تكبّد حزب الله العديد من الانتكاسات منذ تورّطه في الحرب السورية – فقد لقي أكثر من 1300 عنصر من مقاتليه مصرعهم وأصيب الآلاف بجروح، واضطُرّ إلى خفض الخدمات الاجتماعية التي يؤمّنها لقواعده الناخبة وإلى اللجوء إلى تجنيد المراهقين للمشاركة في القتال في سورية. بيد أن الحرب الأهلية السورية، لا سيما التدخل الروسي الأخير، تساهم أيضاً في تعزيز قدرات الحزب القتالية، الأمر الذي يُرجَّح أن تكون له تداعيات سياسية وأمنية كبيرة في لبنان وخارجه.

لقد أثبت حزب الله أنه قوة قتالية مطواعة واستباقية في تفكيرها. في العام 2012، عندما بدأ الحزب يتدخّل بقوة أكبر في سورية، أدرك سريعاً أن تكتيكاته الدفاعية غير صالحة لتطبيقها في المعركة. فهو لم يكن في مواجهة جيش إسرائيلي عصري بل في مواجهة تمرّد. وكانت مجموعات الثوّار هذه تستخدم تكتيكات مماثلة لتلك التي يعتمدها حزب الله، في معركتها ضد قوات النظام، وكانت تُفيد أيضاً من معرفتها بطبيعة الأرض والميدان في مناطق أساسية بالنسبة إلى بقاء بشار الأسد. فعلى سبيل المثال، خلال الاستيلاء على القصير في العام 2013، خسر حزب الله، بحسب التقارير، نحو عُشر مقاتليه، إذ تشير التقديرات إلى سقوط نحو 70 إلى 120 قتيلاً ومئتَي جريح، وقد لقي نحو 24 من القتلى مصرعهم في كمين نصبه الثوّار في اليوم الأول من الهجوم. وهكذا فإن المعركة التي توقّع قادة حزب الله أن يحققوا فيها نصراً سريعاً تحوّلت إلى قتال طويل الأمد. أما الآن في العام 2016، فقد صقل الحزب قدراته الهجومية، ويستمرّ – تحت غطاء روسيا، الحليف القوي الجديد – في مساعدة النظام السوري على استعادة أراضٍ أساسية مع سقوط عدد أقل من الضحايا في صفوفه.

في أيلول/سبتمبر 2015، دخل الجيش الروسي النزاع دعماً للأسد، ما أدّى إلى تغيير مسار الحرب. بعدما تكبّد النظام خسائر فادحة، بما في ذلك في مدينة إدلب، بدا أنها مسألة وقت فقط قبل أن ينهار. لكن بدءاً من كانون الثاني/يناير 2016، سدّد النظام السوري وحزب الله وسواه من المجموعات التي تحظى برعاية إيرانية، فضلاً عن الجيش الروسي، سلسلة من الضربات القوية لمجموعات الثوار المتعدّدة في البلاد. وفي 12 كانون الثاني/يناير، استولى حزب الله وقوات النظام، بدعم من سلاح الجو والمدفعية الروسي على بلدة سلمى، المعقل الأخير للثوار في محافظة اللاذقية والذي كان يشكّل تهديداً للجيب الساحلي الخاضع لسيطرة النظام. وتبعه الاستيلاء على بلدة الشيخ مسكين في درعا في 26 كانون الثاني/يناير، من قِبَل قوات النظام وحزب الله والقوات الخاصة الروسية بحسب التقارير، ما أدّى إلى تقسيم الأراضي الخاضعة لسيطرة الثوار في درعا بين جيوب شرقية وأخرى غربية، وفصلها عن المناطق الخاضعة للثوار في دمشق. والضربة الأكبر التي سدّدتها هذه القوة المشتركة كانت في الرابع من شباط/فبراير الماضي عندما كسر حزب الله والميليشيات المدعومة من إيران، تحت غطاء الهجمات الجوية الروسية، الحصار على نبل والزهراء. فقد طوّقت قوات الثوار البلدتَين اللتين تقطنهما أكثرية من الشيعة، طوال ثلاث سنوات، وقطعت القوات الموالية للنظام طريق الإمدادات الأساسي إليهما الذي يربط حلب بالحدود التركية. غالب الظن أن هذه القوى ستحاصر الآن الثوار في حلب، أكبر المدن السورية، وتحاول تجويعهم.

تُظهر هذه الانتصارات أن مزيج القوات غير النظامية التابعة للنظام السوري، والميليشيات الأجنبية، ومقاتلي حزب الله، والقصف الروسي المكثّف، يحصد النجاح في سورية. كما أنه يمارس تأثيراً مهماً على قدرات حزب الله القتالية. ففي حين زعم قياديون في الحزب أنهم حصلوا على أسلحة متطورة من روسيا، يصعب التحقق من هذه الادّعاءات التي يشكّك مسؤولون ومحللون غربيون في صحتها، إذ يعتبرون أن موسكو لن ترغب في تهديد علاقتها مع إسرائيل، العدو الأساسي لحزب الله. لكن المرجّح هو أن الحزب يتعلّم كيف يجمع جيشٌ عالمي المواصفات مثل الجيش الروسي الاستخبارات ويضع المخططات وينفّذ العمليات. مما لا شك فيه أن العمل جنباً إلى جنب مع الضباط الروس يساهم في صقل استراتيجية الحزب العسكرية الحديثة، وتشير التقارير إلى وجود غرفتَي عمليات مشتركتَين على الأقل بين روسيا وحزب الله في اللاذقية ودمشق. ومع تمركز نحو ستة إلى ثمانية آلاف مقاتل من حزب الله في سورية والعراق، بحسب التقديرات، غالب الظن أن الخبرات والمعارف المكتسبة من الاحتكاك بالجيش الروسي ستنتقل إلى المقاتلين الأفراد.

أشار خبراء آخرون إلى أن حزب الله سيكتسب على الأرجح مهارات أفضل في المراقبة والاستطلاع، وفي استخدام تكتيكات خاصة في العمليات، فضلاً عن توسيع معارفه عن المعدات المتطورة التي سيسعى إلى استخدامها في المستقبل، الأمر الذي من شأنه أن يعزّز قدراته في اكتشاف مواقع القوات العدوة، وتنفيذ حملات بهدف التضليل، وتحليل الصور الاستبخاراتية، وحسن استخدام الطائرات من دون طيار في إطار الاستعداد للعمليات العسكرية وتنفيذها.

النقطة الأخيرة بالغة الأهمية، فقد بنى حزب الله مهبطاً للطائرات غير المأهولة في سهل البقاع، وأرسل طائرات من دون طيار للتحليق فوق سورية بهدف الاستطلاع الجوي وتزويد عناصره على الأرض بالمعلومات عن الأهداف. لقد أثبتت هذه الطائرات التي هي بمثابة عيون في السماء، فائدتها في المعركة للسيطرة على جبال القلمون التي تقع عند الحدود اللبنانية-السورية، حيث ساعد حزب الله الجيش السوري على تطويق جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، ويمكن استخدام هذه الطائرات في النزاعات مع إسرائيل في المستقبل.

يعتقد الجيش الإسرائيلي أن التفاعل الروسي مع حزب الله يحدّ من احتمالات قيامه بخوض حرب مع إسرائيل في المستقبل المنظور، معتبراً أن الحوار الروسي مع الحزب سيؤدّي على الأرجح إلى ضبط ردود أفعاله على الهجمات الجوية الإسرائيلية، في وقت يؤدّي فيه الحزب دوراً أساسياً في تقدّم النظام السوري. علاوةً على ذلك، يعتبر الجيش الإسرائيلي أن المزاعم بأن الروس يعمدون إلى تسليح حزب الله لا أساس لها من الصحة. بيد أن ما يثير القلق أكثر هو تأثير التفاعل بين حزب الله والجيش الروسي في المدى الأطول. فمن شأن حزب الله الذي بات يركّز على الهجوم ويمتلك القدرة على تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً، أن يسدّد ضربات أقوى إلى الجيش الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة عند حدود لبنان الجنوبية. حتى إنه قد يحاول دخول الأراضي الإسرائيلية، كما فعلت حركة حماس خلال النزاع في العام 2014، ولو بطريقة أكثر كفاءة. 

في الداخل اللبناني، ستتيح هذه القدرات المعزَّزة لحزب الله بأن يحافظ على تفوّقه العسكري على الجيش اللبناني الذي علّقت السعودية رزمة المساعدات التي كانت تنوي تقديمها إليه وقدرها ثلاثة مليارات دولار. غاالب الظن أن تحسُّن التكتيكات وتراجع الدعم للجيش الوطني سيُساهمان في تعزيز حجة حزب الله بأنه القوة الوحيدة القادرة على الدفاع عن لبنان من العدوان الإسرائيلي والتهديد من المتطرّفين السنّة. والحزب الذي حصل في الأصل على جرعة زخم جراء صمود النظام السوري ونجاح جهوده في سورية – والتي تستمر بفضل الدعم العسكري الروسي – سوف يدفع أكثر فأكثر نحو فرض جدول أعماله في القرارات المصيرية المتعلقة برئاسة الجمهورية في لبنان، والتغييرات المنوي إدخالها في قانون انتخاب مجلس النواب، والتعيينات الأمنية. قد يتوقّف حزب الله عن التعلّم على أيدي روسيا مع انتهاء النزاع في سورية، لكن تأثيرات ما اكتسبه سوف تستمر أصداؤها في التردد في لبنان والمنطقة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.