اختار الحزب الحاكم في تونس وقتاً غير مؤاتٍ كي ينهار وتتداعى صفوفه. ففي سلسلة من الأحداث التي لا بد من ملاحظة نقاط التشابه بينها وبين ثورة 2011، اندلعت احتجاجات في مختلف أنحاء تونس الأسبوع الماضي، إبان إقدام شاب على الانتحار بدافع الإحباط جراء عجزه عن إيجاد وظيفة. وقد جاء رد الحكومة باهتاً: وعد الرئيس الباجي قائد السبسي بتأمين وظائف في القطاع العام لأبناء بلدة القصرين في تونس، لكنه أعلن أيضاً فرض حظر تجوال في مختلف أنحاء البلاد، ولجأ إلى تكتيكات التخويف عبر التحذير من أن  تنظيم الدولة الإسلامية قد تستعمل التظاهرات للتدخل في البلد. يُشار إلى أن الاحتجاجات اندلعت بعد أسبوع واحد فقط من خسارة حزب نداء تونس بقيادة السبسي موقعه في البرلمان حيث كان يملك الكتلة النيابية الأكبر، إثر انقسام داخلي حاد أسفر عن مغادرة أكثر من 24 نائباً صفوف الحزب. في حين أن الفوضى داخل حزب نداء تونس قد تتسبّب بتعاظم الغضب من النخب السياسية لدى الشعب التونسي، وتضع تعقيدات وعراقيل أمام الجهود الحكومية لإدارة شؤون البلاد، يمكن أن تعود الاستقالات ببعض الفائدة إذا أدّت إلى ظهور حزب معارض فعّال في مجلس النواب.

ليس انهيار نداء تونس بالأمر المفاجئ. قبل انتخابات 2014، كانت الأحزاب السياسية العلمانية في تونس منقسمة على صعيدَي الأيديولوجيا والهوية الذاتية. لقد وجدت صعوبة في تطوير برامج وهويات حزبية متماسكة، وافتقرت إلى الآليات التنظيمية لتسوية النزاعات الداخلية بطريقة فعّالة ومجدية. نجح السبسي في توحيد عدد كبير من هذه الفصائل المتنافسة تحت راية نداء تونس، مستنداً في شكل أساسي إلى النفور من النهضة ومن حكومة الترويكا. وقد حقّق الحزب نجاحاً في صناديق الاقتراع، ما ساهم في وصول السبسي إلى الرئاسة ومكّن الحزب من السيطرة على البرلمان الجديد وقيادة الائتلاف الحاكم – لكن النصر ترافق مع ظهور التشنجات القديمة من جديد.

يبدو أن السبب الأكثر فورية للشقاق الأخير في صفوف الحزب هو الصراع على السلطة بين رجلَين: محسن مرزوق الذي أدّى دوراً أساسياً في النصر الانتخابي للحزب قبل أن يصبح أمينه العام في 13 أيار/مايو 2015؛ وحافظ قائد السبسي، نجل الرئيس والشخصية البارزة في الحزب. أحدث الرئيس السبسي فراغاً على مستوى القيادة في حزب نداء تونس عندما استقال منه إبان تسلّمه سدة الرئاسة، وتلاحقه منذ ذلك الوقت الاتهامات بأنه يحاول إيصال نجله إلى زعامة الحزب. وقد بلغت التشنجات ذروتها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بعد قيام الفصيل التابع للسبسي الابن باستخدام تكتيكات ليّ الأذرع في أحد الاجتماعات الحزبية. وقد سُوِّيت الأزمة آنذاك لصالح حافظ قائد السبسي، ونفّذ مرزوق وأنصاره تهديدهم بالاستقالة. بيد أن الانقسام يعكس أيضاً الاختلافات الأيديولوجية والخلاف في الرأي حول مقاربة الحزب لآلية الحكم. فعلى الرغم من أن الهدف الأول للحزب كان مواجهة حركة النهضة الإسلامية، إلا أنه عاد فشكّل حكومة ائتلافية معها بعد الفوز في الانتخابات في العام 2014. وقد كان كثرٌ في الحزب، ومنهم مرزوق، غير راضين عن التعاون مع النهضة.

حصلت الاستقالات من حزب نداء تونس في وقت لا تزال المؤسسات الديمقراطية الجديدة تتخبّط من أجل تلبية وعود الثورة. كان النمو الاقتصادي بطيئاً منذ العام 2011، وقد يكون معدوماً هذه السنة لجملة أسباب منها انهيار القطاع السياحي إبان سلسلة الهجمات الإرهابية الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد في العام 2015. لا يزال معدل البطالة مرتفعاً، لا سيما لدى الشباب – تصل نسبة البطالة لدى الشباب إلى 37 في المئة بحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - وتكتسب هذه المشكلات طابعاً حاداً على وجه الخصوص في المناطق الداخلية المهمّشة التي انبثقت منها الثورة. في غضون ذلك، تستمر الأجهزة الأمنية التي لم تخضع للإصلاح، في استغلال سلطاتها تحت غطاء مكافحة الإرهاب، ولا يزال الفساد مستشرياً. والنتيجة هي تشكيك أعداد متزايدة من التونسيين بالديمقراطية وبقدرة النخب السياسية التونسية على رفع هذه التحدّيات.

غالب الظن أن المشاحنات العلنية داخل حزب نداء تونس سوف تؤدّي إلى تعاظم المخاوف بشأن النظام السياسي التونسي. تبدو الصدامات والخلافات الشخصية حول قيادة الحزب تافهة عندما تكون الرهانات مرتفعة إلى هذه الدرجة. الأسوأ هو أن الانقسام قد يجعل الحكومة تجد صعوبة أكبر في تحسين أدائها. لا يزال الائتلاف الحكومي على حاله، بيد أن الاستقالات قد تولّد إرباكاً وشللاً في مجلس النواب، فيما تزرع بزور خضّات جديدة من عدم الاستقرار داخل نداء تونس والحكومة في المستقبل.

لكن قد يكون للاستقالات جانب إيجابي إذا ساهمت في تسهيل ظهور حزب معارض حقيقي داخل مجلس النواب. لقد أدّى الائتلاف الذي شكّله نداء تونس وحركة النهضة إلى تعزيز التزام النخبة بالإجراءات الديمقراطية وتسوية الخلافات عن طريق التشاور وتقديم التنازلات. بيد أن الائتلاف بين الحزبَين المسيطرين تسبّب أيضاً بتقويض التمثيل الصحيح وخفض الاستجابة إلى أدنى مستوياتها، في وقتٍ يبدو فيه أن الديمقراطية تخسر بعضاً من مصداقيتها لدى الجمهور. ففي غياب الضغوط السياسية من جانب معارضة نشطة وفعالة، تتراجع أكثر فأكثر جهوزية الحكومة لمعالجة المشكلات الحسّاسة إنما الملحّة، مثل الفساد وإصلاح القطاع الأمني؛ وفي غضون ذلك، ليس للتونسيين الذين يعارضون أداء الحكومة حزبٌ فعّال يتحدث باسمهم داخل المؤسسات الديمقراطية. على الأرجح أن غياب المعارضة الحقيقية تسبّب باشتداد مشاعر النفور لدى التونسيين من النظام السياسي، ما يساهم بصورة غير مباشرة في الاضطرابات الاجتماعية الأخيرة.

زعم مرزوق أنه سيؤسس حزباً جديداً في إعلان رسمي صدر عنه في آذار/مارس الماضي. لعل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تكرارٌ لسيناريو سابق: ظهور حزب ضعيف آخر يعتمد على الشخصانية، من دون أتباع حقيقيين من خارج دائرة النخبة. لكن قد تختلف الأمور هذه المرة. فمرزوق سياسي بارز ومحنّك ذو تاريخ عريق في التنظيم السياسي والحراك، وعدد الأشخاص الذين تركوا نداء تونس وتبعوه كبيرٌ بما يكفي لمنحهم حضوراً ذا ثقل في حال عملوا معاً. حتى الآن، لم يفصح مرزوق صراحةً عن نواياه، مكتفياً بالإشارة إلى أن الأشخاص الذين استقالوا من نداء تونس لن يخدموا في الحكومة ولن ينخرطوا علناً في المعارضة. بإمكانه أن يدرس مع حلفائه اتخاذ موقف أكثر جرأة، عبر محاولة تمثيل الأشخاص الذين يشعرون بأنه لا صوت لهم في المنظومة. الديمقراطية الوليدة في تونس، ناهيك عن الشباب التونسيين الذين يتظاهرون في الشوارع، بحاجة إلى معارضة أكثر فعالية في مجلس النواب.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية