القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا واحدٌ من أهداف كثيرة يتشاركها الليبيون مع المجتمع الدولي، ويمكن أن يشكّل حجر الأساس لعلاقة طويلة ومثمرة. تخشى أوروبا التي لا تزال تتعافى من صدمة باريس وبروكسل، قيام جيب متطرّف على بعد بضع مئات الكيلومترات من حدودها. وبالنسبة إلى الليبيين، يشكّل تنظيم الدولة الإسلامية خطراً جسيماً على السيادة والأمن القوميَّين، تزيد من حدّته أطماع التنظيم التوسّعية في المنطقة. من هذا المنطلق، فإن القلق من مقاتلي الدولة الإسلامية في ليبيا الذين تُقدَّر أعدادهم بخمسة آلاف شخص، ومن قاعدة التنظيم في سرت، وقدرته على زيادة أعداده والسيطرة على مزيد من الأراضي، يُملي سياسة المجتمع الدولي في التعامل مع ليبيا. لكن ذلك يعني تحولاً في أولويات السياسات في التعاطي مع الشأن الليبي، ما يجعل الأولوية السابقة المتمثّلة في تأمين الاستقرار السياسي في البلاد همّاً ثانوياً. تُعرّض هذه المقاربة مشروع الوحدة القومية الليبية للخطر، كما أنها ستؤدّي على الأرجح إلى إثارة الخلاف بين ليبيا وشركائها الخارجيين – الأمر الذي من شأنه أن يعطّل اعتماد استراتيجية شاملة لمواجهة الدولة الإسلامية.

في الأساس، كان هدف المجتمع الدولي في السياسات الخاصة بالشأن الليبي وضع حد للانقسام السياسي الشديد الذي ظهر بعد الثورة وتسبَّب باندلاع حرب أهلية فوضوية وقيام حكومتَين متنافستين. وقد نظّم المجتمع الدولي نقاشات بقيادة مبعوث الأمم المتحدة الخاص آنذاك، برناردينو ليون، بهدف التوصل إلى إجماع لتشكيل حكومة وحدة منبثقة من المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب في طبرق. وكان في اعتقاد المجتمع الدولي أنه من شأن ذلك أن يُتيح التصدّي لعدم الاستقرار والانقسام اللذين تسبّبا في البداية بالفراغ السياسي الذي أدّى إلى ظهور الدولة الإسلامية. في الوقت نفسه، كان لدى ليون والحكومات الأجنبية التي استثمرت في هذه المقاربة أملٌ بأن تُشكّل حكومة وحدة جديدة – حكومة الوفاق الوطني – أداة مشروعة دولياً لدفع الأجهزة الأمنية الغربية إلى الانخراط في النزاع. لكن مشروع حكومة الوفاق الوطني لم ينجح لأسباب متنوعة كثيرة، بدءاً من الطبيعة المشاكسة للسياسيين الليبيين وصولاً إلى نطاق السياسات الضيّق الذي ركّز فقط على اللاعبين السياسيين بدلاً من إشراك القادة العسكريين والمجتمعيين الأكثر نفوذاً. استغلّ أعضاء المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب المحادثات، إذ حاول كل فريق أن يصبح القوة المسيطِرة في المنظومة الجديدة، واختلف الفريقان في شكل خاص حول القطاع الأمني وتفويض السلطات.

وقد بادر مبعوث الأمم المتحدة الخاص في ليبيا، مارتن كوبلر، مدفوعاً بإحباطه من غياب التقدم، إلى إطلاق حكومة الوفاق الوطني الليبية من تونس في 12 آذار/مارس الماضي، مبرّراً هذه الخطوة بعرض رسالة وقّعها غالبية أعضاء مجلس النواب بطبرق في 23 شباط/فبراير. على الفور، صدر بيان مشترك عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا اعتبر أنها "الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا". في 14 آذار/مارس، أعاد مجلس الأمن الدولي تأكيد دعم المجتمع الدولي لحكومة الوفاق الوطني من خلال القرار 2273 الذي جدّد تفويض بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ثلاثة ليبيين كانوا من أشدّ المعارضين لحكومة الوفاق الوطني. سرعان ما فُرِضت الحكومة الليبية الجديدة فرضاً من دون الاكتراث للمشكلات المتعدّدة التي تحول دون تشكُّلها بالطرق المعهودة.

لم يتمكّن مجلس النواب بطبرق، الذي يتمتّع نظرياً بالشرعية باعتباره المؤسسة التشريعية الوحيدة في ليبيا إلى حين مصادقته على الاتفاق السياسي – لم يتمكّن إذاً من الاتفاق على التفاصيل الأدقّ في تقاسم السلطة، وتحديداً، على الدور الذي سيؤدّيه اللواء خليفة حفتر، هذه الشخصية الاستقطابية، في المنظومة الجديدة. وقد حالت هذه الخلافات المستمرة دون مصادقة مجلس النواب على حكومة الوفاق الوطني الجديدة، على الرغم من المحاولات الكثيرة لتأمين النصاب من أجل التصويت منذ السابع من آذار/مارس، ما يعني أن حكومة الوفاق الوطني لا تتمتع بالشرعية الدستورية لممارسة السلطة. وقد سلّطت ناتاليا أبوستولوفا، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا، الضوء على غياب خطة "ب"، وأكّدت من جديد أن الهدف من تشكيل حكومة الوفاق الوطني هو إيجاد محاوِر ثابت يستطيع الاتحاد الأوروبي العمل معه. المقلق هو أن هذه المقاربة الضيّقة الأفق عبر فرض حكومة الوفاق الوطني في السلطة، تبدو أكثر فأكثر حيلة مؤقتة، كما أنها غير منسجمة مع السياق الليبي، وغالب الظن أنها ستؤدّي إلى تفاقم الأوضاع بدلاً من تهدئتها. على الرغم من أن حكومة الوفاق الوطني تمارس تأثيراً بصورة تدريجية على طرابلس وهيئات الدولة هناك، إلا أنها لا تزال محط معارضة واسعة من الحكومتَين المنافستَين لها – وكذلك من قاعدة نفوذ اللواء حفتر في الشرق – ويتعامل معها الليبيون التوّاقون إلى تغيير إيجابي، بلامبالاة في أفضل الأحوال. لذلك هذه الحكومة هي أساسٌ غير متين ويزداد تزعزعاً، وبالتالي لا تصلح مرتكزاً للسياسة الدولية تجاه ليبيا.

بالأسلوب عينه، اعتمد المجتمع الدولي مقاربة للقطاع الأمني في ليبيا الهدف منها تأمين أداة غير حادّة في السياسات لاستخدامها ضد الدولة الإسلامية. إلا أنه لم يتغير شيء رسمياً، تماماً كما هو الحال مع المقاربة السياسية. لا يزال الهدف الأساسي لشركاء ليبيا الدوليين تشكيل قوة أجنبية للتدريب والمساعدة، وكانت هذه القوة موضع مداولات مطوّلة ركّزت على قيام حكومة الوفاق الوطني، بعد تشكيلها، بالدعوة إلى إنشاء مثل هذه القوة. بيد أن عدداً كبيراً من الليبيين يُبدي قلقه من الحجم المتضخِّم لهذه القوة وغياب الشفافية المحيط بتفويضها. بحسب الخطط، يبدو أن الهدف هو تشكيل قوة من خمسة آلاف جندي بقيادة إيطاليا ومدعومة من ألف عنصر بريطاني غير قتالي، هذا مع العلم بأن إيطاليا تراجعت لاحقاً عن الفكرة. فضلاً عن ذلك، أشار السفير البريطاني في ليبيا، بيتر ميليت، إلى أن حكومة الوفاق الوطني ستُفيد من إعفاء خاص من حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة حالياً على ليبيا. وتحدّثت أطراف عدة معنية، مثل السفير الأميركي الحالي لدى إيطاليا، جون فيليبس، عن استخدام هذه القوة لإنشاء "جزر من الاستقرار" في البلاد.

إلا أن ليبيا ليس لديها جيش وطني بالمعنى التقليدي، واللواء حفتر والجيش الذي أنشأه تحت اسم "الجيش الوطني الليبي" يعارضان حكومة الوفاق الوطني – ما يدفعنا إلى طرح السؤال الآتي: من هي بالضبط الجهة التي ستدرّبها هذه القوة وتقدّم لها المساعدة؟ نظراً إلى غياب المؤسسات العسكرية الوطنية القابلة للحياة، غالب الظن أن قوة المساعدة التي تتألف في شكل خاص من أوروبيين سوف تتصرف من تلقاء نفسها لإنشاء منطقة في ليبيا مشابهة للمنطة الخضراء في العراق، وحمايتها تحت ستار توفير الأمن لحكومة الوفاق الوطني والفريق الدولي الذي يساعدها. كما أن تدخّل الدول عسكرياً في ليبيا، بصورة أحادية ومن دون تنسيق، يولّد ثغرات استراتيجية من شأنها أن تجعل القوّة المذكورة أقل فعالية في محاربة الدولة الإسلامية.

علاوةً على ذلك، وفي ظل مثل هذا النموذج، سوف تُسجَّل زيادة كبيرة في وتيرة الهجمات الجوية وغارات القوات الخاصة التي تُنفَّذ بطريقة أحادية في إطار مواجهة مباشرة مع الدولة الإسلامية. من الأضرار الجانبية المحتومة لمثل هذه الهجمات انتشار عدم الثقة والضغينة ضد المواطنين الأجانب، لا سيما إذا كانت هذه التحركات تحظى فقط بدعم حكومة تملك شرعية محدودة في نظر عدد كبير من الليبيين. تسعى هذه الآلية التي تقودها الأمم المتحدة إلى تدعيم حكومة الوفاق الوطني بواسطة جنود أجانب، ومنحها امتيازات استثنائية للحصول على السلاح عبر رفع حظر السلاح بصورة جزئية – على الرغم من غياب الضمانات من حكومة الوفاق الوطني بأن هذه الأسلحة لن تصل إلى جهات غير مرغوب فيها. بيد أن هذه المعطيات تولّد انطباعاً لدى الليبيين بأن الحكومة هي دمية أكثر منها حكومة وحدة. في غضون ذلك، تستعرض الفصائل العسكرية المختلفة في ليبيا أداءها أمام المجتمع الدولي، وتتباهى بقوتها، وتتبجّح بعرض عضلاتها في المواجهة مع الدولة الإسلامية، وتحاول السيطرة على مناطق استراتيجية لإضعاف خصومها. بحسب منطق هذه الفصائل، المجموعة المسلّحة التي تتمايز عن الآخرين وتَظهر في صورة القوة العسكرية الكفوءة الوحيدة في ليبيا ستُثبت أنها جديرة بتشكيل القاعدة المؤسسية لجيش وطني في المستقبل.

ختاماً، لقد رُبِطت قابلية ليبيا للحياة كدولة قومية موحّدة وسلمية، بالسياسة المحلية، وبسياسةٍ دولية قوامها تكهّنات محمومة عن التهديدات الأمنية. تجاهُل السياق الليبي هو ما أدّى إلى تقويض التدخل العسكري في العام 2011. وغياب المساعدات السياسية والإنسانية استكمالاً لجهود حلف شمال الأطلسي (الناتو) ساهم في تحوّل ليبيا دولة فاشلة. وتراكمت إخفاقات ليبيا بعد الثورة نتيجة تمكين سياسيين ليس لديهم تأثير فعلي بل فقط أطماع شخصية كبيرة، بدلاً من إشراك الأفرقاء المعنيين بطريقة مباشرة. بعد مرور خمس سنوات، على المجتمع الدولي أن يتعلّم دروساً من أخطاء الانخراط الأحادي من دون أخذ السياق في الاعتبار، وأن يبتعد عن المجازفة بتكرار هذه المقاربة التقسيمية في بلدٍ تعاظمت فيه الرهانات كثيراً.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

  طارق المجريسي محلل مستقل مقيم في لندن متخصص في السياسة والحوكمة في ليبيا والعالم العربي.