في 14 كانون الثاني/يناير الماضي، وافق مجلس النواب المنتخب في الأردن على مشروع موازنة 2016. بعد عشرة أيام، صوّت مجلس الأعيان الذي يتم تعيين أعضائه من قبل الملك، على الموازنة أيضاً، في خطوة لقيت ترحيباً من الحكومة. بيد أن تقويم مشروع الموازنة في السياق الأوسع للسياسة الماكرواقتصادية يُظهر أن السبب الوحيد وراء استدامة السياسة المالية الأردنية هو الاعتماد الشديد على المساعدات الخارجية.

تُحدّد موازنة 2016 مجموع النفقات بـ8.496 مليارات دينار (11.983 مليار دولار أميركي)، ومجموع الإيرادات بـ7.589 مليارات دينار (10.704 مليارات دولار)، والعجز بـ907 ملايين دينار (1.279 مليار دولار)، أو نحو ثلاثة في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وتُقسَم الإيرادات على الشكل الآتي: 9.558 مليارات دولار من المصادر الداخلية، مثل الجمارك والرسوم، و1.148 مليار دولار من المساعدات الخارجية. أما قانون موازنات الوحدات الحكومية للسنة المالية 2016، وهو قانون منفصل يتطرق بالتفصيل إلى الإيرادات والنفقات الإضافية لا سيما تلك العائدة إلى شركة الكهرباء الوطنية (تتضمن أيضاً النفقات على المياه)، فيحدّد مجموع النفقات بـ2.685 مليار دولار ويَفترِض أن الإيرادات ستبلغ 2.155 مليار دولار (منها 88 مليون دولار في شكل مساعدات خارجية)، ما يعني أن العجز سيصل إلى 530 مليون دولار (618 مليون دولار إذا حذفنا المساعدات). نستنتج إذاً أن نحو 79 في المئة من مجموع النفقات للعام 2016 (14.7 مليار دولار)، تغطّيها العائدات (11.6 مليارات دولار)، و9 في المئة تغطّيها المساعدات (1.3 مليار دولار)، و12 في المئة تضاف إلى الديون (1.8 مليار دولار).

على الرغم من هذا الاعتماد الكبير على المساعدات والديون لتغطية النفقات، يبدو أن البرلمان الموالي للحكومة والمناوئ للتقشف أقرّ الموازنة من دون أي مراجعات، فالأرقام مشابهة لتلك التي وردت في مشروع القانون الأساسي الذي تمت مناقشته خلال الخريف المنصرم. احتجّ بعض نواب المعارضة على اكتفاء الحكومة ببذل محاولات قليلة لاعتماد إجراءات تقشفية محدودة، لكنهم لم يفلحوا في مسعاهم. كما أن معظم منتقدي إجراءات الموازنة التي وضعها رئيس الوزراء عبدالله النسور (لا سيما خفض الدعم الحكومي للطاقة وزيادة الرسوم الجمركية) لا يقدّمون أي خطة اقتصادية بديلة. تقتصر المعارضة السياسية الصريحة الوحيدة على الاحتجاج على الانضباط المالي من دون أي تفكير جدّي في استدامة الاقتصاد.

في السابق، تمكّن الاقتصاد الأردني الذي يعتمد إلى حد كبير على القطاع العام في حين أن القطاع الخاص ضعيف – تمكّن إذاً من إبعاد شبح عدم الملاءة من خلال المساعدات الخارجية والخفوضات الدورية الكبيرة في مجموع الدين العام عن طريق الخصخصة. وقد أُعفي الأردن من جزء كبير من ديونه جراء انضمامه إلى عملية السلام التي أسفرت عن توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل في العام 1994. في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ساهمت سلسلة من عمليات الخصخصة في خفض الدين العام إلى حد كبير، لكن الشركات التي تمت تصفيتها سابقاً لا يمكن بيعها من جديد. في الأعوام القليلة الماضية، سجّلت نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي زيادة كبيرة في الأردن. في آب/أغسطس 2011، بلغ مجموع الدين الوطني الأردني 16.9 مليار دولار، أي نحو 57 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. بيد أن زيادة الدين العام بمعدل 3.2 مليارات دولار في العام 2015 – بما في ذلك العجز في الموازنة العادية، والديون الجديدة في قطاع الكهرباء، والفوائد المتراكمة – جعلت نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في الأردن ترتفع إلى 90 في المئة، كما أنها أدّت إلى زيادة الدين المطلق بمعدّل أكثر من الضعف في أقل من خمس سنوات.

العامل الأساسي في طفرة الدين بعد العام 2011 هو قطاع الكهرباء، أو تحديداً الديون السيادية لشركة الكهرباء الوطنية المذكورة آنفاً. حتى العام 2011، كان الأردن يستورد الغاز من مصر بأسعار مجمّدة عند معدّلات منخفضة نسبياً. لكن إبان الهجمات على خط الأنابيب في العام 2011، كانت السلطات المصرية بطيئة في تصليحه، وتراجعت مساهمة مصر في التغذية بالتيار الكهربائي في الأردن من 87 في المئة في العام 2009 إلى 14 في المئة في العام 2012. فاضطُرّ الأردن إلى اللجوء إلى الاستيراد الطارئ واستخدام البدائل الباهظة الكلفة. وهكذا، بحلول العام 2013، أصبحت حصة شركة الكهرباء الوطنية في العجز 1.36 مليار دولار أميركي – أو أكثر من 10 في المئة من الموازنة العادية. ثم نتيجة انخفاض أسعار النفط وتحسين التخطيط الحكومي، تراجع عجز الكهرباء إلى 738 مليون دولار "فقط" في العام 2014، ويُتوقَّع أن يبلغ 530 مليون دولار في العام 2016 بحسب موازنة السنة المالية الحالية. بلغت ديون الكهرباء المتراكمة 17.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في كانون الثاني/يناير، بحسب التقديرات، ما يعني أن باقي الديون الأردنية يشكّل 72 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

عمدت الحكومة، في إطار مجهود محدود للحد من مساهمة شركة الكهرباء الوطنية في دوامة الديون، إلى اتخاذ إجراء تقشفي في قطاع الكهرباء في العام 2015 يصفه منتقدوه في البرلمان والمعترضون عليه بأنه عبارة عن "زيادة" في الأسعار بنسبة 7.5 في المئة (بدلاً من 15 في المئة بحسب الاقتراح الأصلي الذي كان يندرج في إطار تسوية مدبّرة مسبقاً على الأرجح). لكن التوصيف الأدق لهذا الإجراء هو أنه خفضٌ للدعم الحكومي للمستهلكين. تستند التسعيرة التي تتقاضاها شركة الكهرباء الوطنية من السكان إلى نظام تدرّجي حيث يدفع المستهلكون أضعافاً مضاعفة عن كل وحدة عند تخطي عتبة معينة في كمية الطاقة المستهلكة، لكن حتى مع الزيادة في التسعيرة، لا تتقاضى الشركة مبالغ كافية من المستهلكين، في المجموع، لتغطية النفقات، والنتيجة هي أنها تعاني من العجز. يعني ذلك عملياً أنه خلال الصيف، وحدهم المستهلكون الميسورون نسبياً يستطيعون استخدام المكيفات الهوائية، فالأسرة التي تستهلك كميات كبيرة من التيار الكهربائي تتخطّى فاتورتها 200 دولار في الشهر، أي نحو 40 في المئة من متوسط الدخل الأسري في الأردن. تتيح هذه المنظومة للأردنيين الفقراء الحصول على التيار الكهربائي بصورة شبه مجانية، إنما بكمية تكفي فقط لاستخدام التيار في الإنارة من دون تدفئة أو تبريد. في حال اضطُرَّت شركة الكهرباء الوطنية إلى إرساء توازن في موازنتها، سوف يجد معظم الأردنيين صعوبة في تسديد فواتير الخدمات الأساسية.

بدلاً من ذلك، يتحوّل الأردن بوتيرة متزايدة نحو المساعدات الأجنبية للتعويض عن ديونه، لا سيما المساعدات من الولايات المتحدة والخليج. أورد قسم البحوث في الكونغرس أن المساعدات الأميركية للأردن في العام 2016 تبلغ "ما لا يقل عن" 1.275 مليار دولار، فضلاً عن التقديمات العسكرية التي تفوق قيمتها هذا الرقم. صحيح أن المساعدات الاقتصادية الأميركية للأردن تعود إلى العام 1951، إلا أنها سجّلت زيادة كبيرة في الأعوام الأخيرة، فقد كانت أقل من 400 مليون دولار في السنة في العام 2011، لترتفع إلى 700 مليون دولار في العام 2014. كذلك تقدّم دول الخليج العربي، لا سيما السعودية، المساعدات إلى الأردن، على الرغم من أن قيام قطر بتجميد المساعدات في شكل كامل أثار بعض الاهتمام، بما في ذلك من جانب رئيس الوزراء عبدالله النسور ووزير المالية عمر ملحس الذي تطرّق إلى المسألة في خطابه الرسمي عن الموازنة في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وفي كانون الثاني/يناير، زعمت الحكومة أن وقف المساعدات القطرية هو السبب وراء كامل الفارق تقريباً بين عجز الموازنة الأصلي البالغ 970 مليون دولار والتقديرات المعدّلة لعام 2015 التي توقّعت أن يصل العجز إلى 1.27 مليار دولار.

غالباً ما يشير المسؤولون إلى أن غياب الاستقرار الإقليمي وما ينجم عنه من تدفق للاجئين هو السبب وراء حاجة الأردن الماسة إلى المساعدات، وفي كلامهم شيءٌ من الحقيقة. فقد عانت البلاد من تراجع السياحة بسبب المخاوف الأمنية الناجمة عن الأوضاع في الدول المجاورة (مع العلم بأن الأردن يتمتع بالأمان إلى حد كبير)، ومن انهيار التجارة مع العراق وسورية، وزيادة النفقات بسبب المساعدات للاجئين السوريين.

بيد أن المساعدات التي تقدّمها الوكالات الدولية للاجئين، فضلاً عن الزيادة في الدعم المباشر للموازنة عن طريق المساعدات الخارجية، تعوّض على ما يبدو عن التكاليف المترتبة عن اللاجئين، كما يظهر من المقارنة بين مستويات العجز قبل الاضطرابات الأخيرة وبعدها. ففي العام 2011، بلغ العجز في الموازنة العادية 1.49 مليار دولار بعد احتساب المساعدات الخارجية، وفي العام 2010، كان العجز 1.44 مليار دولار. وكما أشرنا آنفاً، تبلغ تقديرات العجز للعامَين 2015 و2016 (مع احتساب المساعدات الخارجية) 1.27 مليار دولار و1.28 مليار دولار على التوالي. تشير المعادَلة التقريبية بين العجز في 2010-2011 والعجز في 2015-2016 إلى أن عجز الموازنة في الأردن (من دون احتساب عجز شركة الكهرباء الوطنية) يبلغ نحو 1-1.5 مليار دولار في السنة بعد احتساب المساعدات الخارجية. وإذ يُسجّل إجمالي الناتج المحلي نحو 36 مليار دولار، بحسب البنك الدولي، يعني ذلك أن نسبة لا تقل عن ثلاثة في المئة من إجمالي الناتج المحلي تضاف سنوياً إلى الدين العام، من دون احتساب ديون قطاع الكهرباء.

على الرغم من ذلك، تتمسّك الحكومة بنموذج اقتصادي-اجتماعي يرزح تحت وطأة عقود طويلة من التوظيف المكثّف في القطاع العام، والاعتماد الشديد على العمالة الأجنبية المتدنّية الأجر كبديل عن توظيف الأردنيين، ناهيك عن النظام التعليمي المعروف عنه بأنه نظام كمّي لا نوعي. إذاً حتى لو تبدّدت الأزمة الأمنية الإقليمية في المستقبل القريب، فإن ضعف المحفزات لتشجيع المانحين الأجانب على تقديم المساعدات للمساهمة في التكاليف المترتبة عن اللاجئين قد يضع الأردن في مواجهة أزمة ديون جديدة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.