وافقت لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست الإسرائيلي في 29 شباط/فبراير الماضي على اقتراح يُجيز، في حال إقراره، تعليق عضوية النواب إلى أجل غير مسمّى بتصويت 90 نائباً من أصل 120. مما لا شك فيه أن التشريع المقترح يستهدف النواب العرب في الكنيست. ففي مطلع الشهر الجاري، جمّدت لجنة الأخلاق في الكنيست عضوية ثلاثة نواب عرب لمدّة شهرَين إلى أربعة أشهر عقاباً لهم على اجتماعهم بأسر فلسطينيين متّهمين بالإرهاب لقوا مصرعهم بإطلاق النيران عليهم بعدما قاموا بقتل مدنيين إسرائيليين. غنيٌّ عن القول بأن لجنة الأخلاق لم تعلّق عضوية نواب يهود قاموا بزيارات مماثلة – فعلى سبيل المثال، التقت وزيرة العدل الإسرائيلية أيليت شاكيد أسرة الإرهابي اليهودي المتّهم بإحراق منزل آل دوابشة والتسبّب بمقتلهم العام الماضي، لكنها لم تواجه أي عقوبة على خلفية هذه الزيارة.

مشروع القانون هو الأحدث في سلسلة من الجهود والسياسات التشريعية التي تشكّل تعدّياً خطيراً على الحريات المدنية والسياسية في البلاد. لكن في حين أولي اهتمام كبير لتأثيرات هذه السياسات على اليسار الإسرائيلي والمجتمع المدني الإسرائيلي في شكل عام، تحمّلت الأقلية العربية الفلسطينية، بصورة غير متكافئة، التداعيات الأكثر إيذاءً الناجمة عن هذه السياسات.

يبدو أن تعليق عضوية ثلاثة نواب عرب هذا الشهر واقتراح منح النواب صلاحية تعليق عضوية نواب آخرين إلى أجل غير مسمّى، يشكّلان خطوة إضافية في مخطط يهدف إلى تهميش الأقلية العربية أكثر فأكثر في إسرائيل والحد من حقها في التمثيل السياسي. في العديد من الدورات الانتخابية التي أجريت مؤخراً لاختيار أعضاء الكنيست، منعت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية بعض الأحزاب العربية من الترشّح. صحيح أن اللجنة تمنع من حين لآخر أحزاباً يهودية تنتمي إلى اليمين المتطرف، من الترشح، لكن هذا المنع يتم بذريعة أن جداول أعمالها العنصرية تقوّض مكانة إسرائيل الديمقراطية. أما الجهود الآيلة إلى حظر القوائم العربية فتستند إلى الدعوات التي يوجّهها المرشحون العرب لتغيير وضع إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة لجميع مواطنيها. نقضت المحكمة العليا مراراً وتكراراً هذه القرارات، لكن ذلك لم يحل دون تزايد المجهود الهادف إلى الحد من التمثيل السياسي العربي. وفي خطوة مماثلة، رفع الكنيست، قبل الانتخابات في العام 2015، العتبة المطلوبة للفوز بمقاعد برلمانية من 2 إلى 3.25 في المئة من الأصوات في محاولة لقطع الطريق أمام الأحزاب العربية التي هي عادةً صغيرة جداً في حجمها، مع العلم بأن هذه الخطوة ارتدّت بنتائج معاكسة عندما رصّت كل الأحزاب العربية صفوفها في قائمة مشتركة، وأصبحت ثالث أكبر كتلة في الكنيست.

المجتمع المدني وحرية التجمع هما أيضاً من المسائل الخلافية. خلال الأعوام القليلة الماضية، أقدمت الحكومة الإسرائيلية على سلسلة من الخطوات المناوئة للمنظمات غير الحكومية، وذلك من خلال اقتراح مشاريع قوانين تنص على إلغاء الإعفاء من الضرائب الذي تفيد منه بعض تلك المنظمات، وحرمان المنظمات غير الحكومية من التسجّل لأسباب سياسية، وفرض الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة لتلقّي التبرعات من مموّلين أجانب، ووسم بعض المنظمات غير الربحية بأنها تحصل على التمويل من "عملاء أجانب". أثارت هذه الجهود مخاوف لدى المجتمع الأهلي الإسرائيلي، والجاليات اليهودية في الخارج، والديبلوماسيين الأجانب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لكن في حين كانت الجهود التشريعية المناوئة للمنظمات غير الحكومية موضع استهجان عام، يكاد قمع المجتمع الأهلي العربي وتضييق الخناق عليه يمرّان مرور الكرام مع أنهما أشد خطورة إلى حد كبير.

في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أعلنت الحكومة الأمنية الإسرائيلية، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الجناح الشمالي للحركة الإسلامية في إسرائيل تنظيماً غير مشروع. الحركة الإسلامية منظمة شقيقة لجماعة الإخوان المسلمين تنشط في إسرائيل منذ السبعينيات، وقد عملت على مر السنين في مجالات الدعوى الإسلامية، والنشاط الاجتماعي والمتّحدي، والحراك السياسي. في حين لا تتوافر أرقام عن عدد المنتسبين إلى الحركة الإسلامية، توصّل استطلاع أجري في العام 2015 إلى أن أكثر من 40 في المئة من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يدعمون الحركة. بدأت الجهود الهادفة إلى حظر الجناح الشمالي في العام 1996، عندما أطلق حملة "الأقصى في خطر"، والتي اتّهم إسرائيل من خلالها بالتخطيط لتغيير الوضع القائم في الحرم الشريف/جبل الهيكل في القدس. بيد أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ردّدت مراراً وتكراراً أنه ليست للحركة أي روابط بالإرهاب أو بالنشاط غير القانوني، وأن حظرها سيؤدّي إلى جنوحها نحو التشدّد. يمارس حظر الحركة تداعيات واسعة النطاق على مئات الجمعيات الأهلية التابعة لها وعشرات آلاف الناشطين. بات بالإمكان الآن توقيف النشطاء لمجرد أنهم أعضاء في الحركة، ومصادرة أصول المنظمات التابعة لها. فقرار الحكومة الأمنية ينصّ على تجريم "أي طرف أو شخص ينتمي لهذا التنظيم من الآن فصاعدا وأي شخص يقدم له الخدمات أو يعمل في صفوفه".

السقف المحدّد لحظر الجمعيات العربية أدنى بكثير، وبطريقة فاضحة، من ذاك الموضوع للمنظمات اليهودية. عندما حدّدت الحكومات الإسرائيلية حواجز قانونية للحركات اليهودية في الماضي، مثل حركتَي كاخ وكاهانا تشاي المنتميتين إلى أقصى اليمين، صنّفت تلك الحركات في خانة "التنظيمات الإرهابية" بالاستناد إلى الأدلة عن تورّطها في أنشطة إرهابية أو ممارستها التحريض على الإرهاب. لكن في حالة الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، جرى حظره بالكامل حتى في غياب أي أدلة عن ارتباطه بالإرهاب.

حتى حرية التعبير الفني والثقافي تعرّضت للهجوم. فعلى سبيل المثال، يُجيز "قانون النكبة" الذي جرى اعتماده في العام 2011، لوزارة المالية قطع التمويل عن أي مؤسسة عامة بما في ذلك المدارس التي تحيي ذكرى النكبة التي يعتبرها الفلسطينيون مأساة وطنية. صحيح أن القانون لا يذكر صراحةً أن المؤسسات والمدارس العربية هي المستهدَف الأساسي، إلا أنه يلقي بعبء غير متكافئ على كاهلها عبر فرض عقوبة على مظاهر التعبير عن مكوّن أساسي من مكوّنات الهوية الثقافية الفلسطينية.

كما أن "قانون المقاطعة" الصادر في العام 2011 يمنع المواطنين الإسرائيليين والمنظمات الإسرائيلية من الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل، ليس هذا وحسب، بل يمنعهم أيضاً من الدعوة إلى مقاطعة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. يُعرِّض القانون داعمي المقاطعة لرفع دعوى قضائية ضدهم في المحاكم المدنية، ويُهدّد المؤسسات الثقافية والتربوية والعلمية المدعومة من الدولة بخفض موازناتها وحرمانها من الإعفاء من الضرائب. وقد أعلنت وزيرة الرياضة والثقافة، ميري ريغيف، مؤخراً أنها ستعمل على إدراج معيار تمويلي جديد يقضي بفرض غرامة على المؤسسات الثقافية المموَّلة من الدولة التي ترفض المشاركة في الأنشطة الثقافية في المستوطنات. وهدّدت بقطع التمويل عن مسرح الممثل الفلسطيني-الإسرائيلي نورمان عيسى الذي أعلن أن فرقته لن تقدّم عروضاً في المستوطنات. وقد تراجع عيسى لاحقاً عن قراره. مجدداً، وعلى الرغم من أن لغة هذه القوانين والسياسات موجّهة إلى جميع المواطنين الإسرائيليين، إلا أنها تطال في شكل أساسي المواطنين العرب.

وكذلك اقترحت الوزيرة ريغيف مشروع قانون "الولاء في الثقافة" الذي من شأنه أن يحجب التمويل عن المؤسسات الثقافية التي تظهر "عدم ولاء" للدولة من خلال ممارسات على غرار إحياء ذكرى النكبة، أو تقويض الهوية اليهودية الديمقراطية لإسرائيل، أو التحريض على الإرهاب أو العنصرية. لكن نظراً إلى وجود أعداد كبيرة من المنظمات اليهودية والمربّين والسياسيين اليهود الذين يدعون إلى تفضيل يهودية إسرائيل على ديمقراطيتها – ونظراً إلى تحريض ريغيف على العنصرية – يبدو أن الاقتراح يوجّه رسالة إلى المواطنين العرب ومَن يتعاطفون معهم.

كذلك سعى وزير التربية الإسرائيلي نفتالي بينيت إلى إسكات الأصوات السياسية المعارِضة في الميدان الثقافي، فحذف المسرحيات أو الكتب التي اعتبرها غير ملائمة، من المناهج الإلزامية والاختيارية في المدارس. وكان مسرح الميدان في حيفا، وهو المسرح العربي الوحيد الذي يحصل على التمويل من الحكومة في إسرائيل، الضحية الرئيسية. حتى في الحالات التي بدا فيها أن الوزير لا يستهدف العرب تحديداً، مثل القرار الذي اتّخذه بحذف رواية لمؤلف يهودي من المنهاج الدراسي الإلزامي، كان الدافع وراء هذا القرار أن الرواية تتحدث عن علاقة غرامية بين عربي ويهودية.

يمكن القول إذاً بأن مشاريع القوانين، والتشريعات، والسياسات، والمبادرات التي اتّخذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في عهد بنيامين نتنياهو، تشكّل مجتمعةً هجوماً منظّماً على حقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. لا يزال التعدّي المستمر على الحريات المدنية والسياسية لعشرين في المئة من سكّان إسرائيل يقوّض الديمقراطية الليبرالية في البلاد. لكن غالب الظن أنّ الأقلية العربية لن تبقى الفئة الوحيدة التي تعاني من تضاؤل المساحة المتاحة أمامها للتعبير عن معارضتها السياسية.

مع تزايد التضييق الحكومي على المعارضة، واجهت بعض المنظمات الأهلية اليهودية أيضاً هجمات أو قيوداً (على الرغم من أنها ليست حادّة بقدر تلك التي تتعرض لها المنظمات العربية مثل الحركة الإسلامية). فقد تعرّضت منظمات حقوق الإنسان، بتسيلم، واللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، ومركز الدفاع عن الفرد (هموكيد)، للهجوم من منظمات يمينية على ارتباط بالأحزاب في الائتلاف الحاكم. ومنع الوزير بينيت حركة "اكسروا الصمت" التي تتألف من قدامى جنود الجيش الإسرائيلي، والتي تفضح الحصيلة المعنوية للاحتلال، من إلقاء محاضرات في المدارس وأمام عناصر الجيش. وقد اقترحت مجموعة من النواب في الكنيست مشروع قانون لحظر الحركة. يجب أن يؤدّي استهداف الحكومة للحقوق المدنية والسياسية للمواطنين العرب إلى دق ناقوس الخطر، ليس فقط لأنها تهاجم أقلّية من السكان، إنما أيضاً بسبب تداعيات هذا الأمر على حيوية المعارضة الديمقراطية في البلاد.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.