الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة البيضاء في ليبيا تستعيد عافيتها في بنغازي، بعد انتهاء موجة الاغتيالات التي أسفرت عن مقتل مئات المواطنين والعناصر الأمنيين بين عامَي 2013 و2014.

ينتشر رجال الأمن وشرطة المرور حالياً في مختلف مناطق المدينة في مشهد لم تعهده بنغازي منذ نحو عامَين، حيث كانت الجريمة والاغتيالات في أعلى معدلاتها. في تلك الفترة، كانت بنغازي تحت سيطرة الجماعات المسلحة ذات الخلفية الإسلامية المتشددة مثل جماعة أنصار الشريعة، وكتيبة 17 فبراير، وغيرها من الميليشيات التي ساهمت في إسقاط نظام القذافي. 

"لم أتخيل أن يأتي اليوم الذي أرتدي فيه بذلتي الأمنية من جديد"، يقول النقيب أكرم المسلم هذه الكلمات وهو يتحسس مكان ساقه التي بُتِرت جراء محاولة اغتياله في كانون الثاني/يناير 2014، ويضيف أكرم أن العديد من زملائه العاملين في سلك الشرطة قضوا نحبهم في أحداث مشابهة، منها الخطف والتصفية الجسدية في أماكن نائية، ووضع عبوات لاصقة أسفل السيارات، بالإضافة إلى الرماية مباشرة على عناصر الجيش والشرطة في وسط المدينة وفي وضح النهار. يقول أكرم: "كانت تلك أساليب المتطرفين في تصفية زملائي لاعتقادهم بكفر كل من يعمل في الأجهزة الأمنية للدولة من جيش وشرطة". يضيف أنه اتضح بشكل جلي أن الجماعات المتطرفة هي من كانت تخطط وتنفذ عمليات الاغتيال في بنغازي، والدليل على ذلك هو توقف الاغتيالات بشكل كلي بعد تشرين الأول/أكتوبر 2014، وهو تاريخ انطلاق عملية الكرامة العسكرية التي يخوضها اللواء خليفة حفتر والقوات الموالية له تحت راية الجيش الوطني الليبي. 

يوافقه النقيب طارق الخراز، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية في حكومة البيضاء، الرأي قائلاً: ”رجال الأمن أصبحوا قادرين على تأدية مهامهم والسبب هو توقف الاغتيالات التي طالت منتسبي الأجهزة الأمنية. نحن ورغم قلة الإمكانيات ورغم ظرف الحرب التي تمر بها بنغازي، مستمرون في عملنا، الدعم الكبير الذي نتلقاه من الشارع ورغبة الناس في تحقيق الأمن يعطينا حافزاً كبيراً للاستمرار".

من ثمار استئناف الأجهزة الأمنية عملها في بنغازي تطبيق بعض المساءلة في الكثير من قضايا الاغتيالات والقضايا الجنائية الأخرى في المدينة. يقول الخراز إنه في السابق كانت كل قضايا الاغتيالات ومعظم القضايا الجنائية تُقيَد ضد مجهول، ذلك بسبب ضعف الأجهزة الأمنية وخوف قياداتها من الاغتيال في تلك الفترة، أما الآن فالكثير من المتورطين في قضايا الاغتيالات من المتطرفين وأصحاب السوابق تم القبض عليهم وإحالتهم للنيابة والجهات القضائية للنظر في قضاياهم.

المحاكم والجهات القضائية هي الأخرى عادت لممارسة أعمالها، بعد توقف العمل القضائي داخل بنغازي بين عامَي 2013 و2014 عندما تم استهداف مقار المحاكم والنيابة فيها بالمتفجرات والقذائف الصاروخية من قبل المتطرفين.

يقول مصطفى الورفلي، نائب المدّعي العام في بنغازي، إن المتطرفين كانوا يغتالون القضاة ووكلاء النيابة، وذلك لاعتقادهم بكفر كل من يعمل في السلك القضائي الذي يحكم بأحكام مخالفة للشريعة الإسلامية كما يزعمون. ويشرح الورفلي أنه بعد بدء عملية الكرامة العسكرية، استقر الوضع الأمني داخل المدينة، وأن الجهات القضائية تعمل الآن في مقار مؤقتة بديلة عن تلك التي دُمِّرت، قائلاً: "نستقبل بشكل مستمر القضايا المحالة إلينا من جهات الاختصاص للنظر فيها".

الاستقرار الأمني منذ عودة الأجهزة الأمنية للعمل من جديد كان له الأثر الواضح على الحياة في بنغازي. عاودت المحال التجارية والمقاهي بالإضافة الى الأسواق التجارية والمنتزهات، استقبال الناس، بعدما كانت تغلق في ساعة مبكرة خوفاً من عمليات الاغتيال اليومية منذ انطلاقة العملية العسكرية في المدينة. أما الأن فالإحساس بالأمن ارتفع لدى المواطن في بنغازي نتيجة رؤيته رجال الأمن في الشوارع من جديد.

على الرغم من أنه يبدو أن عملية الكرامة العسكرية نجحت في إضعاف الجماعات المتطرفة داخل بنغازي، إلا أنها تبقى حلاً مؤقتاً نظراً لعدم وجود مشروع حقيقي يدعم الأجهزة الأمنية في ليبيا. ومع أن الأمن يبقى الشغل الشاغل للحكومات الليبية المتعاقبة، سوف تؤدّي الانقسامات السياسية وعدم وجود حكومة وطنية تعترف بها الأطراف الليبية كافة، إلى تأخير بناء الأجهزة الأمنية بشكل صحيح، ويبقى المدنيون من يدفعون وحدهم فاتورة هذه الانقسامات.

 

عبد الحكيم اليمني صحافي مقيم في ليبيا.