بعد تفكيك دائرة الاستعلام والأمن التي كانت تتمتع بالنفوذ سابقاً، تبذل الحكومة الجزائرية جهوداً لتُثبت سيطرتها على الجيش، وقد تجلّى ذلك من خلال تكثيف الجيش عملياته لمكافحة الإرهاب في آذار/مارس الماضي. يحاول الرئيس بوتفليقة وحلفاؤه، من خلال هذه العمليات، أن يثبتوا للنخب التي كانت على ارتباط بدائرة الاستعلام والأمن، أنهم يسيطرون بالكامل على القوى الأمنية، ويسعون أيضاً إلى إعادة بناء ثقة الشعب بقدرة الجيش الجزائري على الحفاظ على الأمن. علاوةً على ذلك، توجّه الحكومة الجزائرية رسالة إلى فرنسا وجيرانها في الساحل والبلدان الأخرى المهتمة بالأمن الإقليمي، بأن الجزائر لا تزال اللاعب الرئيس. إلا أنه لا تزال هناك شكوك أساسية حول ما إذا كان الجيش الجزائري قادراً على إدارة الشؤون الأمنية الإقليمية بنفسه.

أقدم حلفاء بوتفليقة على حل دائرة الاستعلام والأمن في كانون الثاني/يناير الماضي بموجب مرسوم رئاسي، بعيد إقالة رئيسها، الجنرال محمد "توفيق" مدين، في أيلول/سبتمبر 2015. فقد أثارت الجهود التي بذلها توفيق للتقصّي عن الفساد في شركة سوناطراك الحكومية للمحروقات ومشتقّاتها - وخصوصاً رئيسها السابق الموالي لبوتفليقة، شكيب خليل - غضب المعسكر الرئاسي. والأهم من ذلك، حُمِّل توفيق مسؤولية الفشل في حماية منشأة تيقنتورين للغاز في عين أميناس في العام 2013، عندما عمدت مجموعة متشدّدة على ارتباط بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى احتجاز العديد من الرهائن وقتل العشرات منهم. وقد أنشأت الحكومة جهازاً استخباراتياً جديداً ليحل مكان دائرة الاستعلام والأمن. يُعرَف الجهاز الجديد بمديرية المصالح الأمنية ويخضع مباشرةً لسلطة الرئاسة. لكن، وعلى الرغم من أن المعسكر الموالي لبوتفليقة يحمّل دائرة الاستعلام والأمن مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي منيت بها الجزائر في السابق فيما يستعرض مهاراته، إلا أن استمرار الهجمات يقوّض روايته هذه.

في 11 آذار/مارس الماضي، أفاد الجيش الجزائري أنه قتل ثلاثة متشدّدين إسلاميين، بينهم زعيم كتيبة "فتح المبين" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، على مقربة من مدينة الوادي بشرق البلاد. وذكر أيضاً أنه ضبط كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة، منها ستة صواريخ مضادة للطائرات، وثلاث قاذفات صواريخ، وأكثر من 20 مسدّساً. لكن بعد أسبوع، في 18 آذار/مارس الماضي، هاجم عناصر من تنظيم القاعدة مصنعاً للغاز في منطقة كرابشة في مدينة عين صالح، تشغّله بصورة مشتركة سوناطراك الجزائرية، وستاتويل النرويجية، وشركة بريتيش بتروليوم البريطانية للنفط. على الرغم من أن هذا الهجوم الذي نُفِّذ بواسطة قذائف صاروخية لم يتسبّب بوقوع أضرار أو سقوط ضحايا، إلا أنه شكّل تحدّياً مباشراً لمزاعم السلطات الجزائرية بأنها هزمت الإرهاب. وقد تهكّم البيان الرسمي الصادر عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، بالسلطات الجزائرية متسائلاً كيف سيبرّرون الوضع الأمني لـ"أسيادهم الغربيين".

نفّذ الجيش العديد من العمليات الأخرى لمكافحة الإرهاب طوال شهر آذار/مارس الماضي، منها ضبط أسلحة أو ذخائر. لكن بدلاً من تسليط الضوء على كفاءة القوى الأمنية، ربما تثير هذه العمليات مزيداً من القلق في أوساط الرأي العام عبر لفت الأنظار إلى تزايد التهديدات الناجمة عن مجموعات مدجّجة بالسلاح في الجزائر، مع العلم بأن عددها كان قليلاً نسبياً في الأعوام السابقة. على الرغم من أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يشكّل تهديداً منذ زهاء عقد من الزمن، إلا أن القوى الأمنية الجزائرية تواجه الآن تهديدات متزايدة من تنظيم الدولة الإسلامية الذي ينمو نتيجة الفراغ السياسي والأمني في ليبيا، والذي يقف تنظيم جند الخلافة التابع له خلف مقتل السائح الفرنسي هيرفيه غورديل على الأراضي الجزائرية في أيلول/سبتمبر 2014. وقد أقدمت مجموعتان صغيرتان أخريان، أنصار الخلافة وسرية الغرباء اللتان تنشطان في محافظتَي سكيكدة وقسنطينة على التوالي، على مبايعة الدولة الإسلامية أيضاً.

منذ الهجوم على عين أميناس الذي أودى بحياة أربعين عاملاً في القطاع النفطي في العام 2013، اتّخذ الجيش الجزائري إجراءات لحماية مصانع النفط والغاز عبر تحسين نقاط التفتيش العسكرية في محيطها، ورفع مستوى المراقبة في هذه المنشآت عن طريق الكاميرات والاستطلاع الجوي. ورداً على الهجوم الأخير في عين صالح، نشر الجيش الجزائري 5000 جندي إضافي لحماية مصانع الغاز في الجنوب، وأعلن عن خطط لتعزيز الأمن على طول الحدود مع ليبيا ومالي والنيجر، فضلاً عن منح سلاح الجو دوراً أكبر في عمليات مكافحة الإرهاب. يحاول الجيش أن يوحي للعالم الخارجي بأن السبب في تلك الهجمات كان عدم فعالية النهج الذي اعتمدته دائرة الاستعلام والأمن في مكافحة الإرهاب، ليس في عين أميناس وحسب، إنما على امتداد عقود. حتى إن عمار سعيداني، أمين عام جبهة التحرير الوطني، اتّهم دائرة الاستعلام والأمن بالفشل في إحباط اغتيال الرئيس محمد بوضياف في العام 1992، وفي منع محاولة اغتيال الرئيس بوتفليقة التي لم باءت بالفشل في باتنة في العام 2007.

داخلياً حلفاء توفيق والجهات المرتبطة بدائرة الاستعلام والأمن، بينهم ضباط سابقون وجنرالات متقاعدون، هم من يشعرون بالقلق من أن الجيش الجزائري لا يستطيع مكافحة الإرهاب من دون الدائرة. لكن ثمة إدراك عام بأن كل المؤسسات القديمة في الجزائر – دائرة الاستعلام والأمن، إنما أيضاً سواها من الأجهزة الأمنية فضلاً عن الحكومة المدنية – غير جديرة بالثقة. هذه المشكلة في المصداقية يزيد من حدّتها تجدّد المزاعم عن تفشّي الفساد داخل دائرة الاستعلام والأمن المنحلّة. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، نشرت وزارة الخارجية الأميركية بعضاً من رسائل البريد الإلكتروني الشخصية العائدة لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. وقد كشفت إحدى تلك الرسائل، التي أعيد نشرها في الصحافة الجزائرية في 17 آذار/مارس الماضي، النقاب عن رابط مزعوم بين دائرة الاستعلام والأمن ومختار بلمختار، أمير جماعة "المرابطون" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب. بحسب التقارير، ساعد بلمختار دائرة الاستعلام والأمن في عملية نفّذتها في العام 2012 لإنقاذ قنصل جزائري احتُجِز رهينة في مالي، وأذعن للتحريض من الدائرة على "مهاجمة المصالح المغربية في الصحراء الغربية". زجّت هذه المعلومات بالمؤسسات الجزائرية كافة في موقف محرج للغاية.

حتى إن جيران الجزائر تساورهم شكوك أكبر حول ما إذا كانت إخفاقاتها الأمنية قد انتهت فعلاً. فمجموعة دول الساحل الخمس (مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد) تشعر بأن الجزائر غير قابلة للتوقع في ما يتعلق بالنهوض بمسؤولياتها الأمنية، ولذلك قرّرت إطلاق مشروعها الخاص لبسط الأمن في المنطقة. تنوي هذه المجموعة، كما كتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية، فتح مدرسة للتدريب العسكري في نواكشوط، وتشكيل قوة تدخّل سريع، وتكثيف الدوريات الحدودية المشتركة. لقد اتُّخِذت هذه القرارات من دون مشاركة الجزائر، وأحد الأسباب هو اعتبار لجنة الأركان العملياتية المشتركة – آلية تعاون إقليمية لمكافحة الإرهاب أنشأتها الجزائر في العام 2010 وتتخذ من تمنراست مقراً لها – جهازاً غير فعال. على سبيل المثال، لم تتجاوب الجزائر مع الطلبات التي رفعتها إليها مالي لتقديم المساعدة العسكرية عندما تقدّم الجهاديون نحو باماكو في كانون الثاني/يناير 2012. وفي أيار/مايو 2013، لم تساعد الجزائر النيجر لوقف الهجمات الإرهابية في أغاديز وأرليت. علاوةً على ذلك، تعتقد هذه الدول أن الجزائر دعمت معظم، إن لم يكن جميع الجماعات الإرهابية في الساحل.

بيد أن الجزائر لم تطلق مبادرة لجنة الأركان العملياتية المشتركة بهدف أن يكون لها حضور فعّال. بل كانت مجرد مناورة دعائية ناجحة لإيهام الغرب بأنها تضع التهديدات الإقليمية تحت السيطرة، وثَني الدول الغربية عن التدخل بصورة أكثر مباشرة في الصحراء الغربية والساحل. بيد أن سجل الجزائر السيئ في تنسيق المقاربات الإقليمية لمكافحة الإرهاب يؤثّر سلباً في خططها الأخيرة للظهور في صورة الدولة التي تحافظ على الأمن وتبسط سيطرتها. تخشى فرنسا أن تتعرّض لمزيد من الاستهداف من الجهاديين في حال عمدت إلى زيادة انتشارها العسكري في دول الساحل، ولذلك تدعم مبادرة مجموعة دول الساحل الخمس التي ترى فيها وسيلةً لخفض وجودها والتزاماتها العسكرية في الساحل.

على الرغم من أن الجزائر لم تطلب أن تكون جزءاً من المشروع الذي أطلقته مجموعة دول الساحل الخمس، إلا أنها توقّعت ضمّها إليه. كما أن خبرة الجزائر ومعرفتها الواسعة بالمجموعات القتالية في مختلف أنحاء الساحل لا تُقدَّران بثمن ولا غنى عنهما لنجاح أي آلية أمنية متعددة الأطراف. بدلاً من التركيز على نظرة الرأي العام إلى كفاءة القوى الأمنية، الفرصة سانحة أمام السلطات الجزائرية لإطلاق استراتيجية أمنية أكثر فعالية في حال كانت هناك خطوات فعلية من أجل تنسيق إقليمي أكبر وتشارُك المعلومات. المؤتمر الأمني الدولي الذي تنظّمه وزارة الدفاع والمقرر عقده في جامعة البليدة في 4-5 أيار/مايو المقبل هو خطوة في هذا الاتجاه، ويمكن أن يؤدّي شبح الدولة الإسلامية دوراً أساسياً في الدفع نحو مزيد من التعاون.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

عبدالله براهيمي زميل وخرّيج كلية ماكسويل في جامعة سيراكوز ومستشار يعمل لحسابه الخاص لدى منظمات أهلية جزائرية.