في 13 نيسان/أبريل الجاري، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "لقاء مع ممثلي فئات الشعب" لمدة 93 دقيقة، لكنه كان في شكل أساسي عبارة عن خطاب. بعد المحاولة الوحيدة التي قام بها أحد الحاضرين للمساهمة في النقاش، صرخ السيسي غاضباً: "لم أعطِ أحداً الإذن للتكلم!" أظهرت هذه الواقعة من جديد أن السيسي يعتبر أن المعلومات تكون في اتجاه واحد، من أعلى الهرم إلى أسفله، وجسّدت امتعاضه من تعدّد الآراء والأصوات.

هذا "اللقاء" هو المؤشر الأحدث عن علاقة السيسي المضطربة والمعقّدة مع الإعلام. تارةً يعبّر السيسي عن ازدرائه لوسائل الإعلام، محاولاً الالتفاف على المعلّقين والمراسلين ومخاطبة المصريين بطريقة مباشرة، وطوراً يحاول السيطرة على شخصيات بارزة في وسائل الإعلام تشكّل أداوات مهمة لتمرير المعلومات، أو التودّد إليها. وهذا يعكس التناقض بين حاجة الرئيس في الواقع إلى وسائل الإعلام ومحاولته في الوقت نفسه القضاء على استقلاليتها عن النظام. وقد ازدادت التداعيات السياسية لهذا الأمر حدّةً فيما يواجه النظام المصري سلسلة من الأزمات على مستوى علاقته بالرأي العام. فعلى الرغم من المحاولات التي يبذلها الرئيس للتملق إلى وسائل الإعلام وحملها على الامتثال لمبدأه القائل بوجوب اعتماد رأي واحد هو ذاك الذي يصدر عن الدولة، لم تتبنَّ وسائل الإعلام هذا المبدأ بالكامل، وقدرة الرئيس على التحكّم بها لم تعد أكيدة كما في السابق.

منذ أصبح السيسي حاكماً لمصر بحكم الأمر الواقع في 7 تموز/يوليو 2013 وصولاً إلى الأشهر الثمانية عشر الأولى من عهده الرئاسي، عرفت العلاقة بينه وبين أكثرية وسائل الإعلام الرئيسة شهر عسل واضحاً. أُغلِقت وسائل الإعلام التي لم تدعم عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وسُجِن عدد من مشغّليها. وازداد حلفاء السيسي في وسائل الإعلام مع تنامي نفوذه، ما دفع بمالكي وسائل الإعلام ومشغّليها إلى التحوّل نحو دعم الرئيس في إطار مناورةٍ تكتيكية. فضلاً عن ذلك، بدا وكأن أكثرية فعلية في أوساط الرأي العام وأجهزة الدولة المختلفة تدعم السيسي باعتباره الخيار الذي يجسّد "الاستقرار" أو الذي من شأنه أن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة. وهكذا راح مقدّمو البرامج عبر وسائل الإعلام يصفون السيسي بمنقذ البلاد.

حتى الآن، لا تزال المنظومة الإعلامية التي ولّدتها هذه الظروف قائمة إلى حد كبير، ما يعكس أنماط الإكراه وعقد التحالفات داخل البلاد. لكن فيما تواجه مصر أزمات سياسية جديدة، تزداد مستويات انتقاد الحكومة إذ يشعر عدد محدود من مقدّمي البرامج الحوارية السياسية التي تُعرضَ في أوقات الذروة عبر القنوات الأساسية، بارتياح أكبر في انتقاد الرئيس بصورة مباشرة بدلاً من اختيار وسيلة غير صدامية وأكثر تقليدية تقوم على انتقاد الحكومة أو مستشاري الرئيس. فقد وجّه ابراهيم عيسى، مقدّم برنامج في قناة "القاهرة والناس" الذي كان من أشدّ الداعمين للسيسي والمدافعين عنه، انتقادات للرئيس على جميع أخطائه الأخيرة، وخصّص مؤخراً حلقتَين كاملتين تقريباً لانتقاد الخطوة المثيرة للجدل التي قام بها السيسي عبر نقل السيادة على جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية. والمفاجأة الأكبر هي إيقاف الإعلامية عزة الحناوي مرتين عن العمل بسبب انتقادها للسيسي عبر التلفزيون الرسمي الذي هو عادةً من آخر الأماكن التي نتوقع أن يصدر عنها انتقاد مباشر لرئيس الدولة. وفي تطور بارز، أُسقِطت عضوية توفيق عكاشة في مجلس النواب المصري – وهو مقدّم برنامج حواري، وباحث في نظريات المؤامرة، ومعارض لثورة 2011 – والسبب الظاهري هو لقاؤه السفير الإسرائيلي في مصر من دون الحصول على إذن من الدولة أو مجلس النواب. على الرغم من أن عكاشة يواجه العديد من الدعاوى القضائية على خلفية الهجمات العنيفة التي شنّها على الناشطين الحقوقيين خلال حملاته الغاضبة اليومية عبر شاشة التلفزيون والتي تلقى رواجاً واسعاً، إلا أنه ظل يتمتع بالحصانة بسبب دعمه لنظام السيسي. بيد أن سقوط عكاشة من الحظوة جاء بعيد انقلابه على السيسي الذي وجّه إليه انتقادات معتبراً أنه فشل في منصب الرئاسة و"اختطف ثورة 30 حزيران/يونيو".

شهدت الأشهر القليلة الماضية أمثلة كثيرة مشابهة عن انتقادات في وسائل الإعلام، لا سيما على خلفية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي لم تُكشَف ملابساته بعد والذي يتسبّب بتباعد ديبلوماسي بين مصر وإيطاليا، ونقل السيادة على جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية. يلقي السيسي اللوم على وسائل الإعلام في هاتَين الأزمتين مع الرأي العام، مدّعياً أن التغطية الإعلامية المكثّفة هي السبب في تحوّلهما إلى قضية عالمية. فقد قال في خطابه: "الإعلام يعبّر عن سياسات الدولة... الناس تفهم كده".

لكن على الرغم من أن مقدّمي البرامج الحوارية السياسية يؤدّون، منذ انتفاضة ميدان التحرير في كانون الثاني/يناير 2011، دوراً يقع في مكان ما بين المعلّق والسياسي، إلا أنه، وعلى النقيض من السياسيين، يستمدّون تفويضهم في شكل أساسي من حجم مساهمة المعلِنين، وأهواء مالكي الوسائل الإعلامية، ومطالب المؤسسات الأمنية التي تشرف عليهم. لدى كل واحد من مقدّمي البرامج الحوارية التي تُبَث في أوقات الذروة في مصر، وعددهم نحو اثنَي عشر مقدّماً، القدرة على تجاوز حدود وسيلته الإعلامية والوصول إلى جمهور أوسع بكثير بمجرد التعبير عن رأي مثير للجدل. هذه المجموعة من الإعلاميين هي الضمانة الأساسية للنظام من أجل إخضاع وسائل الإعلام، ولا يزال السيسي يحتاج إليهم للتصفيق لمشاريعه الكبرى، مثل توسعة قناة السويس، لا سيما عندما تكون هناك علامات استفهام حول ما يُروَّج له من فوائد لهذه المشاريع. 

"الصحافة الحقيقية" غائبة إلى حد كبير عن البرامج التي تُعرَض في أوقات الذروة، وتجد مكانها أكثر في بعض المواقع الإخبارية المستقلة الجديدة أو غير المعروفة جيداً، مثل البداية أو مدى مصر أو أصوات مصرية، أو في وسائل إعلامية خارجية. لطالما مُنِع منتقدو النظام التقليديون من الظهور في البرامج التي تُبَث في أوقات الذروة مع استمرار الرقابة على الإعلام المستقل واضطهاده من الدولة. لكن الخطوط الحمراء في العمل تبدو اليوم أكثر تشوّشاً مما كانت عليه في عهد مبارك. لا يزال خطان أحمران قديمان – الجيش وشؤون "الأمن القومي" – على حالهما، لكنهما أصبحا أكثر تشوّشاً وتمغّطاً وعرضة للتأويل. على سبيل المثال، تخطى الصحافي حسام بهجت والباحث اسماعيل الإسكندراني الخطوط الحمراء عبر الكتابة عن مسائل يعتبرها الجيش حسّاسة وسرّية. يسود الالتباس حول مصيرهما: بعد احتجاز بهجت لمدة أربعة أيام، صدر قرار بمنعه من السفر إلى خارج مصر، ولا يزال الإسكندراني محتجزاً من دون محاكمة بعد توقيفه في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

الحدود غير واضحة، ما يثير الغضب حتى في صفوف الطبقة الحاكمة. أيُّ تقريرٍ عن الجيش يُعرِّض صاحبه للمثول أمام المحكمة العسكرية، ويسعى مرسوم رئاسي جرى إقراره في مجلس النواب في 17 كانون الثاني/يناير الماضي، إلى تثبيت التوجيهات الهرمية الواضحة المفروضة من السلطات العليا على التغطية الإعلامية للإرهاب عبر حظر وسائل الإعلام من التطرق إلى المسائل المتعلقة بالإرهاب إلا بهدف نقل الرواية الحكومية الرسمية. لكن ظهرت خطوط حمراء أكثر ضبابية مع إصدار الدولة أوامر بتكميم الأفواه بطريقة استنسابية. خلال الأشهر السبعة الماضية، صدرت أوامر عدة بتكميم الأفواه في مسائل على غرار التحقيقات في الفساد، ومقتل السياح المكسيكيين، وخطط الطاقة النووية في مصر، وسواها.

فيما تُبقي الدولة عينها – وقبضتها – على حرية التعبير، وعلى وسائل الإعلام وتشارُك المعلومات، لن تساهم نظرة الرئيس إلى الإعلام والتطبيق العشوائي "للإجراءات الأمنية" سوى في إرساء ما يتحول سريعاً إلى منظومة حكم ديستوبية. في 15 نيسان/أبريل الجاري، عندما اندلعت احتجاجات حاشدة ضد التخلي عن جزيرتَي تيران وصنافير، أذعنت "الأهرام"، الصحيفة الحكومية الأكبر في مصر، لإرادة السيسي وحوّلت تركيزها نحو خطاب آخر من خطبه أكّد فيه أن التهديدات الأكبر المحدقة بمصر هي ذات طابع داخلي.

وشنّت الحكومة أيضاً حملة اعتقالات اعتباطية طالت صحافيين قبيل جولة الاحتجاجات الجديدة في 25 نيسان/أبريل. على الرغم من أن الحكومة تتوقع من وسائل الإعلام السير على خطاها في تجاهل التظاهرات العامة والمعارضة العلنية أو إسكاتها، إلا أن امتثال وسائل الإعلام لرغبات الحكومة بات أقل يقيناً بكثير مما كان عليه قبل بضع سنوات.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

محمد المشد صحافي مصري يتابع حالياً دراسة الدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، حيث يجري بحوثاً عن الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام في العالم العربي.