العملية السياسية الليبية في مأزق. من المستبعد أن تؤدّي الخطوات القليلة التي اتُّخِذت مؤخراً من أجل التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة، إلى تحقيق الهدف الأساسي للاتفاق المتمثل في الحصول على حكومة واحدة. في غضون ذلك، يعزّز تنظيم الدولة الإسلامية حضوره في ليبيا، ما يثير القلق لدى العواصم الغربية، ويولّد زخماً لانطلاق تدخّل دولي جديد في البلاد، ولو على نطاق أكثر محدودية بالمقارنة مع التدخل السابق لإسقاط معمر القذافي. 

في ربيع 2014، تدهورت الأوضاع في ليبيا مع اندلاع مواجهة مسلّحة بين المكوّنَين الكبيرَين في الانتفاضة ضد القذافي: المكوّن الأول يتألف من الأشخاص الذين عملوا مع القذافي لكنهم انتقلوا لاحقاً إلى الضفة الأخرى، في حين يتألف المكوّن الثاني من الأشخاص الذين اعتبروا أنفسهم "الثوّار الحقيقيين" الذين يسعون إلى بناء دولة جديدة من الصفر، بدءاً من القطاع الأمني، وكان هؤلاء في معظمهم من ذوي الميول الإسلامية. المكوّن الأول يمثّله اللواء خليفة حفتر و"عملية الكرامة" التي يقودها، ومجلس النواب في طبرق، أما المكوّن الثاني فتمثّله قوات "فجر ليبيا" و"حكومة الإنقاذ الوطني" في طرابلس.

منذ أيلول/سبتمبر 2014، حاول الغرب دفع الفريقين المتردّدَين ورعاتهما الإقليميين إلى إبرام اتفاق لتقاسم السلطة بوساطة من مبعوث الأمم المتحدة الخاص، برناردينو ليون، الذي خلفه مارتن كوبلر اعتباراً من تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وقد تُوِّجت هذه العملية بتوقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات في المغرب في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015. وبموجب الاتفاق، يتحوّل المؤتمر الوطني العام الذي أعيد إحياؤه في طرابلس، والذي يمثّل حالياً ما تبقّى من قوات "فجر ليبيا"، إلى مجلس الدولة، وهو الهيئة الاستشارية الأعلى في البلاد، ويصبح مجلس النواب في طبرق السلطة التشريعية الوحيدة، مع منحه صلاحية طرح الثقة بالحكومة الجديدة. أما وظائف رئيس الدولة فيمارسها المجلس الرئاسي الجديد الذي يتخذ من العاصمة التونسية مقراً له، والذي يتألف حالياً من تسعة أشخاص يمثّلون مختلف الفصائل.

أخيراً، في 28 كانون الثاني/يناير الماضي، بعد أكثر من شهر على توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات، قرّر مجلس النواب الخاضع لسيطرة "عملية الكرامة" مع أنه يمثّل نظرياً ليبيا بكاملها، الموافقة على الاتفاق، إنما من دون البند الثامن. ينص البند الثامن الذي هو من "الأحكام الإضافية" في الاتفاق، على نقل كل الصلاحيات العسكرية إلى المجلس الرئاسي الذي يقرّر لاحقاً بشأن التعيينات العسكرية الجديدة ضمن مهلة خمسين يوماً. يعني هذا، في الجوهر، إجراء تعديل في القيادة العسكرية – والأهم من ذلك، في المنصب الذي يشغله حالياً اللواء حفتر بصفته قائد القوات المسلحة. يُعرِّض حذف البند الثامن الاتفاق بكامله للخطر، لأن كل الفصائل الأخرى تقريباً غير مستعدة للقبول باتفاق يؤدّي إلى إبقاء اللواء حفتر في منصبه الحالي. إذاً يعني ذلك أنه إذا لم يتحقق تغيير دراماتيكي، فإن تطبيق الاتفاق يواجه حائطاً مسدوداً. حتى إذا تشكّلت "حكومة الوفاق الوطني" في هذه الظروف، من غير المرجّح أن تنتقل بسلام إلى طرابلس.

أظهر تصويت مجلس النواب على الاتفاق السياسي الليبي أن هذه العملية سوف تعاني من شوائب عدة ما دامت تستند حصراً إلى تثبيت البرلمانَين في هيئة تشريعية واحدة من غرفتَين. أولاً، طالما أن مجلس النواب يقع في طبرق، أي في معقل حفتر، من الصعب أن يتخذ موقفاً يهدّد مكانة هذا الأخير، ما يمنح حفتر نفوذاً كبيراً على العملية برمتها، نظراً إلى أن قائمة أعدائه تضم الأفرقاء الذين يسيطرون على طرابلس ومصراتة، فضلاً عن حرس المنشآت النفطية في شرق ليبيا، ومعظم القادة العسكريين في بنغازي. أما المؤتمر الوطني العام فيخضع حالياً لسيطرة أقلية من المتشدّدين. "فجر ليبيا" لم يعد لها وجود كتحالف، فهذا ما يترك فعلياً مصراتة وسواها من الأطراف المهمة خارج الحكومة الثنائية المنصوص عليها بموجب الاتفاق السياسي الليبي.

أخيراً، الأساس القانوني للبرلمانَين متزعزع. فالمؤتمر الوطني العام أعيد إحياؤه عبر استقدام العديد من النواب للحلول مكان الأعضاء الأصليين من دون إجراء انتخابات جديدة. وأبطل حكمٌ صادر عن المحكمة الدستورية في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2014 التعديل الدستوري الذي أجاز انتخاب أعضاء في مجلس النواب بطبرق الذي انتهت ولايته في 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي – وليس واضحاً ما هو العدد المطلوب لاكتمال النصاب في هذا المجلس نظراً إلى أن عشرات النواب يقاطعونه منذ أكثر من عام.

في الأسابيع المقبلة، قد يواجه العالم الخارجي مفارقة: قد يوافق مجلس النواب في طبرق على قائمة جديدة من الوزراء الذين سيشكّلون حكومة الوفاق الوطني فيما يطبّق الاتفاق السياسي الليبي من دون البند الثامن. غالب الظن أن المجتمع الدولي سيعترف بهذه الحكومة مع الإعلان بأنه هناك حاجة إلى مزيد من المفاوضات حول الاتفاق السياسي الليبي. واقع الحال هو أن المؤتمر الوطني العام لن يتمكّن من الانتقال إلى طرابلس في وقت قريب، وسوف يتحوّل إلى حكومة أخرى تتخذ من طبرق مقراً لها ولا تفرض سيطرتها على مقدّرات الدولة. أو يمكن أن تبقى هناك ثلاث حكومات في ليبيا لا تمارس أي منها حكماً فعلياً. 

في هذه الأثناء، زادت الدولة الإسلامية أنشطتها عبر شن هجوم إرهابي في السابع من كانون الثاني/يناير الماضي في مدينة زليتن أسفر عن مقتل العشرات، والهجوم على منشآت نفطية في شرق البلاد في الأسبوع نفسه. صحيح أن العواصم الغربية تعتبر أن أي تدخل ضد تنظيم داعش في ليبيا يجب أن يتم بناءً على طلب من الحكومة الليبية، إلا أن المستجدات الأخيرة عزّزت الاعتقاد لدى تلك العواصم بأنه يجب المبادرة عاجلاً إلى التحرك ضد التنظيم حتى لو لم يصدر مثل هذا الطلب عن السلطات الليبية. في ليبيا وأماكن أخرى، انتشر تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة. إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي للحد من تلك المناطق وإخضاعها لحكم الدولة، على الأرجح أن التدخل العسكري، في حال حدوثه، لن يحدث تغييراً في المشهد العام.

يمكن تجنّب المأزق في عملية المصالحة السياسية عبر إصلاح العملية في ذاتها. لهذه الغاية، يمكن نقل مقرّ مجلس النواب إلى مكان أكثر حيادية ليتم الاعتراف به السلطة التشريعية الوحيدة التي تضم كل الفصائل. ثانياً، من شأن هيئة استشارية يشارك فيها عدد أكبر من الأفرقاء أن تناقش سبل المضي قدماً في تطبيق الاتفاق السياسي الليبي. ويمكن أن تضم ممثّلين عن البلديات من أبناء العشائر، وعن الحكماء الذين يؤدّون دوراً مهماً في البنية الاجتماعية الليبية. بيد أن هذه الإصلاحات تتطلب شجاعة سياسية وصبراً استراتيجياً من الغرب، والأمران غير متوافران في الوقت الحالي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.