اقتحمت عصابة موالية لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر مبنى البرلمان العراقي في 30 نيسان/أبريل الماضي، وقامت بالعبث بمحتوياته، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد والتي يبدو أنها لا تنتهي فصولاً، ودفعَ بولاية رئيس الوزراء حيدر العبادي نحو مزيد من الانحدار. تعاني الحكومة العراقية من شلل سياسي حاد، حتى بحسب المعايير العراقية، على ضوء تخبّط مجلس النواب لتوفير النصاب، والتشكيك في الشرعية القانونية لقيادته. في حين استقطبت عمليةعسكرية جديدة لتحرير الفلوجة من سيطرة الإرهابيين اهتمام الإعلام مؤقتاً، تستمر الأزمة السياسية في البلاد.

تحيط مفاهيم خاطئة كثيرة بالأسباب التي تقف خلف هذا الشلل – منها أن جهود العبادي لتشكيل حكومة تكنوقراط جاءت رداً على الاحتجاجات التي نظّمها أنصار الصدر، وأنه يمكن ربط هذه التظاهرات في شكل عام بالاحتجاجات التي اندلعت ضد الفساد خلال الصيف الفائت، وأن النزاع بين العبادي وخصومه داخل النخبة السياسية مرتبط إلى حد كبير بجهوده الآيلة إلى تطبيق إصلاحات لمكافحة الفساد. في حين منيت المبادرات "الإصلاحية" التي أطلقها كل من العبادي والصدر بالفشل، فإن الأزمات الراهنة التي يواجهها مجلس النواب وحكومة العبادي ناجمة عن الصراع على السلطة وتجاهل جميع الأفرقاء لسيادة القانون.

أعلن العبادي عن إصلاحات عدة رداً على الاحتجاجات الشعبية في آب/أغسطس 2015، بيد أن الإصلاح الوحيد الذي جرى تطبيقه عملياً وكان له تأثير واسع النطاق هو المرسوم الذي أصدره في 16 آب/أغسطس والذي قضى بإلغاء أربع حقائب وزارية، ودمج ثماني حقائب أخرى في أربع وزارات، وإقالة أحد عشر وزيراً في الحكومة.1 لم يتقدّم العبادي بطلب إلى مجلس النواب، بل اكتفى بالتصرّف بناءً على مرسوم. اعتبرت كل الكتل البرلمانية الأخرى، عن حق، أنه إجراء غير دستوري – بموجب المادة 75 من الدستور، يستطيع رئيس الوزراء إقالة الوزراء إنما شرط الحصول على موافقة مجلس النواب – وتوحّدت في معارضته.

بحلول مطلع العام 2016، حاول العبادي الذي أدرك انهيار الدعم الشعبي له – لأسباب عدة منها أن "الإصلاحات" الملموسة القليلة التي طبّقها كانت مجرد إجراءات تقشفية، مثل خفض حجم القطاع العام وإصلاح الرواتب، وذلك بسبب الشح المالي الذي تعاني منه الدولة – أن يمنح اندفاعة جديدة لولايته عن طريق إطلاق مبادرة تشكيل "حكومة تكنوقراط". عقد أولاً اجتماع الرئاسات الثلاث في 28 كانون الثاني/يناير الماضي مع رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، والذي انتهى بصدور بيان مبهم عن التعاون والوحدة والإصلاح. لكنه عاد ليتصرّف من تلقاء نفسه، وأعلن في التاسع من شباط/فبراير أنه سيشكّل حكومته الخاصة لتطبيق الإصلاحات. بما أن الوزراء في الحكومة الحالية – كما في الحكومات السابقة – هم شخصيات سياسية رفيعة المستوى في الكتل المسيطرة في مجلس النواب، بدا العبادي وكأنه يطلب منهم فعلياً تسليمه السيطرة التامة على الحكومة.

لم يطلق الصدر مبادرته الحالية إلا بعدما أعلن العبادي عن تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة، وقد عرض الصدر المبادرة في خطاب ألقاه في 13 شباط/فبراير، وتمحورت حول تنصيب نفسه قائداً شعبياً – قائداً للجماهير متعالياً على الأحزاب السياسية أو المجموعات المذهبية – يدعم الإصلاح باسم "الشعب" وليس فقط باسم التيار الصدري. وقد طرح 26 مطلباً إصلاحياً قائلاً بأن كتلته سوف تدعم جهود العبادي لتشكيل حكومة تكنوقراط، مع أنه أشار إلى أنه سيدعو إلى حجب الثقة عن الحكومة في حال فشل العبادي في الوفاء بالتزاماته في غضون 45 يوماً. لكن جميع البنود الستة والعشرين التي ذكرها الصدر، ما عدا بند واحد – الدعوة إلى استبدال الأشخاص الذين عيّنهم العبادي في مناصبهم بالوكالة عن طريق تعيينات دائمة من دون المرور بآلية تثبيت التعيين في مجلس النواب – تقاطعت مع جدول الأعمال الذي أعلن عنه العبادي. فمعظم تلك البنود عبارة عن أدبيات عامة للدعوة إلى "تشجيع الاستثمار"، ومكافحة الفساد، وما شابه. كما أنه لا يجب أخذ التهديد بحجب الثقة على محمل الجد: لطالما رأى الصدر في العبادي عامل توازن في مواجهة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، خصمه الحقيقي، ولدى الإلحاح على ممثليه السياسيين لإبداء رأيهم في المسألة، لم يعربوا قط عن رغبتهم في تنحية العبادي.

بعد هذا الخطاب، نظّم الصدر سلسلة من الاحتجاجات التصعيدية في بغداد والتي تحوّلت إلى مخيم اعتصامي أمام المنطقة الخضراء. وفي 26 شباط/فبراير، ألقى كلمة في بغداد، فأرسى سابقة عندما أطلّ شخصياً أمام الحشود لإلقاء خطابه. وقد تبنّى لهجة تصاعدية، فانتقل من وصف نفسه بـ"طالب الإصلاح" في الكلمة التي ألقاها في 13 شباط/فبراير إلى تنصيب نفسه "راعي الإصلاح".

على الرغم من أن أعضاء كتلة الصدر البرلمانية أصرّوا مراراً وتكراراً على أنهم يحاولون ترسيخ مكانة العبادي، إلا أن الاحتجاجات جعلت هذا الأخير يواجه صعوبة أكبر في إعادة هيكلة الحكومة. وقد سلّط وجود الحشود الضخمة، تحت حماية ميليشيات الصدر، الضوء على الجهود التي يبذلها الصدر كي ينصّب نفسه الحكَم الوحيد الذي يقرّر ما الذي يمكن إدراجه أم لا في خانة الإصلاحات، ما ولّد أزمة داخل الكتلة الشيعية، وأدّى إلى التكتّل لتعطيل إقرار أي تشكيلة حكومية مدعومة من قبله، لأن إقرارها يعني نجاحه وتثبيت سلطته العليا عليهم. ساد انزعاج واضح في صفوف الفصائل التي تملك ميليشياتها الخاصة، وأصدرت القيادة الرسمية لقوات الحشد الشعبي التي تسيطر عليها منظمة بدر وسواها من الميليشيات المنافِسة، بياناً غير معهود البتة حذّرت فيه مما اعتبرته محاولة من جانب الصدريين لفرض إرادتهم على الحكومة. فضلاً عن ذلك، حزب الدعوة الإسلامية-تنظيم العراق وجّه انتقادات شديدة للصدريين، ما يجعل من المستبعد إقرار أي مبادرة مدعومة من الصدر في مجلس النواب.

علاوةً على ذلك، لا العبادي ولا الصدر يبذلان جهوداً فعلية لمكافحة الفساد. عيّن العبادي حسن اليساري، العضو في حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي، رئيس هيئة النزاهة لمكافحة الفساد، ولذلك ليس مفاجئاً أنه لم تتم ملاحقة أي شخصية سياسية من أي فصيل إسلامي شيعي أو كردي، أو حتى من أي فصيل عربي سنّي تربطه علاقات جيدة ببغداد. حتى لو أراد العبادي العمل مع البرلمان لتطبيق مزيد من الإصلاحات، فهو لا يملك تفويضاً انتخابياً ولا حتى ائتلافاً حاكماً داخل مجلس النواب، نظراً إلى أن اختياره لرئاسة الوزراء تم عن طريق التوافق ولم يترشّح على رأس كتلة سياسية. ويبذل قادة الكتل الأخرى جهوداً دؤوبة لمنع تطبيق إصلاحات ملموسة. وقد قام المالكي والميليشيات الداعمة له بمحاولات حثيثة لإضعاف العبادي عبر نشر روايات ملفّقة عن إهماله للجيش. ولا يكف رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي عن انتقاد العبادي، كما أنه رفض دعم الإجراءات الإصلاحية التي اتّخذها. وكذلك تحاشى أسامة النجيفي، رئيس الكتلة العربية السنّية الأكبر، دعم الإصلاحات البنيوية وركّز بدلاً من ذلك على المطالب السنّية المذهبية وعلى سعيه وراء الحصول على الحكم الذاتي. فضلاً عن ذلك، ومع أن العبادي تصرّف أحادياً في الإجراء البنيوي الجدّي الوحيد (مشروع قانون التعويضات في القطاع العام)، إلا أنه تخبّط كثيراً في التعاطي مع هذه المسألة ما أدّى إلى انهيار مجهوده الإصلاحي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وليس الصدر، من جهته، شخصيةً من خارج دوائر السلطة كما يحاول أن يصوّر نفسه الآن، ففي حكومتين متواليتَين، تولّى الصدريون العديد من الحقائب الوزارية. كما أنه لا يمثّل الشعب العراقي خارج حصّته الكبيرة في أوساط الشيعة. على الرغم من أن المقاعد التي فازت بها قائمته الانتخابية ارتفعت من 30 في العام 2005 إلى 40 مقعداً في العام 2010، إلا أن عدد المقاعد في البرلمان ازداد أيضاً، والحصة التي حصل عليها الصدر مقتطَعة من حزب الفضيلة الصدري المنافِس. في العام 2014، فاز مرشّحو الصدر بـ34 مقعداً من أصل 328، متفوّقين على المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي نال 31 مقعداً، إنما بقيت حصتهم أقل بكثير من عدد المقاعد التي حصل عليها المالكي والتي بلغت 95 مقعداً. على الرغم من خطاب القائمة عن رفض التعصب المذهبي، لم تفز بمقعد واحد في أي من المناطق ذات الأكثرية السنّية. إذاً "يتمرّد" الصدر على مؤسسة مذهبية فاسدة يشكّل هو جزءاً لا يتجزأ منها.

حاول الصدريون الذين بالغوا في تقدير ثقلهم، تنصيب مقتدى الصدر "قائداً شعبياً" نزولاً عند الرغبة التي لطالما راودته. وقد طالبوا أولاً، خلال ثلاث جلسات عمّتها الفوضى في مجلس النواب من 12 إلى 14 نيسان/أبريل الماضي، بأن يطرح رئيس مجلس النواب سليم الجبوري التشكيلة الحكومية التكنوقراطية التي قدّمها العبادي في 31 آذار/مارس، على التصويت مع العلم بأنه لم تكن لديها حظوظ للفوز بغالبية الأصوات. عندما رفض الجبوري ذلك، انضم الصدريون إلى النواب الموالين للمالكي وعلاوي في اعتصام للمطالبة بعزل الجبوري، حليف العبادي السنّي الأساسي. وفي ما يشبه المهزلة، "أقالوا" الجبوري في 14 نيسان/أبريل الماضي، مع أنه كان واضحاً في مقطع الفيديو الذي صوّر وقائع الجلسة، أن الحضور اقتصر على 131 نائباً فقط، أي أقل من النصاب القانوني المحدّد بـ165 مقعداً. كان الاعتصام محكوماً بالفشل منذ البداية لأن كلاً من مكوّناته الثلاثة الأساسية – الصدريين وأنصار المالكي وأنصار علاوي – كان يسعى خلف تنصيب زعيمه القائد السياسي الأول في البلاد.

بعد ذلك، انتقل الصدريون إلى ممارسة سياسة الضغوط مع ما تتسبّب به من أضرار أوسع نطاقاً. عندما اجتمع البرلمان من جديد في 26 نيسان/أبريل للتصويت على استبدال خمسة وزراء بالأشخاص الذين عيّنهم العبادي، حذّر النائب الصدري البارز، حكيم الزميلي، من أن المحتجّين – الذين هم في الواقع عبارة عن عصابة موالية للصدر – ينتظرون في الخارج لاقتحام المنطقة الخضراء في حال سقوط التعيينات في التصويت. وهكذا ساهم فوز حكومة العبادي في تشريع حكم العصابات. عندما رفض البرلمان عقد جلسة لإقالة ما تبقّى من الوزراء في 30 نيسان/أبريل، ألقى الصدر خطاباً أعلن فيه أنه ينتظر "ثورة شعبية"، فما كان من أنصاره إلا أن اقتحموا مبنى البرلمان. على الرغم من ردود الفعل الغاضبة التي جرى التعبير عنها على نطاق واسع من مختلف أفرقاء الطيف السياسي، لم يرتدع الصدر، وفي 20 أيار/مايو الماضي، أسفرت احتجاجات يوم الجمعة عن اقتحام مكاتب الحكومة وبعثرة محتوياتها.

بعد يومَين، أعلن العبادي عن انطلاق عملية تحرير الفلوجة، ما أتاح له إلقاء خطب محاطاً بضباط عسكريين – وحتى القيام بجولات على القواعد الأمامية مرتدياً البزّة العسكرية – في محاولة منه لدفع العراقيين إلى "الالتفاف حول العلم الوطني". بيد أن أزمة المؤسسات مستمرة، وقد وجب الانتظار حتى السابع من حزيران/يونيو الجاري ليتمكّن العبادي من جديد من حمل أكثرية من الوزراء على حضور جلسات مجلس الوزراء وبالتالي تأمين النصاب القانوني. 

وفي مجلس النواب الذي هو الآن في عطلة، لم يتأمن النصاب سوى مرة واحدة فقط منذ 26 نيسان/أبريل الماضي، كما أن الجبوري يواجه حالياً تحدياً قانونياً كرئيس لمجلس النواب. في غضون ذلك، انكفأ الصدريون من صدارة المشهد بعدما أدّت أعمال التخريب والشغب في 20 أيار/مايو إلى سقوط ضحايا في صفوف المحتجّين، والتف العراقيون حول المجهود العسكري في الفلوجة، ولو لم يكن حول العبادي نفسه. ليس واضحاً بعد إذا كان بإمكان العبادي استخدام المتنفّس الحالي لوضع المؤسسات السياسية على المسار الصحيح من جديد.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر Inside Iraqi Politics.​


1. منهم ثلاثة نواب لرئيس الوزراء

*تصويب: ورد في نسخة سابقة من المقال أنه ليست لحزب الدعوة الإسلامية-تنظيم العراق ميليشيا، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن قوات الشهيد الصدر، وهي مجموعة ميليشاوية، أعلنت انتماءها له.