نشر موقع "انكيفادا" الإلكتروني الاستقصائي التونسي، بالاشتراك مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، اعتباراً من نيسان/أبريل الماضي، خمسة مقالات بالاستناد إلى معلومات كشفت عنها وثائق بنما. من أصل 11.5 مليون وثيقة سرّبتها شركة "موساك فونسيكا" للمحاماة في بنما وتتطرق بالتفصيل إلى كيفية قيام النخب في العالم بتهريب ثرواتها من الضرائب، والملاذات الضريبية حيث يُخفون تلك الثروات، تأتي نحو ثمانية آلاف وثيقة على ذكر تونس، بحسب مدير النشر في موقع "انكيفادا". حتى الآن، كشفت هذه الوثائق تورّط عدد من السياسيين ورجال الأعمال التونسيين.

ردّ الفعل الأولي من الطبقة السياسية كان استخدام التقارير المسرَّبة لتأجيج الصراعات الفئوية – مادّة جديدة لتراشق الاتهامات مع الخصوم – أو اعتبارها قدحاً وذماً من قبل المراسلين الصحافيين. أما المواطنون العاديون فلم يكترث كثرٌ منهم في البداية للتسريبات، واعتبروا الفساد جزءاً عادياً ومبتذلاً في تفاعلاتهم اليومية مع البيروقراطيين في الدولة. بيد أن النشطاء المناهضين للفساد يرون في التسريبات فرصة للدفع باتجاه إجراء إصلاح حقيقي، لا سيما على ضوء الجهود الحثيثة التي يبذلها السياسيون للرد على الاتهامات، وإعلان المؤسسات الحكومية عن مبادرات استقصائية جديدة.

كشف التقرير الأول الذي نشره موقع "انكيفادا" في الرابع من نيسان/أبريل الماضي، أن محسن مرزوق، الأمين العام السابق لحزب نداء تونس ومؤسس الحركة السياسية الجديدة "مشروع تونس"، وجّه رسالتَين بالبريد الإلكتروني إلى شركة "موساك فونسيكا" في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2014 للسؤال عن كيفية تأسيس أعمال في الخارج. حصل هذا قبيل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية حيث كان مرزوق مدير حملة الباجي قائد السبسي الذي أصبح رئيساً للبلاد.

أثار التقرير ردود فعل سريعة وقوية. تمت قرصنة موقع "انكيفادا" في الليلة التالية وظهر مقال مزيّف ادّعى زوراً أن اسم المنصف المرزوقي – رئيس تونس سابقاً وخصم السبسي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في العام 2014 – ورد في وثائق بنما. على الرغم من أن موقع "انكيفادا" سارع إلى إغلاق صفحته بانتظار استعادة السيطرة عليها وأصدر بياناً أوضح فيه أنه ليس للمرزوقي أية صلة بوثائق بنما، أعادت وسائل إعلامية أخرى نشر الادّعاءات المغلوطة. في غضون ذلك، أعلن مرزوق في السادس من نيسان/أبريل، رداً على التقرير الأول، عن قيامه برفع دعوى قضائية على موقع "انكيفادا" بتهمة القدح والذم. لكنه تراجع عن الدعوى في 28 نيسان/أبريل وأعلن أنه سيتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بعدما أقرّ محاميه بأنه سيكون من الصعب الفوز في الدعوى القضائية.

بعد هذا التقرير الأول الذي أعقبه تقرير ثانٍ نشره موقع "انكيفادا" عن رجل الأعمال والسياسي سمير العبدلي، قال راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة، في مقابلة معه في 11 نيسان/أبريل، إن التسريبات سوف "تغيّر المشهد السياسي في البلاد". لكن بعد أقل من أسبوع، نشر موقع "انكيفادا" مقالاً جديداً تطرق فيه بالتفصيل إلى الأموال التي تملكها قناة "تي إن إن" التلفزيونية الخاصة (شبكة تونس الإخبارية) في الخارج، والتي يُزعَم أن لديها علاقات تجارية مع شخصيات بارزة في حزب النهضة. على الرغم من أنه لم يٌكشَف حتى الآن عن ارتباط مباشر بين أي من أعضاء النهضة وشركة "موساك فونسيكا"، تراجع الغنوشي لاحقاً عن الكلام الصادر عنه. إلا أنه حذا على ما يبدو حذو مرزوق معلناً عبر صفحته الرسمية على موقع فايسبوك أنه سيرفع دعوى قضائية على الموقع الإلكتروني. 

وفي أيار/مايو الجاري، نشر موقع "انكيفادا" مقالاً رابعاً ورد فيه أن نعمان الفهري، وزير تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي، كان في التسعينات واحداً من مساهمَين اثنين في شركة في الخارج، وأصبح لاحقاً مديراً لها قبل أن يستقيل ويحلّ الشركة في العام 2011، بعد انتخابه عضواً في المجلس التأسيسي الوطني. وقد أكّد الفهري هذه الوقائع لموقع "انكيفادا" وعلى صفحته على موقع فايسبوك، مشيراً إلى أن أعماله كانت قانونية. وعلى النقيض من السياسيين الآخرين الذين وردت أسماؤهم في التسريبات، توجّه الفهري بالشكر إلى الصحافيين على عملهم الاستقصائي، ما أثار تعليقات إيجابية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أعربت مجموعة من المستخدمين عن احترامها للوزير على صراحته.

إذا وضعنا حالة الفهري جانباً، تُظهر ردود الفعل المتناقضة والمتقلّبة أنه بالنسبة إلى بعض المعنيين، الفساد هو مسألة مرتبطة بالسياسات الحزبية أكثر منه تحدٍّ من تحدّيات السياسة العامة. لكن الأهم هو أن التسريبات تحفّز مؤسسات الدولة على التحرك. قد تكون تونس بلد حيث رفع السياسيون دعاوى قضائية ضد الصحافيين الذين أعدّوا تقارير عن وثائق بنما، لكنه بلد أيضاً حيث أصدرت الهيئات الحكومية أوامر بإجراء تحقيقات. فقد طلبت وزارة المال من دائرتَي الجمارك والضرائب فتح تحقيقات بهذا الشأن. وأشارت وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، بالتنسيق مع وزارة العدل والمصرف المركزي التونسي، إلى أنها ستجلب أمام العدالة كل من يثبت تورّطه في المخالفات. وطلبت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من موقع "انكيفادا" التعاون معها، كما جرى إنشاء لجنة تقصٍّ برلمانية. وكذلك أعلنت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، أي الهيئة الناظمة لوسائل الإعلام، أنها ستتقصّى عن قناة "تي إن إن".

ليس واضحاً حتى الآن إذا كانت هذه الإجراءات الجديدة ستثبت فعاليتها، لا سيما وأن الإجراءات المماثلة لم تحقّق سوى نجاح محدود في الماضي. كانت هناك إثباتات موثَّقة عن فساد أسرة بن علي الحاكمة قبل انتفاضة 2011، لكن لم يُنجَز الكثير على صعيد محاكمة المرتكبين. أنشئت لجان تقصٍّ كثيرة، على غرار تلك التي ترأسها الاختصاصي في الشؤون القانونية، عبد الفتاح عمر، في العام 2011، والتي نشرت تقريراً من مئات الصفحات في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه تطرّق بالتفصيل إلى قضايا الغش والفساد خلال عهد بن علي. مع ذلك، لم يُحقّق هذا التقصّي نتائج تُذكَر على صعيد إصلاح الفساد المستشري.

كذلك، كُلِّفت هيئات أخرى مموّلة من الدولة بتسليط الضوء على الفساد. ينص الفصل 130 من دستور 2014 على وجوب قيام مجلس النواب بإنشاء هيئة دائمة لمكافحة الفساد من أجل النهوض بمهام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهي هيئة مؤقتة تعاني بصورة مزمنة من نقص التمويل والطاقات البشرية: ينظر أقل من اثنَي عشر قاضياً في أكثر من تسعة آلاف قضية فساد رفعتها الهيئة إلى المعنيين. واقع الحال هو أن تقرير عمر، ومصير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والفشل في إنشاء هيئة دائمة لمكافحة الفساد، كلها مؤشرات عن غياب الإرادة السياسية لمعالجة الفساد بطريقة جدّية.

لقد وقعت هذه المهمة على عاتق عدد قليل من وسائل الإعلام الاستقصائية الجريئة ومجموعات المجتمع المدني. في هذا الإطار، أجرى موقع "نواة" الإلكتروني مؤخراً تحقيقاً عن الأموال المفقودة والمستندات المخالفة للقواعد والأصول في البنك الفرنسي التونسي، وهو فرع من فروع الشركة التونسية للبنك، حيث تملك الدولة التونسية أكثرية الأسهم. ووثائق بنما هي التسريبات الأحدث عهداً والأكبر في سياق نزعةٍ جديدة تشهد زيادة التغطية الإعلامية للفساد وانتشار الوعي العام على نطاق أوسع. ففي استطلاع نشرته منظمة الشفافية الدولية في أيار/مايو الجاري، قال أكثر من 60 في المئة من التونسيين إنهم يشعرون بأن الفساد ازداد خلال العام المنصرم. لا علاقة لهذه النظرة بالضرورة بتعامل السلطة القضائية مع الفساد. فعلى سبيل المثال، لن تترتب على الأرجح أي تداعيات قانونية في تونس عن الاستفسار الذي وجّهه مرزوق إلى شركة "موساك فونسيكا" عبر البريد الإلكتروني، بيد أن كثراً في تونس يفسّرون أفعاله بأنها تؤكّد الانطباع العام عن تفشّي الفساد في أوساط السياسيين.

قال نحو نصف التونسيين الذين شاركوا في الاستطلاع الذي أجرته منظمة الشفافية الدولية إنهم يخشون التبليغ عن الفساد خوفاً من الثأر. بيد أن أكثر من 70 في المئة يقولون إنهم يعتقدون أنه بإمكان الأشخاص العاديين إحداث فارق، وثمة ضغط أكبر لدفع الحكومة نحو التحرك. يبدو أنه جرى وأخيراً إدراج مشروع قانون جديد لحماية المخبرين، على جدول أعمال وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد بعد أكثر من عام من النقاشات بين الحكومة والمجتمع المدني. يعتقد النشطاء المناهضون للفساد أنه نظراً إلى التحوّل في الآراء العامة عن الفساد والتغطية الإعلامية المتزايدة، حان الوقت لإسماع صوتهم وممارسة تأثير إيجابي. يقول مهاب الڨروي، المدير التنفيذي لمنظمة "أنا يقظ"، شريكة منظمة الشفافية الدولية في تونس: "كل من يعارض تطبيق إطار عمل قانوني صارم [للتعامل مع الفساد] يصبح مشتبهاً به تلقائياً"1. يأمل الڨروي، على غرار نشطاء آخرين، بأن يمارس التغيير في مزاج الرأي العام ضغوطاً على المشترعين.

شكّلت إجراءات التوظيف غير الشفافة، والنظرة إلى المحسوبيات في القطاع العام، وشبهات الغش واختلاس الأموال التي تحوم حول موظفي الخدمة المدنية، شرارة الجزء الأكبر من الاضطرابات الاجتماعية والعمّالية التي تشهدها المناطق الداخلية في تونس منذ العام 2011. وكما أنه للفساد تأثير سلبي حاد على الاستثمارات والتنمية الاقتصادية، يندّد روّاد الأعمال التونسيون والأجانب على السواء بالإجراءات الإدارية البطيئة إنما أيضاً بتكاليف الفساد المباشرة. من هذا المنظار، يمكن أن تقطع مكافحة الفساد شوطاً كبيراً نحو إرساء النظام والاستقرار في الاقتصاد التونسي، وهذا بدوره شرط مسبق أساسي لمواصلة الإصلاحات الديمقراطية. مع هذا الكم الهائل من الفساد الذي يتصدّر العناوين الرئيسة، لعلها اللحظة الأنسب كي يضغط التونسيون باتجاه الإصلاح الحقيقي.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ساره ميرش صحافية مستقلة مقيمة في تونس.


1. مقابلة مع الكاتبة.