثر إلحاحاً التي يواجهها الاقتصاد المصري. لقد حظيت الأزمة في ذاتها – التي تسبّبت بخفض مستوى التموين للمصانع وبانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي – بتغطية واسعة في الصحافة المحلية والعالمية، وامتحنت صبر الشعب المصري ومجتمع الأعمال في البلاد. لكن خلال الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أعلن المسؤولون في الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) أن الصناعات المصرية الثقيلة باتت تحصل على كامل احتياجاتها من الغاز الطبيعي وسواه من المحروقات. وهذا ما أكّده المسؤولون في عدد من الشركات والمؤسسات التجارية في الثاني من كانون الأول/ديسمبر الماضي. ولم يُسجَّل أيضاً انقطاع للتيار الكهربائي في المناطق السكنية الكبرى. لسوء حظ مصر، قد يكون ذلك ناجماً ببساطة عن خمود مؤقت في الطلب بسبب المناخ المعتدل وتباطؤ الإنتاج في الصناعات الثقيلة، وليس مؤشراً عن انتهاء النقص في الغاز الطبيعي.

يُعتبَر الغاز الطبيعي من أهم المدخلات في البنية التحتية لتوليد الطاقة في مصر. بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان الغاز الطبيعي يشكّل في العام 2013 نسبة 51.5 في المئة من مجموع الطاقة الأولية التي يتم إنتاجها في مصر، وكان يُستخدَم في إنتاج 76.8 في المئة من التيار الكهربائي الذي يتم توليده. لم يكن هذا الاعتماد على الغاز الطبيعي يطرح مشكلة عندما كان هناك فائض في مصر. وفقاً للمراجعة الإحصائية التي وضعتها شركة "بي بي" عن الطاقة العالمية للعام 2015، بلغ الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي الذروة مع 6.06 مليارات قدم مكعب في اليوم في العام 2009، عندما كان معدّل الاستهلاك لا يتعدّى 4.11 مليارات قدم مكعب في اليوم. لكن بحلول العام 2014، كان إنتاج الغاز المحلي قد تراجع بنسبة 22.3 في المئة ليصبح 4.71 مليارات قدم مكعب في اليوم.

في المقابل، دفع النمو السكاني السريع في مصر، مصحوباً بتهافت شديد على استعمال الأدوات الإلكترونية ومكيّفات الهواء، بالاستهلاك إلى بلوغ الذروة مع 5.09 مليارات قدم مكعب في اليوم في العام 2012 (مع العلم بأنه شهد هبوطاً شديداً في العامَين 2013 و2014، بسبب محدوديات التموين). وتزامن ذلك مع تباطؤ إنتاج الغاز الطبيعي وتوقّف الحكومة عن إبرام عقود جديدة للتنقيب عن الغاز إبان الانتفاضات الشعبية في العام 2011 ومن ثم في العام 2013. وكانت النتيجة انتهاء الفائض في الغاز الطبيعي المصري، وخسارة مصر لمكانتها كمصدِّرة صافية للطاقة.

لقد كان خفض إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصانع الطاقة أمراً شائعاً لسنوات عدة، بيد أن الطلب المتزايد من السكان وعدم رغبة الحكومة في إثارة التململ الشعبي دفعا بالسلطات إلى تحميل الصناعات الثقيلة الوزر الأكبر للخفوضات في إمدادات الغاز الطبيعي، بدلاً من مصانع الطاقة التي تؤمّن التيار الكهربائي للأحياء السكنية في مصر. فقد أشارت تقارير إعلامية في أواخر أيار/مايو 2015، إلى أن الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية توقّفت عن ضخ الغاز الطبيعي إلى 60 في المئة من المصانع الثقيلة، وبلغ إنتاج الغاز 4.35 مليارات قدم مكعب في اليوم. لا يلحق هذا الإجراء الضرر بالاقتصاد المحلي وحسب، بل إن الخفوضات في الإنتاج تتسبب أيضاً بتراجع قدرة مصر على التصدير، ما يؤدّي إلى تفاقم النقص في العملات الأجنبية الذي يرزح الاقتصاد تحت وطأته منذ فترة. يُشار في هذا السياق إلى أنه بحلول أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تراجع الإنتاج إلى 4.15 مليارات قدم مكعب في اليوم.

كذلك، تبدو آفاق المستقبل بالنسبة إلى إمدادات الغاز الطبيعي للأعمال والشركات قاتمة إلى حد ما – يُقدَّر العجز بين العرض والطلب بـ0.7 مليار قدم مكعب في اليوم حالياً، ويُتوقَّع أن يرتفع إلى 1.77 مليار قدم مكعب في اليوم في السنة المالية 2017-2018، ويسجّل الإنتاج الطبيعي من الحقول النشطة تراجعاً بمعدل 1.2 مليار قدم مكعب في اليوم سنوياً. بيد أنه بإمكان ثلاثة تطورات مهمة شهدها العام 2015 أن تقلب الأوضاع رأساً على عقب بالنسبة إلى إمدادات الغاز الطبيعي في مصر.

أولاً، بدأت مصر خلال العام 2015 استلام شحنات من الغاز الطبيعي المسال من عدد من شركات النفط والغاز الدولية، منها "بي بي" و"شيل" و"بتروتشاينا"، عن طريق وحدتَين عائمتين للتخزين وإعادة التغويز تتيحان لمصر حالياً استيراد 0.70 مليار قدم مكعب إضافي يومياً عبر كل واحدة منهما، والمساعي جارية لاستئجار وحدة ثالثة تصل قدرتها الاستيرادية إلى 0.75 مليار قدم مكعب في اليوم في أواخر العام 2016 أو 2017. فضلاً عن شراء الغاز مباشرة للشبكة الوطنية، وافقت مصر أيضاً على السماح لمصانع الإسمنت والحديد باستيراد بعض من احتياجاتها من الغاز الطبيعي عن طريق الوحدات العائمة للتخزين وإعادة التغويز، على أن تسدّد ثمن نصف كمية الغاز التي تستهلكها بحسب السعر المنصوص عليه في العقد مع الحكومة، وثمن النصف الآخر بحسب أسعار السوق العالمية. في حين أن هذا الإجراء قد يؤدّي إلى زيادة استهلاك الغاز الطبيعي في الإجمال، سوف يساهم في خفض الضغوط التي تتعرّض لها الإمدادات المحدودة أصلاً من الغاز المنتَج داخلياً في مصر.

ثانياً، في آب/أغسطس 2015، اكتشفت شركة الطاقة الإيطالية "إيني" حقل غاز "عملاقاً" في البحر المتوسط في أحد المواقع حيث حصلت من الحكومة المصرية على امتياز للتنقيب. بدأت أعمال الحفر في 26 كانون الأول/ديسمبر الماضي، ويُتوقَّع أن تُستخرَج كميات الغاز الأولى من حقل زهر في مرحلة ما في العام 2018 أو 2019. لكن، بحسب مداخلة ألقاها خالد أبو بكر، أحد مؤسّسي شركة دولفينوس القابضة المصرية لتجارة الغاز، أمام غرفة التجارة الأميركية في مصر في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2015، ستكون الإنتاجية في البداية منخفضة جداً، ولن يبلغ الإنتاج ذروته قبل العام 2024. وقد ورد في مداخلة أبو بكر أنه عندما يبلغ حقل زهر ذروة الإنتاج، سوف يُنتج بين 2.5 و2.7 مليار قدم مكعب في اليوم، ليعود الإنتاج فيتلاشى ويتوقّف بالكامل في أربعينيات القرن الحالي. علاوةً على ذلك، غالب الظن أن الإنتاج سيبدأ في حقول غاز أخرى في السنوات المقبلة، مثل الحقل الذي اشترته شركة بي بي المصرية من شركة دي إي أيه دويتشه إردويل أيه جي في أعماق المياه في المتوسط.

ثالثاً، أُحرِز تقدّم كبير نحو التوصل إلى اتفاق بين مصر وإسرائيل وعدد من شركات الطاقة في القطاع الخاص من أجل تصدير الغاز من حقل لوثيان الإسرائيلي بواسطة أحد خطوط الأنابيب إلى مصر. من شأن الاتفاق أن يؤمّن لشركة دولفينوس القابضة أربعة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي في السنة، أو 0.387 مليار قدم مكعب في اليوم. بيد أن قراراً صادراً عن التحكيم الدولي حول القرار الذي اتخذته مصر في العام 2012 بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل قد يؤدّي إلى تسديد مصر 1.76 مليار دولار أميركي لشركة كهرباء إسرائيل، ويمكن أن يؤدّي إلى تأخير نقل الغاز الطبيعي من حقل لوثيان إلى مصر. على الرغم من ذلك، من الواضح أن كلاً من إسرائيل ومصر يعتبر أنه من شأن اتفاق لوثيان أن يعود عليه بالفائدة، فقد أرسلت إسرائيل مبعوثاً إلى مصر بهدف تمهيد الطريق للتوصل إلى اتفاق، وثمة كلامٌ عن تحوّل منطقة شرق المتوسط إلى مركز عالمي للغاز الطبيعي بفضل الاكتشافات الواسعة في المياه الإقليمية التابعة لكل من مصر وإسرائيل وقبرص.

يمكن أن تحمل كل هذه التطورات أخباراً سارّة لمصر في المدى المتوسط عبر التخفيف من وطأة النقص الحالي في الغاز الطبيعي. لكن تبقى هناك علامات استفهام حول وضع إمدادات الغاز الطبيعي في مصر في العام 2016، والتزام الحكومة المصرية بتجنّب مشكلات النقص في العرض التي عانت منها خلال الأعوام الأخيرة. على الرغم من أن مستوى الاستهلاك يختلف باختلاف الفصول – يستهلك المصريون كمية أكبر بكثير من التيار الكهربائي، وبالتالي من الغاز الطبيعي، عند تشغيل مكيّفات الهواء – إلا أن العجز بين العرض والطلب بلغ 0.7 مليار قدم مكعب في اليوم في أيلول/سبتمبر 2015، وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الغاز المستخرَج من آبار الغاز الطبيعي في مصر قد يتراجع بمعدّل 1.2 مليار قدم مكعب في اليوم سنوياً مع بلوغ الآبار نهاية دوراتها الإنتاجية وجفاف الغاز.

من شبه المؤكّد أن مصر ستعمد من جديد، أقله في صيف 2016، إلى خفض إمدادات الغاز الطبيعي للصناعات الثقيلة. صحيح أن الوحدتَين العائمتين للتخزين وإعادة التغويز قد تتيحان التخفيف قليلاً من الضغوط، إلى أن قدرتهما تقتصر على استيراد 1.4 مليار قدم مكعب في اليوم بانتظار استئجار وحدة ثالثة – بحلول أواخر العام 2016 على أقرب تقدير، شرط أن تتمكّن مصر من تأمين مبلغ كافٍ بالعملات الأجنبية لتسديد التكاليف. إلا أن ذلك يبدو صعباً في ظل الأزمة التي تعاني منها مصر حالياً في مجال احتياطي العملات الأجنبية – وتأخُّر الحكومة في تسديد الدفعات المستحقة عن البنى التحتية والغاز الطبيعي المسال، ومواجهتها خطر التخلّف عن تسديد ديونها.

الآفاق في المدى الطويل ملتبسة بالدرجة نفسها. ستحصل مصر على مزيد من مصادر الغاز الطبيعي بعد العام 2016، من حقل زهر وكذلك من الغاز المستورَد من حقل لوثيان عبر خط الأنابيب والذي يُرجَّح أن يبدأ بالتدفق نحو أواخر العقد الجاري. بيد أن الحكومة المصرية لم تبدِ رغبة بالتحلي بالانضباط وإجراء الإصلاحات الهيكلية الضرورية من أجل تفادي النقص في الغاز الطبيعي في المستقبل. لقد تم تقليص الخطط الهادفة إلى إلغاء الدعم الحكومي للبترول والتي كانت موضع إشادة واسعة، فحتى وزير البترول المصري طارق الملا أقرّ بأن مصر "تعاني" بسبب الدعم الحكومي للبترول، كما أن البلاد تشهد إنشاء مزيد من المصانع التي تستهلك الكثير من الغاز الطبيعي، مثل مصانع الطاقة والإسمنت

لا تُحسَد مصر حالياً على وضعها الاقتصادي. فعلى الرغم من التطورات خلال العام 2015، ما يخبّئه المستقبل سيكون أسوأ بالتأكيد إذا لم تستطع مصر الوصول إلى كمية كافية وموثوقة من الغاز الطبيعي لتأمين الطاقة. يتعين على مصر أن تمضي قدماً في خفض الدعم الحكومي لقطاع الطاقة بغية المواءمة بين العرض والطلب، وعليها أيضاً التركيز على تنويع مصادر الطاقة. لقد حملت مرحلة ما بعد الثورة انتكاسة مؤسفة للاقتصاد، لكن لم يعد بإمكان مصر التذرّع بالثورة لتبرير وضعها الاقتصادي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.