إبان تطورات مفاجئة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، دعم سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل المنتمي إلى فريق 14 آذار/مارس، ترشيح سليمان فرنجية، زعيم تيار المردة المنتمي إلى فريق 8 آذار/مارس، لرئاسة الجمهورية – متجاوِزاً ميشال عون، المرشح المفضل لدى فريق 8 آذار/مارس. كان الهدف من دعم الحريري لترشيح فرنجية – الذي كان قد أعلن سابقاً أنه لن يقف في طريق ترشيح عون ثم أعلن عن ترشحه للرئاسة في 17 كانون الأول/ديسمبر الماضي – دقّ إسفين بين أعضاء فريق 8 آذار/مارس، لكن هذه الخطوة ترتدّ الآن على تحالف 14 آذار/مارس الذي ينتمي إليه الحريري.

سعى الحريري الذي دعم فريقه في البداية ترشيح قائد القوات اللبنانية، سمير جعجع، إلى تقديم فرنجية كمرشح توافقي من قلب فريق 8 آذار/مارس – وإلى دفع الأفرقاء من مختلف الأطياف إلى التوصل إلى اتفاق من دون تقديم انتصار إلى التيار الوطني الحر بزعامة عون. في البداية، بدا أن هذه الاستراتيجيا تحقق هدفها، فقد أبدت حركة أمل من فريق 8 آذار/مارس والحزب التقدمي الاشتراكي المستقل دعمهما للمبادرة. أما التيار الوطني الحر فقد وقع تحت تأثير الصدمة، إذ أصبح عون فجأة مرشّحاً أقل جدّية من فرنجية، الذي كان سابقاً حليفاً صغيراً لعون من الحزب الأضعف بين الأحزاب المارونية الأربعة الأساسية. علاوةً على ذلك، حاول تيار المستقبل، عبر دعم فرنجية، حمل حزب الله على الابتعاد عن عون. فقد أملوا بأن يؤدّي الدعم العلني لفرنجية الذي تجمعه روابط قوية بالنظام السوري، إلى تشجيع حزب الله على التصويت لفرنجية، ومن خلال ذلك، القضاء على التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر الذي يشكّل حجر الزاوية في فريق 8 آذار/مارس.

لكن حزب الله أدرك أن دعم فرنجية سيؤدّي إلى انقطاع روابطه مع التيار الوطني الحر، وفقدان الحزب مصداقيته في نظر الرأي العام المسيحي، فبقي على موقفه الداعم لعون. وبدلاً من ذلك، تسبّب دعم الحريري لمرشح من فريق 8 آذار/مارس بانقسامات داخل فريق 14 آذار/مارس. فقد رأت القوات اللبنانية التي تُعتبَر الحزب المسيحي الأبرز في تحالف 14 آذار/مارس، في مبادرة الحريري فعل خيانة. فالقوات لم تشعر بالإذلال وحسب عندما أقدم حليفها على دعم مرشح آخر غير جعجع، بل إنه من شأن حصول فرنجية على دعم قوي في شمال لبنان أن يهدّد نفوذ القوات اللبنانية في المنطقة الأهم بالنسبة إليها. فردّ حزب القوات اللبنانية، وجعجع نفسه، بدعم ترشيح عون – خصم القوات في زمن الحرب – للرئاسة، وذلك عملاً بالتعهد الذي كان جعجع قد قطعه في العام 2007، بأنه عندما تصبح الأمور على المحك، يفضّل جعجع "الحفاظ على مصداقيته المسيحية عبر الانفصال عن الحريري" بدلاً من دعم "شخصية ضعيفة" لمنصب الرئيس.

صحيح أن دعم جعجع لترشيح عون يمنح اندفاعة معنوية هائلة لطموحات عون بالوصول إلى الرئاسة، إلا أنه ليست له أهمية تُذكَر على المستوى العملي. عدد نواب كتلة القوات اللبنانية هو ثمانية فقط، ومع تخلّي فرنجية عن دعمه لترشيح عون، يخسر هذا الأخير أصوات ثلاثة نواب من تيار المردة، ما يعني أنه يحصل في نهاية المطاف على خمسة أصوات إضافية فقط. بما أن عون هو في الواحدة والثمانين من العمر – وبما أن جبران باسيل الذي عُيِّن مؤخراً وريثاً سياسياً له، خسر الانتخابات النيابية في مسقط رأسه البترون مرَّتين على التوالي لصالح أنطوان زهرا من القوات اللبنانية – فإن التحالف بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر يجعل جعجع المرشح المفضل بطبيعة الحال للانتخابات الرئاسية المقبلة.

من الدوافع الأخرى وراء دعم جعجع لترشيح عون المخاوف التي تراود القوات بشأن حجم تأثيرها في مجلس النواب. فعلى الرغم من أن القوات اللبنانية هي ثاني أكبر حزب ماروني بعد التيار الوطني الحر، إلا أن عدد نواب كتلتها البرلمانية لا يتعدّى الثمانية من أصل 128 نائباً، وكان تأثيرها محدوداً في السياسة اللبنانية. ففي الأعوام العشرة الماضية، اعتمد حزب القوات اللبنانية على تحالفه مع تيار المستقبل الأكبر حجماً إلى حد بعيد. وهكذا عندما تخلّى تيار المستقبل عن ترشيح جعجع، كان واضحاً أن السبيل الوحيد لزيادة نفوذ القوات اللبنانية هو تعزيز حصّتها في مجلس النواب عن طريق التقارب مع التيار الوطني الحر. في حين أنه لا يزال من السابق لأوانه معرفة إذا كان دعم ترشيح عون للرئاسة سيتحول فعلياً إلى تحالف انتخابي، من شأن هذه الخطوة أن تعود بالفائدة على الطرفَين في الانتخابات النيابية المقبلة إذا أقدما على رص صفوفهما في مواجهة اللوائح المارونية الأخرى.

كان الهدف من مبادرة الحريري في ترشيح فرنجية للرئاسة دفع فريق 8 آذار/مارس نحو الانهيار، لكن بدلاً من ذلك، وقع الشقاق بين الأحزاب الثلاثة الأكبر في تحالف 14 آذار/مارس. فحزب القوات اللبنانية يدعم ترشيح عون، في حين يدعم تيار المستقبل ترشيح فرنجية، أما حزب الكتائب فيرفض دعم أيٍ من الاثنين. فات الأوان كي يدعم تيار المستقبل ترشيح جعجع من جديد، بعدما سحب الأخير رسمياً ترشحه للانتخابات الرئاسية بدعمه ترشيح عون – ويرفض فرنجية الانسحاب من السباق إلا إذا دعم تيار المستقبل ترشيح عون. في المقابل، لا يزال التحالف الأساسي في فريق 8 آذار/مارس متماسكاً – أقلّه في الوقت الراهن. فقد جدّد أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، في خطابه في 29 كانون الثاني/يناير الماضي، دعم الحزب لعون، ولم يخسر الحزب علاقاته مع التيار الوطني الحر. على الرغم من أن موقف حركة أمل لا يزال غير واضح، إلا أن المكوّنَين الكبيرَين الآخرين في فريق 8 آذار/مارس يحافظان على الوحدة بينهما.

يقف عون وجعجع وحزب الله الآن في جهة من مجلس النواب في حين أن فرنجية والحريري هما في الجهة المقابلة. وفي الوسط أحزاب مثل الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يدعم مجدداً مرشحه هنري الحلو، وحركة أمل التي لم تعلن بعد رسمياً عن مرشحها لرئاسة الجمهورية. يعني ذلك أن عون لم يضمن بعد الحصول على الغالبية المطلقة في مجلس النواب للوصول إلى سدّة الرئاسة. ومن دون ضمان هذه الغالبية، أي 65 صوتاً، تعود السياسة الرئاسية في لبنان إلى خانة الصفر.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.