حاولت السعودية، في سياق خصومتها المستمرة مع إيران، ورداً على نجاحها المحدود في اليمن والانتكاسات التي تعرضت لها في سورية، أن تعيد تأكيد نفوذها، وتحتوي أعداءها، وترصّ الصفوف – وأن تجري، في معرض ذلك، إعادة تقويم لبعض تحالفاتها. تشير الإجراءات التي اتّخذتها الرياض مؤخراً لممارسة ضغوط مالية وديبلوماسية على لبنان إلى أنه ربما كان هذا الأخير الضحية الأولى للسياسة السعودية الجديدة. بيد أن ممارسة الضغوط على الدولة اللبنانية وحلفاء السعودية في بيروت قد تؤدّي إلى إضعاف الطرفَين معاً فيما تفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمملكة.

في الماضي، وعلى الرغم من أنه غالباً ما كان لبنان يشكّل حلبة يتنافس فيها السعوديون مع إيران وسورية، إلا أن الرياض سعت إلى إرساء علاقة عمل غير سهلة إنما براغماتية مع دمشق وحلفائها المحليين في بيروت. فعلى سبيل المثال، عندما كانت القوات السورية متمركزة في لبنان إبان الحرب الأهلية، دعمت الرياض بقوة إعادة الإعمار بعد الحرب ووظّفت استثمارات طائلة في الاقتصاد اللبناني. كانت الرياض تستثمر عن طريق حليفها السياسي الأساسي في لبنان – السلالة الاقتصادية والسياسية لآل الحريري – إلا أنها حاولت في الوقت نفسه عدم المساس مباشرة بالمصالح السورية. حتى بعد الصدمة التي أحدثها اغتيال رفيق الحريري، لم تَثبت السعودية طويلاً على موقفها الحازم ضد سوريا وإيران وحلفائهما في الداخل اللبناني. فبحلول العام 2008، كانت السعودية قد تخلّت عن استراتيجية المواجهة ولجأت بدلاً من ذلك إلى سياسة التقارب مع دمشق، إذعاناً منها بأنه يستحيل وضع حد للتأثير السوري على السياسة الداخلية في لبنان.

لكن الحرب الأهلية في سورية والخصومة السعودية-الإيرانية المتعاظمة كان لهما تأثير مباشر على لبنان الذي شهد انقساماً حاداً بين معسكرَين أحدهما موالٍ للأسد والثاني مناهض له، ما تسبّب بتفاقم الانقسامات القائمة أصلاً في البلاد. وقد أدّى ذلك إلى شلل مستفحل وطويل الأمد في السياسة الداخلية اللبنانية أسفر عن شغور في موقع رئاسة الجمهورية مستمر منذ أيار/مايو 2014. شعرت السعودية بالإحباط جراء الضربات التي تلقّاها مؤخراً نفوذها في سورية واليمن، فاتّخذت سلسلة من الإجراءات الحازمة في الأشهر القليلة الماضية والتي تهدف على ما يبدو إلى كسر الجمود، واحتواء "حزب الله"، ومحاولة فرض تغيير في الاصطفاف الإقليمي الملتبس في لبنان.

بدأ تضييق الخناق بصورة رسمية رداً على امتناع وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل عن تأييد إدانة الجامعة العربية للهجوم على السفارة السعودية في طهران في كانون الثاني/يناير الماضي الذي نُفِّذ انتقاماً لقيام السعودية بإعدام رجل الدين الشيعي البارز الشيخ نمر النمر. في حين أعرب باسيل – الذي أصبح أيضاً الرئيس الجديد للتيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله – عن التضامن مع الرياض، امتنع عن تأييدها في انتقادها الأوسع للأدوار الإقليمية التي تؤدّيها إيران وحزب الله، مبرراً موقفه بسياسة "الحياد الرسمي" التي ينتهجها لبنان.

يبدو أن الرياض قررت، منذ تلك الواقعة، أن تفعل كل ما بوسعها من أجل وضع حد نهائي للتوازن الإقليمي الدقيق الذي يحاول لبنان الحفاظ عليه. وهكذا اتّخذت المملكة في 19 شباط/فبراير الماضي، قراراً رسمياً بوقف المساعدات العسكرية التي كانت مقررة إلى الجيش اللبناني لشراء أسلحة فرنسية، وقدرها ثلاثة مليارات دولار أميركي، فضلاً عن مليار دولار أخرى كان من المزمع تخصيصها للأجهزة الأمنية اللبنانية في شكل عام. وكذلك ناشدت السعودية، إلى جانب البحرين والإمارات العربية المتحدة، رعاياها عدم السفر إلى لبنان الذي كان على مر التاريخ من الوجهات المفضّلة بالنسبة إلى السياح الخليجيين. صحيح أن السعودية أحجمت حتى الآن عن اتخاذ خطوات اقتصادية من شأنها أن تتسبب بأضرار أوسع، مثل سحب أموالها واستثماراتها من لبنان أو طرد العمال اللبنانيين من بلدان الخليج بأعداد كبيرة، إلا أنه من الواضح أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى تكبيد لبنان ثمناً باهظاً جراء محاولته التوفيق بين علاقاته مع طهران والرياض.

بيد أن السعودية رفعت الرهانات عبر السعي إلى عزل حزب الله، حليف إيران الأقوى في البلاد، على الساحة الإقليمية. ففي الأسابيع القليلة الماضية، عمد مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، بتحريض من السعودية، إلى تصنيف حزب الله "تنظيماً إرهابياً"، وذلك في اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب ومن ثم اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب. وأعقبت هذه الخطوات تهديدات أطلقها مجلس التعاون الخليجي بملاحقة من يتعاملون بصورة غير مباشرة مع حزب الله، ومعاقبتهم. ومن جهتها، أعلنت البحرين، حليفة السعودية، أنها ستعمد إلى ترحيل اللبنانيين "الداعمين لحزب الله".

نجاح هذه الخطوات يتوقف إلى حد كبير على الأهداف الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية. إذا كانت المملكة تأمل في ممارسة ضغوط على لبنان لجعله يتخلّص من النفوذ الإيراني ومن نفوذ حزب الله، فحظوظها بالنجاح ضئيلة جداً. لا تملك الحكومة اللبنانية الإمكانات السياسية (أو العسكرية) لكبح حزب الله، مع ما قد يترتب عن ذلك من إشعال فتنة داخلية لا تصب في مصلحة أحد، بما في ذلك السعودية.

أما إذا لم تكن السعودية تسعى إلى تغيير موقف لبنان الإقليمي، بل تريد أن توجّه رسالة إلى البلدان الأخرى في المنطقة بأنه حان الوقت لـ"حسم موقفها" والتوحد في ظل الراية السعودية في مواجهة إيران وحزب الله، فقد تتمكن من تحقيق نجاح أكبر في هذا المجال. ومن إنجازاتها على هذا الصعيد حمل جامعة الدول العربية على تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً، على الرغم من أن هذه الخطوة أثارت درجة من الانقسام داخل الجامعة. اللافت هو أن التصنيف لم يكن محط اعتراض من لبنان وحسب، إنما أيضاً من العراق، وبدرجة أقل، من تونس والجزائر.

إلا أن أي نجاح إقليمي محتمل سوف يترتّب عنه ثمن معيّن تدفعه السعودية في لبنان. المفارقة هي أن حلفاء السعودية في لبنان سيكونون الضحية الأكبر للسياسة الأكثر صدامية التي تنتهجها المملكة في التعامل مع لبنان وحزب الله. على وجه الخصوص، زُجَّ رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري وتيار المستقبل في موقف شديد الصعوبة. فقد دفعت الضغوط السعودية بتيار المستقبل إلى شن هجمات أشد قسوة ضد حزب الله. لكن تبيّن أن موقف الحريري غير كافٍ لاسترضاء الرياض التي لمّحت إلى أنها لن تتراجع عن قرارها قبل أن يتخلص لبنان من "تدخل حزب الله". غنيٌّ عن القول أن الحريري لا يستطيع تحقيق هذا الهدف، ما يجعله يبدو ضعيفاً ومعزولاً فيما يواجه تحالف 14 آذار/مارس الذي ينتمي إليه الحريري، انقسامات جديدة على خلفية الانتخابات الرئاسية، ويواجه الحريري نفسه تراجعاً في شعبيته داخل طائفته. يشعر اللبنانيون بأن السعودية تخلّت عن الحريري، وعما تبقّى من الرأسمال السياسي خلف القوى التي أطلقت ثورة الأرز في العام 2005.

في ما يتعلق بالتأثير السعودي في لبنان، ستؤدّي هذه الخطوات، في أفضل الأحوال، إلى تعميق الانقسام السياسي بين فريقَي 14 آذار/مارس و8 آذار/مارس. في الواقع، سوف يتبيّن أنه من الصعوبة بمكان إرساء توازن بين التوجهات "الموالية للسعودية" وتلك "الموالية لسورية وإيران" التي ينقسم حولها المعسكران. فضلاً عن ذلك، من شأن أي تباعد طويل الأمد بين السعودية وحلفائها في الداخل اللبناني أن يُضعف أكثر فأكثر قوى 14 آذار/مارس، وبالتالي أن يؤدّي إلى خسارة القوى السياسية الوحيدة المتحالفة مع المملكة في لبنان لمكانتها ونفوذها. في أسوأ الأحوال، من شأن سحب الدعم السعودي عن لبنان أن يفسح في المجال أمام زيادة التدخل السياسي والمالي الإيراني. وقد عرضت إيران دعم الجيش اللبناني، الأمر الذي قد يؤدّي إلى مزيد من التراجع في النفوذ السعودي.

إزاء إمكانية تنامي التدخّل الإيراني في لبنان وتفاقم عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في هذا البلد الذي يعاني من الهشاشة، أعربت الولايات المتحدة عن هواجسها بشأن المناورة السعودية الأخيرة. وكذلك انتقدت فرنسا الخطوة، وهو موقف منطقي نظراً إلى أن الصناعة الدفاعية لديها ستخسر ثلاثة مليارات دولار بسبب تجميد رزمة المساعدات العسكرية. صحيح أن التحفّظات الأميركية والفرنسية ليست فعالة بما يكفي لممارسة تأثير على علاقاتهما الثنائية مع المملكة، إلا أنه من الأجدى بالرياض أن تأخذ هذه الانتقادات على محمل الجد. قد لا يتسبب تضييق الخناق على لبنان بإحباط الأهداف الجيوستراتيجية للمملكة العربية السعودية وحسب، بل يمكن أن يزيد أيضاً من تعقيدات الأوضاع الداخلية في لبنان الذي يعاني أصلاً من الهشاشة وعدم الاستقرار.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.