تبدّلت أهداف السعودية في اليمن من تحقيق نصر عسكري كاسح وتأمين سيطرة القوى "الشرعية" الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي على كامل البلاد، إلى خفض مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين والمقاتلين المتحالفين معهم الموالين للرئيس السابق علي عبدالله صالح. نتيجةً لذلك، احتضنت المملكة من جديد مقاتلين يمنيين مختلفين، ومتخاصمين في معظم الأحيان، شرط أن يُبدوا استعدادهم لمحاربة الحوثيين أو قوات صالح. لكن في الجنوب، تتسبّب الطموحات السياسية لهؤلاء الأفرقاء بتعقيد القتال، فهي غالباً ما تتعارض مع التطلعات السعودية، وتستهزئ – بدفعٍ من الحرب والانهيار المتزايد لمقدّرات الدولة – بالتزام الرياض بوحدة اليمن.

قد تُستأنَف في مرحلة معيّنة محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة، إلا أنه من المستبعد أن يكون لها تأثير كبير على التركيز الأساسي للسعودية، وهو الحرص على أن يكون الجزء الأكبر من الأراضي اليمنية خاضعاً لسيطرة مقاتلين لا يكنّون عداءً مباشراً لمصالح المملكة. لهذه الغاية، عاد علي محسن الأحمر، القائد العسكري السابق في عهد صالح، إلى المشهد في موقع لاعب عسكري في الجبهة الأمامية. بحسب الصحافي السعودي جمال خاشقجي ، كسر علي محسن الأحمر الجمود في مواجهة المقاتلين الحوثيين في الشمال. يعتبر خاشقجي أن دعمه من جانب حكومة رئيس الوزراء خالد بحاح المدعومة من السعودية والتي تتخذ من عدن مقراً لها، ومن جانب الرئيس هادي، كان "خطوة ذكية". تشدّد شخصية سعودية مرموقة أخرى  على أن علي محسن هو مجرد واحد من العديد من الأفرقاء اليمنيين الذين تحاول السعودية "إدارتهم" في إطار محاولتها دمج العناصر المختلفين الذين يرغبون في قتال الحوثيين وقوات صالح. والمقصود بـ"الإدارة" قيام السعودية بتأمين التمويل، وتدريب بعض المقاتلين من العشائر الشمالية على الأراضي السعودية، ونشر سلاح الجو أملاً في أن يساعد القوات الصديقة على التقدّم في البر. أصبح علي محسن الأحمر أكثر أهمية من بحاح أو هادي بالنسبة إلى الأهداف التي تتوخّاها السعودية في اليمن، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يؤدّي دور الرجل القوي الذي سعى السعوديون تاريخياً إلى حمل الحلفاء العرب في المنطقة على تأديته، بما في ذلك في اليمن.

إذا كان علي محسن الأحمر لا يزال يبرهن عن دور حاسم في بعض المناطق في شمال البلاد، فالسبب يكمن في قوة تحالفاته مع العشائر والإخوان المسلمين، بما في ذلك مع بعض الزيديين (يمنيين من الشمال يميلون إلى الشيعة، ومنهم انبثق الحوثيون). لقد حرصت السعودية على رأب علاقاتها مع حزب الإصلاح التابع للإخوان المسلمين، بعدما أُهمِل هذا الأمر في عهد الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود، وذلك قبل بدء الهجوم الجوي الذي تقوده السعودية في آذار/مارس 2015. لقد استعادت البراغماتية أهميتها التقليدية بالنسبة إلى الرياض مع احتضان المملكة لكل القوى، في اليمن وخارجها، التي لا تشكّل تهديداً مباشراً لها، لا سيما إذا أبدت استعداداً لمحاربة أعدائها. نتيجةً لذلك، أصبح حزب الإصلاح الذي يستطيع إنجاز المهمة في أجزاء من شمال اليمن، واحداً من مجموعة واسعة من العناصر المناهضين للحوثيين والرئيس السابق صالح الذين تدعمهم السعودية. وتضم هذه المجموعة أيضاً فصائل عشائرية مختلفة، وأحياناً متخاصمة، في الشمال، وجنوبيين يسعون في نهاية المطاف إلى الانفصال. يبذل عدد كبير من العناصر المدعومين من السعودية، محاولات متزايدة من أجل فرض الوقائع السياسية على الأرض بما ينسجم مع مآربهم الخاصة.

على الرغم من استمرار الهجمات الجوية السعودية فوق صنعاء ومناطق أخرى في اليمن، لم يتمكّن حلفاء المملكة بعد من استعادة السيطرة على العاصمة. لا يستطيع رجال علي محسن الأحمر القيام بذلك كونهم يفتقرون إلى العدد الكافي من الحلفاء ذوي المواقع المناسبة في صفوف العشائر هناك. فخصوم المملكة من أبناء العشائر يتمتعون بحضور أكثر استراتيجية في صنعاء. إذا استمر الحوثيون في إحكام سيطرتهم على ما تبقّى من المؤسسات الحكومية في المدينة، فلن يكون بالإمكان حتى تحقيق وحدة ولو فضفاضة في اليمن. بيد أن السعوديين يعتقدون أن حملتهم الجوية نجحت في تمكين هادي من ممارسة شبه حكم في عدن، عاصمة الجنوب المرفئية القديمة – حتى ولو كان هذا الحكم يتعرّض للتحدّي، بما في ذلك من تنظيم الدولة الإسلامية الذي هاجم البلاط الرئاسي في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي. وفي تعز المجاورة في الجنوب الغربي الذي يتمتع بحيوية استراتيجية في اليمن، يقول السعوديون إن عدداً كبيراً من "حلفائهم" العشائريين استعادوا السيطرة على جزء كبير من تلك المحافظة من أيدي العدو. 

بالطبع، يبقى تنظيم القاعدة القوة الأكبر المناهضة للحوثيين في اليمن. لم يتعرّض التنظيم للقصف من السلاح الجوي السعودي في محافظة حضرموت حيث يسيطر على مدينة المكلا المرفئية عند بحر العرب. تنظيم القاعدة متوغّل جيداً في المكلا، ولا يريد السعوديون إثارة عداء سكّان حضرموت المتعاطفين معهم، لا سيما وأن نحو مليون شخص من أبناء حضرموت الميسورين نسبياً مقيمون في السعودية. إذا تبيّن أنه يتعذّر على اليمن أن يلملم أشلاءه من جديد، قد تؤمّن هذه المحافظة للسعودية الوصول إلى المكلا، فالمملكة مهتمة بالحصول على منفذ إلى بحر العرب. هذا كلّه يجعل من حضرموت محافظة ينبغي على السعوديين أن يتعاملوا معها بحذر. فهم لا يريدون أن يسمحوا لتنظيم القاعدة، القوة السنية المعادية التي تسعى في نهاية المطاف إلى تدمير آل سعود، بأن يُقدّم نفسه في صورة العدو الأساسي للحوثيين المرتبطين بالشيعة، لكن اليمنيين المصطفين إلى جانب إيران يشكّلون بكل وضوح أولوية أكبر بكثير بالنسبة إلى الطيّارين الذين يقودون قاذفات القنابل السعودية.

في شكل عام، جنوب اليمن هو الأكثر تعاطفاً مع السعودية. وهذه مفارقة، لأنه غير عشائري في معظمه، والسعوديون يعتبرون أن العشائر يمكن إغراؤها بالمال أكثر من التنظيمات العقائدية، على الرغم من أنه من المعروف أن العشائر ليست أداة موثوقة للتأثير في الناس. كما أن الأفرقاء الجنوبيين يطرحون إشكالية بالنسبة إلى السعودية. ففي حين أنه بإمكان السعوديين مساعدة أية قوى لا تعارضهم بشدّة، التطلعات الجنوبية هي في الواقع انفصالية الطابع. في الجنوب، قد تؤدّي المعركة للسيطرة على الأراضي بين قوات الحوثي/صالح وأعدائهم، إلى انفصال مساحات شاسعة من الأراضي. إذا ظهرت من جديد مقترحات لتقاسم السلطة في اليمن، فسوف يقع على عاتق السعوديين احتواء التطلعات الانفصالية في الجنوب. بعض هؤلاء الانفصاليين لا يتبعون الحدود القديمة لجنوب اليمن (قبل 1990)، وقد يضمّون حتى أراضي مجاورة تنتمي جغرافياً إلى الجنوب لكنها سياسياً جزء من الجمهورية العربية اليمنية في الشمال. لقد سعت السعودية من خلال دور الرعاية الذي أدّته سابقاً في الجنوب، إلى الحصول على خيارات سياسية في مواجهة جمهورية الشمال الأقرب إليها جغرافياً. بيد أن السعوديين يعتقدون الآن أنه من شأن الإيرانيين أن يُفيدوا من قيام كيان شمالي انطلاقاً ربما من الحسابات بأن الحوثيين وحلفاءهم قد يحوّلون هذا الكيان إلى دولة عسكرية تُستخدَم بسهولة أكبر منصّةً لشن هجمات على السعودية. حالياً، بإمكان القوات البحرية السعودية والمصرية منع وصول الإمدادات الإيرانية إلى الحلفاء في الشمال عن طريق الحديدة على البحر الأحمر، لكن في حال حدوث انفصال رسمي، فسوف يزداد ذلك صعوبة.

في الوقت الراهن، يريد السعوديون استخدام تأثيرهم للمساعدة على احتواء الطموحات الانفصالية، وليس تشجيعها. لا تزال السعودية ترغب في الوحدة اليمنية، ولو في إطار يتناسب مع مصالحها. إلا أن هناك شعوراً متزايداً في المملكة والخليج في شكل عام بأن "اليمن" أصبح فاقداً للمغزى إلى حد كبير، ولا يمكن لملمة أشلاؤه من جديد. فعلى الرغم من تشجيع السعوديين للعشائر المتحالفة معهم في الشمال – والهجمات الجوية المستمرة هناك – إلا أنهم لا يزالون يركّزون على عدن وتعز والموارد الهيدروكربونية في مأرب، وهي مناطق تنشر فيها السعودية أو الإمارات أعداداً ضئيلة من القوات. نتيجةً لذلك، فإن الواقع السياسي في الشمال، مثل في العاصمة صنعاء، سيكون ملتبساً جداً.

لا يزال السعوديون يعتقدون أن الوقت سيكون لصالحهم. داخل المملكة، قد تثير الحرب انتقادات أكثر حدّة لكلفتها في ظل الضائقة النسبية التي تمرّ فيها البلاد، لكن في الإجمال، تبقى هذه الحرب في نظر السعوديين هجوماً مرحّباً به على جهات يعتبرونها حليفة لإيران. ما دامت السعودية تشجّع يمنيين على قتال أفرقاء يمنيين آخرين، وتحافظ على أمن الحدود، فإن حربها تحت السيطرة، حتى لو لم يكن ذلك ينطبق على النتيجة السياسية التي يبدو أنها تصبو إليها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلة مع الكاتب عبر الهاتف، 1 شباط/فبراير 2016.
2. مقابلة مع الكاتب عبر الهاتف مع شخصية سعودية طلبت عدم الكشف عن هويتها، 2 شباط/فبراير 2016.