أدّت زلّة لسان ارتكبها أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، إلى اندلاع واحدة من أسوأ الأزمات في النزاع الطويل حول الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر والتي تطالب باستقلال الصحراء التي تخضع في شكل أساسي لسيطرة المغرب. فخلال الزيارة التي قام بها بان كي مون إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين التي تديرها جبهة البوليساريو في جنوب غرب الجزائر في الخامس من آذار/مارس الماضي – بهدف إعادة إطلاق المفاوضات المتعثّرة حول استفتاء تقرير المصير – تحدّث أمين عام الأمم المتحدة عن "احتلال" المغرب للصحراء الغربية في تصريح وُصِف لاحقاً في بيان صادر عن الأمم المتحدة بأنه يعبّر عن "موقفه الشخصي". وقد ردّت الرباط بطرد معظم الموظفين المدنيين في بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (مينورسو) بعد أسبوعَين، وطلبت إغلاق مكتب الارتباط العسكري التابع للبعثة في الداخلة. على الرغم من أن بان كي مون أعرب عن ندمه في 28 آذار/مارس الماضي على "سوء الفهم" الذي تسبّب به كلامه، إلا أن الأزمة أدّت إلى احتدام التشنجات في المنطقة، وأثارت مخاوف حول قدرة عملية التسوية التي تقودها الأمم المتحدة على التوصّل إلى نتيجة فعلية ودائمة. وتسبّبت هذه الواقعة أيضاً باحتدام الانقسامات داخل مجلس الأمن الدولي، وشوّهت مصداقية الأمم المتحدة، فيما تبدي بلدان أخرى قلقها من أن رد الفعل المغربي يشكّل سابقةً تعمد البلدان المضيفة من خلالها إلى تقويض عمل بعثات الأمم المتحدة من دون العودة إلى مجلس الأمن. نتيجةً لذلك، غالب الظن أن النقاش حول بعثة مينورسو في الاجتماع السنوي لمجلس الأمن الدولي الذي يُعقَد هذا الشهر سوف يتحوّل من الحديث عن سير عمل البعثة إلى التركيز على تجديد الالتزام بوجودها في الصحراء الغربية، فضلاً عن السيطرة على الأضرار مع المغرب.

لطالما اعتبر المغرب، على امتداد العقود الثلاثة الماضية، أن الصحراء الغربية محافظة تابعة له في جنوب البلاد – وقام أيضاً بتقسيمها على ثلاثة من محافظاته الرسمية. يتناقض هذا الأمر مع نظرة البوليساريو التي تعتبر أن المنطقة المتنازَع عليها هي أرض محتلّة تنتظر تحريرها من قوى الاحتلال المغربية. تتولّى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية منذ مطلع التسعينات إدارة مطالب فريقَي النزاع، ووقف إطلاق النار، والعملية البطيئة جداً لتنظيم استفتاء حول تقرير المصير.

ربما فوجئ المراقبون الخارجيون بالسرعة التي بادر بها المغرب إلى الرد على كلام بان كي مون، وذلك في 17 آذار/مارس الماضي، بعد أقل من أسبوعَين على تصريحه المثير للجدل، وبحدّة الرد الذي انحرف عن المسار الديبلوماسي المعهود، ما يؤشّر إلى أن المغرب يضمر ضغائن تجاه الأمم المتحدة منذ وقت طويل. كما أن الانفعال الديبلوماسي في الاجتماع الطارئ الذي عقده مجلس الأمن الدولي – بما في ذلك النقاشات بين كبار المسؤولين في الأمم المتحدة لمدة خمسة أيام، والانقسامات المتزايدة بين أعضاء مجلس الأمن حول ما إذا كانت الحادثة تستحق رداً متعدد الأطراف – قد يجد فيه المراقبون الخارجيون نتيجة مفاجئة من نتائج الاعتراض المغربي على توصيفٍ حميد في الظاهر لسيطرة المغرب على الصحراء الغربية. بيد أن رد الفعل المغربي القوي نابع في جزء منه من استخدام الأمين العام لمصطلحات البوليساريو. كلمة حق تُقال، لم يصدر عن الأمم المتحدة أي توضيح شامل ووافٍ حول مكانة المغرب في الصحراء الغربية، فهي لم تقرّ بأن المغرب هو السلطة الشرعية في الصحراء، كما أنها لم تقترح بديلاً ذا مصداقية. بل اختارت مقاربة واقعية قوامها الاعتراف بسيطرة الرباط بحكم الأمر الواقع على الصحراء الغربية.

تكشف الإجراءات الانتقامية التي اتخذتها الرباط، والتي تبدو مبالغاً فيها، أن المغرب يسعى منذ وقت طويل إلى إضعاف وجود الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، وفي نهاية المطاف، تفريغ التفويض السياسي لبعثة مينورسو من مضمونه. هذا التفويض الذي يشمل تهيئة الأجواء لإجراء استفتاء حول استقلال الصحراء أو ضمّها إلى المغرب، مجمَّد فعلياً منذ العام 2000، وقد أعربت الرباط عن تفضيلها التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائي عن طريق التفاوض، على أن يشمل دمج الصحراء الغربية رسمياً كمنطقة تتمتع بحكم ذاتي في المغرب. لعل الانقسامات التي كشفتها الأزمة الأخيرة بين أعضاء مجلس الأمن الدولي تحقّق رغبة الرباط، لأنه من شأنها أن تضعف أكثر فأكثر دور الأمم المتحدة وتؤدّي إلى نزع الطابع الدولي عن النزاع، لا سيما عبر التخلي عن أي إشارة رسمية إلى إجراء استفتاء نهائي حول تقرير المصير.

لقد أدّى قيام المغرب بطرد جميع موظّفي مينورسو إلى حرمان بعثة الأمم المتحدة من الدعم اللوجستي الضروري لمراقبة وقف إطلاق النار. لقد قلّلت الرباط من أهمية إغلاق مكتب الارتباط العسكري التابع للأمم المتحدة في الداخلة، مؤكّدةً أن التعاون المعتاد بين القوات المغربية والمكوِّن العسكري في بعثة مينورسو مستمر على الأرض، وأن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة مع رئيس البعثة. بيد أن التداعيات الديبلوماسية طالت أيضاً الدعم السياسي للبعثة. واقع الحال هو أن تهديد جبهة البوليساريو في البداية باستئناف النزاعات المسلحة وما حُكي عن حشود عسكرية يتعارض مع ضبط النفس الضمني الذي تمارسه الجزائر عبر تجديد دعمها لتسوية الخلاف عن طريق الأمم المتحدة. تريد الجزائر، الداعمة الأساسية لجبهة البوليساريو، حماية تفويض مينورسو على الرغم من أن تركيز البعثة على تنظيم استفتاء حول تقرير المصير يصبح بعيد المنال أكثر فأكثر نظراً إلى المعارضة الشديدة والمتواصلة من المغرب.

على صعيد أكثر أهمية، أحدثت الأزمة انقسامات حادة بين أعضاء مجلس الأمن الدولي، وقد تجلّت خلال المشاورات التي أجراها المجلس بين 17 و24 آذار/مارس الماضي لمناقشة سبل الرد على قيام المغرب بطرد موظفي الأمم المتحدة. في النقاشات المحمومة، طالبت فرنسا وإسبانيا على وجه الخصوص بمعالجة المسألة مع المغرب عن طريق المباحثات الثنائية، الأمر الذي من شأنه أن يضعف دور الأمم المتحدة ويُلغي إمكانية إضافة تفويض خاص بحقوق الإنسان إلى مهمة البعثة. وقد عارضت دول أخرى في مجلس الأمن هذا المطلب، ودعت إلى عودة موظفي مينورسو إلى المغرب، وإعادة تأكيد سلطة الأمم المتحدة التي تخوّلها اتخاذ قرارات تصب في إطار حفظ السلام. بيد أن النقاشات في مجلس الأمن لم تتوصل سوى إلى "عناصر صحافية" تتطلب إجماعاً لكنها لا تشكّل جزءاً من سجل الأمم المتحدة الرسمي. حتى إنه لم يرد في هذه النقاط التي وضعت توصيفاً للأوضاع في شكل أساسي، أي تعبير عن الدعم لجهود الأمم المتحدة، ولم تتضمن أي آراء حول القرار المغربي أو تصريحات بان كي مون.

ثانياً، بالنسبة إلى المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، يمارس تفريغ وظائف مينورسو من مضمونها، تداعيات واسعة النطاق على بنية المفاوضات الراهنة وصيغتها. في حين أن ما يسعى إليه المغرب هو حصول الصحراء الغربية على الحكم الذاتي، على أن يتبعه استفتاء لتحديد وضعها النهائي بصورة دقيقة، تتمسّك جبهة البوليساريو والجزائر بفكرة إجراء استفتاء لتقرير المصير يختار سكان الصحراء من خلاله الاستقلال أو الانضمام إلى المغرب. يعني ذلك، بالنسبة إلى المغرب، وجوب استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق سياسي بالاستناد إلى خطة الحكم الذاتي التي وضعتها الرباط، في حين أنه يعني، بالنسبة إلى جبهة البوليساريو/الجزائر، الإبقاء على تفويض مينورسو الخاص بتنظيم الاستفتاء حول تقرير المصير في المستقبل. حتى تاريخه، تمكّن كل من فريقَي النزاع من السعي خلف تحقيق أهدافه من دون أن يعرقل الفريق الآخر، غير أن الأزمة الراهنة قلبت الأوضاع، وسمحت للمغرب بأن يقوّض تفويض مينورسو في مجال العمل على تنظيم استفتاء لتقرير المصير. وقد يعمد المغرب أيضاً إلى إحباط محاولات البوليساريو والجزائر لتوسيع تفويض البعثة كي يشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهو ما يعارضه المغرب معارضة شديدة.

إذاً أعادت الأزمة صوغ النقاشات التي سيشهدها الشهر الجاري حول تجديد تفويض بعثة مينورسو عبر فتح باب النقاش حول بنية البعثة ووظائفها، بما في ذلك مهام مراقبة حقوق الإنسان. في نهاية المطاف إن القضية بالنسبة لمجلس الأمن الدولي ليست مسألة إلغاء ولاية بعثة مينورسو أو تجديدها بل مدة هذا التجديد و شكل إجراءات الإبلاغ. يود مؤيدو المغرب المحافظة على التمديد الاعتيادي بسنة واحدة وأن يكون الضغط على رصد التقدم منخفضاً قدر الإمكان.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

جاك روسيلييه أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العسكرية الأميركية، شارك في تحرير كتاب "آفاق حول الصحراء الغربية: الأساطير والقومية والجيوسياسة" (رومان وليتلفيلد).