في الذكرى السنوية الخامسة لثورة 25 كانون الثاني/يناير، طغى على حديث المعلقين والخبراء الكلام عن الشوارع الفارغة وغياب الناس والاحتجاجات أو حتى الاحتفالات الرسمية بالذكرى. قد يبدو في الظاهر أن النظام الذي سمح باندلاع الاحتجاجات وحرّض عليها وبالغ في تصوير حجمها من أجل إضفاء شرعية على عزل محمد مرسي، تمكّن من وضع حد نهائي للاحتجاجات في عهده. لكن الأمور ليست كما تبدو في الظاهر.

الرواية التأسيسية للنظام الذي يقوده عبد الفتاح السيسي في مصر هو أنه وجب إنهاء حكم مرسي لأن البلاد كانت في وضع مزرٍ بسبب العدد القياسي من الاحتجاجات. بحسب هذه الرواية، ما فعله الجيش ببساطة جاء تلبية لإرادة الشعب الذي نزل بالملايين إلى الشارع للمطالبة بتنحّي مرسي، ولم يكن تحرّكاً للاستيلاء على السلطة. صحيح أن قلة من المراقبين المتّزنين مستعدّة لتصديق المصادر العسكرية المجهولة الهوية التي زعمت أن 33 مليون مواطن نزلوا إلى الشارع، إلا أن كثراً يوافقون على أن مرسي واجه مستوى مرتفعاً جداً من الاحتجاجات في الشوارع خلال العام الذي أمضاه في الحكم.

تشكّك البيانات عن الاحتجاجات في صحة هذه الرواية. بدلاً من التركيز على الاحتجاجات التي لم تدم طويلاً – على الرغم من أهميتها أو رمزيتها – يصبح المشهد أشدّ تعقيداً عندما ننظر إلى متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم الواحد على امتداد فترة أطول من الزمن. فالبيانات تُظهر أن متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم تضاعف تقريباً ثلاث مرات منذ عزل مرسي. وقد شهدت الأشهر الخمسة الأولى إبان الانقلاب على مرسي، المستوى الأعلى من الاحتجاجات (107.5 احتجاجات في اليوم) منذ انتفاضة 2011 التي أدّت إلى إسقاط مبارك. في المقابل، خلال العام الذي أمضاه مرسي في السلطة، بلغ متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم الواحد 38.6.

لم يسجّل الحراك الاحتجاجي تراجعاً ملحوظاً إلا بعدما أقرّ الرئيس المؤقّت عدلي منصور قانون التظاهر في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ما أدّى إلى تراجع بنسبة 25 في المئة في مجموع الاحتجاجات. وقد اعتبر جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن القانون أكثر قمعاً من قانون التظاهر السابق الذي أقرّه المسؤولون الاستعماريون في العام 1914 عندما كانت مصر لا تزال محميّة خاضعة لوصاية الأمبراطورية البريطانية.

الجدول الأول: متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم في عهد مرسي وعهد منصور/السيسي

على الرغم من القمع غير المسبوق والرقابة على الإعلام، واجه السيسي احتجاجات تساوي في المعدل خمسة أضعاف الاحتجاجات التي شهدها مبارك بين 2008 و2010.

 

منذ انطلاقة الاحتجاجات الحاشدة ضد مرسي في 30 حزيران/يونيو 2013 حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2015، سجّلت "قاعدة البيانات العالمية للأحداث واللغة واللهجة" (GDELT) اندلاع 54677 تظاهرة احتجاجية في مصر. تحتسب قاعدة البيانات GDELT عدد الاحتجاجات التي ذُكِرت في الصحافة المطبوعة والإعلام المرئي والمسموع ووسائل الإعلام الإلكترونية في مئة لغة في كل بلد تقريباً حول العالم، ما يعني أنها تبتعد عن التحيّز في الإعلام الغربي والمصري. لكن بما أن قاعدة البيانات GDELT تعتمد على جمع مصادر الأخبار بطريقة آلية، تميل عادةً إلى المبالغة في احتساب بعض الأحداث التي تحظى بتغطية واسعة. فضلاً عن ذلك، بما أن الوصول إلى الأنباء في شكل عام ازداد ولا يزال في ازدياد في الأعوام الأخيرة، يجري عادةً التقليل من شأن الاحتجاجات التي وقعت في أعوام سابقة. لكن بما أننا نتحدّث عن احتجاجات وقعت من منتصف العام 2012 حتى نهاية العام 2015، فهذه النقطة لا تطرح إشكالية جدّية، فالاحتجاجات في مصر كانت موضع تغطية واسعة طوال تلك الفترة.

بيد أن بيانات الاحتجاج لا تعبّر عن حجم كل واحد من التحركات الاحتجاجية. فالاحتجاج الصغير يُحتسَب تماماً مثل الاحتجاج الكبير. يعني ذلك أيضاً أنه لا يمكن أن تُعزى الزيادة في الاحتجاجات بعد عزل مرسي إلى الاعتصامات الحاشدة في رابعة العدوية وميدان النهضة في القاهرة. على الرغم من أن الاعتصام في رابعة العدوية كان أكبر بكثير من الاعتصامات في ميدان التحرير في العام 2011، لناحية المساحة الجغرافية التي احتلّها، إلا أنه احتُسِب احتجاجاً واحداً من أصل 107.5 احتجاجات في اليوم بعد الانقلاب، وقبل إقرار قانون التظاهر. 

تكشف البيانات أيضاً أنه منذ تنصيب السيسي رئيساً في 8 حزيران/يونيو 2014 حتى أواخر كانون الأول/ديسمبر 2015، بلغ متوسط عدد الاحتجاجات 29.1 احتجاجاً في اليوم. في حين أن هذا الرقم أدنى من متوسط عدد الاحتجاجات – 38.6 – خلال وجود مرسي في الحكم، إنه أعلى بكثير من عدد الاحتجاجات خلال العقد الأخير من عهد مبارك.

فحتى خلال صعود الحركة العمالية من جديد في العام 2008 وموجة الإضرابات التي بدأت في مدينة المحلة الصناعية – أكبر موجة من الإضرابات في مصر منذ أربعينيات القرن العشرين – كان متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم في العام 2008، 3.9 فقط. وفي العام 2009، بلغ متوسط عدد الاحتجاجات في اليوم 4.4؛ وفي العام 2010، 5.8. بعبارة أخرى، يساوي متوسط عدد الاحتجاجات التي تشهدها مصر يومياً في عهد السيسي نحو خمسة أضعاف متوسط عدد الاحتجاجات من 2008 إلى 2010 خلال عهد مبارك. فضلاً عن ذلك، بقي عدد الاحتجاجات منذ شباط/فبراير 2014 ثابتاً إلى حد ما.

الجدول الثاني: إجمالي عدد الاحتجاجات خلال عهد مرسي وعهد منصور/السيسي

على الرغم من القمع غير المسبوق والرقابة على الإعلام، واجه السيسي احتجاجات تساوي في المعدل خمسة أضعاف الاحتجاجات التي شهدها مبارك بين 2008 و2010.

 

البيانات هي مؤشر لقياس فعالية الرقابة على الإعلام والقمع على السواء. لم يكد يمضِ دقائق على عزل مرسي حتى أقدم النظام على إغلاق القنوات التلفزيونية التابعة للإسلاميين والإخوان المسلمين. وتوقّف بث "البرنامج" الذي يقدّمه باسم يوسف، وكذلك برنامج "بلدنا بالمصري" الذي تقدّمه ريم ماجد، مع العلم بأن البرنامجَين كانا ينتقدان النظام. صحيح أن هذه الرقابة الفاضحة على الإعلام قد تحرم المصريين من مصادر بديلة للمعلومات – ومن الترويح عن النفس من خلال البرامج الهزلية – إلا أنها ليست فعالة في عصر البيانات الكبرى. بما أن قاعدة البيانات GDELT تستمد معلوماتها من مصادر إعلامية في مختلف أنحاء العالم، فإن العدد الكبير للتقارير المأخوذة من الإعلام غير المصري يمكن أن يكون كافياً للقضاء على مفاعيل الرقابة في مصر. ربما كانت الاحتجاجات تحظى بتغطية أقل من جانب وسائل الإعلام في مصر، لكن هذه الرقابة بالتحديد قد تدفع بوسائل الإعلام في الخارج إلى التدقيق أكثر في الموضوع وإعداد مزيد من التقارير عن الاحتجاجات.

استخدم النظام الحراك في الشارع لإضفاء مظهر من الشرعية على عزل مرسي، لكنه سرعان ما بادر إلى إسكات أي حراك جماعي مماثل في إطار حملة قمع شديدة ومكثّفة أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مواطن في يوم واحد في رابعة العدوية، مرتكباً بذلك أكبر مجزرة في تاريخ مصر بعد الاستعمار، كما أعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تنظيم إرهابي، وأصدر أحكام إعدام بالجملة، وأقرّ قانون التظاهر الجديد القمعي. ولا تزال حملة القمع مستمرة حتى يومنا هذا. فمنذ آب/أغسطس حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أصبح نحو 340 شخصاً في عداد المفقودين. وعلى مشارف الذكرى السنوية الخامسة للثورة المصرية، تمت مداهمة أكثر من خمسة آلاف منزل في وسط القاهرة.

دفع هذا القمع بعدد كبير من المراقبين إلى الاعتقاد بأنه من المستبعد اندلاع انتفاضة جماهيرية جديدة، مشيرين إلى أن التهديد الأكبر للسيسي لا ينبع من الاحتجاجات إنما من داخل نظامه. لكن عبر النظر في المدى الطويل بعيداً من بعض التواريخ الرمزية، تُظهر البيانات أن العدد الإجمالي للاحتجاجات منذ شباط/فبراير 2014 لم يظهر أي مؤشر بالانحسار. يبدو أنه لا القمع ولا الرقابة على الإعلام نجحت في وضع حد للاحتجاجات في مصر – ولا في تحقيق الاستقرار الذي وعد به السيسي. لم تكن التظاهرات في عهد السيسي كبيرة بحجم الاحتجاجات في 30 حزيران/يونيو 2013. بيد أن السمة التي تُميّز الاحتجاجات في عهد السيسي تتمثّل في إصرارها واستمرارها بلا هوادة. ولا يزال عدد التظاهرات التي اندلعت منذ انتخاب السيسي مرتفعاً في شكل ملحوظ: فهو يساوي نحو خمسة أضعاف متوسط عدد التظاهرات في الأعوام الأخيرة من حكم مبارك. على الرغم من القمع غير المسبوق والرقابة على الإعلام، يواجه السيسي موجة مستمرة من الاحتجاجات. وفي حالة مصر، ربما تكشف لنا البيانات الكبرى أكثر مما يكشفه فراغ ميدان كان الناس يحتلّونه من قبل.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية