لم يمضِ أكثر من عام على تجدّد الحرب بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني لكنها حصدت عدداً كبيراً من الضحايا فاق العدد الذي سقط في المرحلة التي اعتُبِرت سابقاً الأكثر دموية في النزاع في تسعينيات القرن العشرين. بحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، وصل عدد النازحين إلى أكثر من 350 ألفاً في آذار/مارس 2016. غالب الظن أن هذا الرقم سجّل ارتفاعاً شديداً منذ انتهاء العمليات في الثالث من حزيران/يونيو الجاري في مدينة نصيبين، عند الحدود السورية، ومدينة شرناق اللتين أصبحتا مهجورتَين. خلال الأشهر العشرة الماضية، لقي أكثر من 500 عنصر أمني مصرعهم، وزعمت هيئة الأركان العامة التركية في بيان صادر عنها في السابع من حزيران/يونيو أن ألف مقاتل من حزب العمال الكردستاني قضوا أيضاً في نصيبين وشرناق. تغذّي هذه الحرب الأهلية المستعرة مزيداً من التطرف والعنف، فلا يبقى حوافز أمام الفريقَين للعودة إلى طاولة المفاوضات.
 
خلال التمرد الكردي الأول في تسعينيات القرن العشرين، كانت الأراضي الجبلية الوعرة في الريف الكردي في تركيا مسرح المعارك الأساسي بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. أما النزاع الحالي فيدور في المدن، ما يثير القلق لدى كثيرين من حدوث رد فعل عنيف في مدن واقعة في غرب تركيا، على غرار التفجيرات الإرهابية والعمليات الانتحارية التي شهدتها أنقرة في وقت سابق من العام الجاري. وقد أسفر أحد هذه التفجيرات، في 17 شباط/فبراير الماضي، عن مقتل 28 شخصاً وإصابة 60 آخرين بجروح. وفي 13 آذار/مارس، تسبّب تفجير آخر بمقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة ما يزيد عن مئة بجروح. حمّلت الحكومة التركية القوميين الأكراد مسؤولية الهجومَين، إلا أنه لم تُكشَف بعد الملابسات الكاملة للتفجير الذي وقع في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2015 في أنقرة وأسفر عن مقتل أكثر من مئة من نشطاء السلام في تجمّع شارك في تنظيمه حزب الشعوب الديمقراطي المناصر للأكراد. تسبّبت تلك التفجيرات بتسميم الأجواء النفسية التي تتّسم أصلاً بالسلبية بين الأتراك والأكراد، فساهمت في تعميق الاختلاف بين هاتين الهويتين الوطنيتين ووضع الواحدة في مواجهة الأخرى.
 
لكن على الرغم من سقوط ضحايا لدى الفريقَين، لم يبلغ النزاع بعد طريقاً مسدوداً يلحق الضرر بمصالح الجانبَين معاً بما يدفعهما إلى التوصّل إلى اتفاق. لطالما اعتبرت الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني أن التكاليف البشرية للقتال مقبولة ويمكن تحمّلها، وفي النزاع الحالي، يجري التعويض عن الخسائر بموجات من المجنَّدين الجدد. يشكّك الشباب الكردي اليائس بصورة متزايدة في إمكان التوصّل إلى تسوية سلمية للنزاع، ويشعر كثرٌ منهم بأن الحكومة تمارس الإقصاء والتمييز بحقهم. نتيجةً لذلك، يلتحق عدد كبير منهم بصفوف حزب العمال الكردستاني حيث ينفّسون عن نزعة التطرّف التي استجدّت لديهم حديثاً. أما في ما يتعلق بالطرف التركي، فما دام الرئيس أردوغان يستمر في ترسيخ سلطته عبر الاصطفاف إلى جانب الجيش التركي المصمم على تسديد ضربات قاضية إلى حزب العمل الكردستاني، وما دام يبدو مستعدّاً لامتصاص أية خسائر، لن ينحسر النزاع في صيغته الحالية.
 
بالنسبة إلى أردوغان، يستمر هذا النزاع في تعزيز قاعدته الناخبة القومية، ما يتيح له التفوّق على خصومه ومنافسيه المحتملين. كما أن خطاب أردوغان الذي تطغى عليه النبرة القومية بصورة متزايدة، والذي يضع الأتراك في مواجهة الأعداء الخارجيين والداخليين على السواء، أضفى شرعيةً على مسعاه الهادف إلى طرد نوّاب حزب الشعوب الديمقراطي المناصر للأكراد من البرلمان التركي. في السابع من حزيران/يونيو الجاري، بعد عام واحد من خسارة حزب العدالة والتنمية الأكثرية في الانتخابات البرلمانية، وافق أردوغان على قانون يجرّد النواب من الحصانة من الملاحقة القانونية. يملك حزب الشعوب الديمقراطي حالياً 59 مقعداً من أصل 550 في مجلس النواب، ويخضع جميع هؤلاء النواب تقريباً لمئات الفذلكات (أي التحقيقات الجنائية)، منها اتهامات بامتلاك صلات مع حزب العمال الكردستاني. في حال أسفرت هذه التحقيقات عن ملاحقات قانونية وأدّت إلى زجّ المعنيين في السجن، تصبح مقاعد حزب الشعوب الديمقراطي شاغرة، وغالب الظن أن المرشحين الموالين لأردوغان سيملأون هذه المقاعد في حال إجراء انتخابات فرعية. مع الحصول على الدعم من هؤلاء النواب، يصبح من الأسهل على أردوغان تأمين الأكثرية الضرورية من أصوات النواب لتغيير الدستور من أجل إضفاء طابع رسمي على منظومة الحكم الرئاسي الجديدة التي فرضها بحكم الأمر الواقع. كما أن ذلك لا يترك مجالاً للعودة إلى محادثات السلام، ومن شأنه أن يؤدّي إلى تعاظم مشاعر الحرمان في أوساط الشباب الأكراد ما قد يدفعهم إلى الجنوح نحو العنف.
 
أما في ما يتعلق بحزب العمال الكردستاني فيستمد زخماً من التعاون مع الأميركيين والروس، وحتى الإيرانيين (بحسب ما يُشاع) في سورية. في تصميمها على القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تعوِّل واشنطن أكثر من أي وقت مضى على وحدات حماية الشعب، أي حلفائها الأكراد السوريين على الأرض، لا سيما في الرقة. تتشارك وحدات حماية الشعب، الجناح المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الأيديولوجيا والتعاون العسكري والعناصر البشرية مع حزب العمال الكردستاني الذي يُفيد بدوره من تصاعد الاحتكاكات بين أنقرة وواشنطن في الملف السوري، فضلاً عن تدهور العلاقات بين أنقرة وموسكو. وقد أظهرت تركيا، حليفة الولايات المتحدة منذ وقت طويل في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تردداً شديداً – إن لم يكن عدم استعداد – في محاربة الدولة الإسلامية، لأسباب عدّة منها أن شبه الإسلامويين الذين يتسلّمون مقاليد السلطة في أنقرة يعتبرون تنظيم الدولة الإسلامية عضواً في الأسرة السنّية الأوسع في الشرق الأوسط الذي يشهد فتنة مذهبية في مختلف أرجائه. في نظر أردوغان، حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في سورية تنظيمان إرهابيان لا يختلفان عن حزب العمال الكردستاني أو الدولة الإسلامية، ودعمهما يعني التحالف مع الإرهاب ضد المصالح التركية. فضلاً عن ذلك، تعتبر الحكومة التركية أن تنظيم الدولة الإسلامية يحول دون تحقيق الأكراد السوريين الحكم الذاتي في كامل أراضي إقليم روج آفا ذي الأكثرية الكردية – والذي يعتقد كثرٌ في أنقرة أنه في حال تحققه، يمكن أن يكون له أثر العدوى على الأكراد في الجانب التركي من الحدود.
 
لهذه الأسباب، يشنّ أردوغان هجوماً على الولايات المتحدة بصورة شبه يومية بسبب خيانتها لـ"حليفها" وعدم الوفاء بوعودها إليه، كما يقول – وفي ذلك إشارة إلى مباحثاته الخاصة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما. ثمة مؤشرات واضحة بأن الولايات المتحدة غاضبة من تركيا أيضاً، وقد قال مسؤول في إدارة أوباما لمجلة "نيويورك تايمز ماغازين" في 29 أيار/مايو الماضي، إنه "بعد أحداث باريس وبروكسل، علينا القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. إذا تبيّن أن التحالف عاجز عن التحرّك في تلك المنطقة، [’بسبب النزاع التركي مع الأكراد‘، وفقاً للعبارة التي أضافها المراسل في الاقتباس]، فنحن نواجه مشكلة خطيرة".
 
لعل التطورات الأخيرة في المشهد التركي-السوري تعكس طبيعة المشكلة الكردية المستعصية بالنسبة إلى الدول القومية في الشرق الأوسط. يمكن أن تتسبّب هذه المشكلة بدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى والتفكك. بعد انهيار عملية السلام الأخيرة التي عُلِّق عليها القدر الأكبر من الآمال، في تموز/يوليو 2015، يشير تزايد العنف إلى أن المسألة الكردية في تركيا دخلت المرحلة الأكثر دموية حتى الآن. لطالما كانت هناك تقلّبات في العلاقة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني على خلفية السعي إلى التوصل إلى تسوية سياسية. لكن هذه المرة، يحجب العنف أي أمل بالخروج من المأزق الراهن في المستقبل المنظور. 

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية

جنكيز ﭼندار اختصاصي في شؤون الشرق الأوسط وصحافي تركي مخضرم وباحث زائر مرموق في جامعة ستوكهولم، حيث يضع كتاباً عن عمليات السلام الفاشلة التي تسعى إلى تسوية المسألة الكردية في تركيا.