يأتي تعيين العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في 29 أيار/مايو الماضي، هاني الملقي، رئيس منطقة العقبة الاقتصادية، رئيساً للوزراء خلفاً لعبدالله النسور، في لحظة مفصلية بالنسبة إلى الأردن. على الرغم من أنه للمنصب صلاحيات محدودة – لا سيما بعدما أدّت مجموعة من الإصلاحات الدستورية التي تم الإعلان عنها في نيسان/أبريل الماضي إلى تعزيز السلطة التنفيذية، لا سيما صلاحيات الملك – إلا أن هذه الخطوة تؤشّر إلى التحوّل نحو حكومة أكثر تكنوقراطية، حتى لو لم تكن مستقلة. من شأن هذه التغييرات التي تتزامن مع حل البرلمان، أن تضع البرلمان العتيد أمام واجب الاضطلاع بدور بغيض يتمثّل في إعداد الموازنة وإدارة عملية غير شعبية لخفض الدعم الحكومي للمحروقات والكهرباء، فيما يتحوّل الملقي، مع خبرته التكنوقراطية، الوجه العام لبرنامج تقشّفي مؤلم.

تتزامن هذه التغييرات مع الخطاب عن حاجة الأردن إلى "حكومة برلمانية". يتحدّث الملك عبدالله عن هذا الأمر بصورة دورية منذ سنوات عدة، ما يفترض أن يضم مجلس النواب الأردني طيفاً عقائدياً كاملاً من الأحزاب، وأن تقوم حكومة ائتلافية بانتخاب رئيس للوزراء. حصل هذا بطريقة غير رسمية في مطلع العام 2013، عندما طلب الملك من البرلمان أن يختار بنفسه رئيس الوزراء، لكن بعد المشاحنات، لم يتمكّنوا من التوصل إلى بديل عن رئيس الوزراء آنذاك عبدالله النسور الذي كان الملك قد اختاره بنفسه. وقد طُرِحت من جديد فكرة تمتّع البرلمان باستقلال ذاتي: في 21 نيسان/أبريل الماضي، ورد في مقال بقلم جواد العناني، وهو وزير سابق اختير لاحقاً نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة الملقي، في صحيفة "الدستور" الرسمية أن التعديلات الدستورية تؤدّي وظيفة محددة: "تحقيق رؤية الملك في الوصول إلى حكومات برلمانية قائمة على الأحزاب السياسية الفاعلة". وفي مقال مشابه في "الرأي"، دافع وزير الخارجية السابق حسين هزاع المجالي بوضوح عن التعديلات الدستورية معتبراً أنها "تحضير وتأسيس" لمبدأ الحكومات البرلمانية الذي يطمح إليه الملك.

تم الإعلان عن مشروع القانون الذي يحتوي على التعديلات في 18 نيسان/أبريل الماضي، ووافقت عليه الحكومة في اليوم نفسه، ثم جرى التصويت عليه في مجلس النواب في 27 نيسان/أبريل، وفي مجلس الأعيان في الثاني من أيار/مايو. (لم تقدّم الحكومة تفسيراً حول أسباب طرح التعديلات في هذا التوقيت وبهذه العجالة، إلا أن التفسير الأكثر منطقية هو أن الخطوة جاءت بعد التحذير الذي تلقّاه الأردن من صندوق النقد الدولي عن الحاجة إلى برنامج تكيّف أكثر صرامة). وقد شملت التعديلات التي أُقِرّت في قانون في الخامس من أيار/مايو، تمديد ولاية رئيس مجلس النواب من عام واحد إلى عامَين (لا يزال يُسمَح بتجديد الولاية مرات عدة)، والسماح لحاملي الجنسية المزدوجة بتسلّم مناصب تنفيذية رفيعة، كما أنها ألغت البند الذي كان ينص على حل الحكومة تلقائياً في حال وفاة رئيس الوزراء.

غير أن التعديل الأساسي طال المادة 40 التي كانت تنص سابقاً على ما يأتي: "يمارس الملك صلاحياته بإرادة ملكية وتكون الإرادة الملكية موقَّعة من رئيس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصين، يبدي الملك موافقته بتثبيت توقيعه فوق التواقيع المذكورة". فرضت هذه المادّة، في الشكل على الأقل، قيوداً على الصلاحيات الملكية، مع العلم بأنها كانت مجرد قيود شكلية نظراً إلى أن السلطات التي يتمتع بها الملك تتيح له إقالة الوزراء ساعة يشاء. تضيف المادة 40 المعدّلة استثناءات في عدد كبير من التعيينات. نقرأ في النص المعدّل: "يمارس الملك صلاحياته بإرادة ملكية دون توقيع من رئيس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصين في الحالات التالية: اختيار ولي العهد، تعيين نائب الملك، تعيين رئيس مجلس الأعيان وأعضائه وحل المجلس وقبول استقالة أو إعفاء أي من أعضائه من العضوية، تعيين رئيس المجلس القضائي وقبول استقالته، تعيين رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها وقبول استقالاتهم، تعيين قائد الجيش ومدير المخابرات ومدير الدرك وإنهاء خدماتهم". وقد اعتبرت الحكومة، من دون تقديم تفاصيل كثيرة، أن تعديل الدستور هو طريقة "لتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز استقلال المحكمة الدستورية والسلطة القضائية، ولتعزيز حياد قوات الدرك". بما أن الملك كان يملك في الأصل سلطة تعيين الحكومة بمفرده، منحه هذا التعديل سلطة مطلقة لتعيين الأشخاص في كل المناصب النافذة في أجهزة الدولة.

في الواقع، على الرغم من أن مفهوم الحكومة البرلمانية يُستخدَم لتعزيز الاستقلالية الذاتية للسلطة التشريعية، إلا أنه يبدو أن الخطوة الحالية مرتبطة أكثر بإزاحة عبء الإجراءات التقشفية المالية غير الشعبية عن كاهل البلاط الملكي وإلقائه على عاتق النواب. تسير البلاد نحو الإفلاس، مع بلوغ نسبة الديون إلى إجمالي الناتج المحلي أكثر من 93 في المئة، بزيادة نحو 50 في المئة منذ بداية العام 2011، ولا تزال تسلك اتجاهاً تصاعدياً. شدّد الجزء الأكبر من التعليقات في الصحافة الوطنية حول تعيين الملقي، على تجربته في الملفات الاقتصادية في العقبة، وقد أورثه رئيس الوزراء السابق النسور ملف استكمال المباحثات مع صندوق النقد الدولي والسير بها نحو خواتيمها، بعدما مُني برنامج التكيف السابق بإخفاق ذريع.

فضلاً عن ذلك، فإن الملقي الذي عُيِّن في منصبه بإرادة جهة واحدة – العاهل الأردني – هو بمثابة وكيل تنفيذي عن الملك وإطار السياسات الذي يحدّده. يستطيع الملك أن يعيّن رئيس الوزراء ويقيله ساعة يشاء، وفي حين أن الحكومة تتمتع رسمياً بسلطة التشريع، تُتَّخذ القرارات الأساسية في البلاط الملكي. وعلى الرغم من أن تعيين الملقي مؤقت، يشير بيان تكليفه رئاسة الوزراء لمدّة أربعة أشهر – الذي يشمل تنفيذ الإصلاحات المنصوص عنها في "رؤية الأردن 2025" وتطبيق قانون اللامركزية الذي لن يدخل حيز التنفيذ قبل الانتخابات البلدية في العام 2017 – إلى أنه قد يتم تجديد ولايته بعد إجراء الانتخابات.

أثار توسيع صلاحيات الملك بعض السجال. لعل رد الفعل السلبي الأبرز صدر عن رئيس مجلس النواب الأردني سابقاً، عبد الكريم الدغمي، الذي أشار في خطاب ألقاه في مدينة المفرق إلى أن الدستور شدّد – ولا يزال - على أن الوزراء مسؤولون شخصياً عن أعمالهم، وإلى أن التعليمات من الملك، سواء كانت شفهية أم خطية، لا تعفي الوزير من المسؤولية القانونية. وإذ لفت الدغمي إلى أن الدستور يضع الملك فوق المساءلة القانونية (لا يجوز مساءلة الملك أو مقاضاته في أي محكمة، بموجب المادة 30)، اعتبر أن التعديلات تلغي الفصل بين السلطة والمسؤولية، بما أن الملك بات يتمتع بسلطة القيام بتعيينات لكنه لا يزال محصّناً من المساءلة القانونية. وقال لقناة "الجزيرة" إن "الأردن يسير باتجاه نظام ملكي مطلق وذلك بخلاف النظام الملكي الدستوري"، ونُقِل عنه قوله لموقع إخباري محلي "عمون نيوز" إن التعديلات الدستورية انقلاب على النظام السياسي الأردني.

بيد أن معظم المشترعين أعربوا عن دعمهم لما يُجمعون على أنها خطوة باتجاه تشكيل "حكومة برلمانية". وقد أعلن رئيس مجلس الأعيان، فيصل الفايز، عن موافقته الصريحة على هذه الخطوة مشيراً إلى "النموذج الناجح في المغرب" حيث يُكلّف الملك الشخص الذي يُسمّيه الائتلاف الأوسع من الأحزاب رئاسة مجلس الوزراء. لكن على النقيض من المغرب، لم يُنظَّم استفتاء في الأردن لإضفاء شرعية شعبية على التغييرات، ولم توضَع شروط تفرض استناد الحكومة إلى الدعم الحزبي. النقطة الأخيرة مهمة على صعيد التطبيق: بما أن الخطوة المزعومة نحو اعتماد حكومة برلمانية ليست رسمية، سيحتفظ الملك بصلاحيات استنسابية تتيح له عدم تشكيل حكومة برلمانية في حال لم يكن يرغب في ذلك.

في غضون ذلك، تتصرف حكومة التكنوقراط الحالية التي جرى تشكيلها لمدة أربعة أشهر، وتتخذ سلسلة من التدابير في ظل غياب البرلمان. لم يهدر الملقي الوقت وبادر سريعاً إلى تطبيق المبادرات المالية، على الرغم من أن خطواته الأولى يشوبها بعض الالتباس والتردّد. ففي التاسع من حزيران/يونيو الجاري، أعلنت الحكومة، بعد أقل من أسبوعَين على تشكيلها، أنها ستزيد التعرفة الكهربائية. كما قرّرت لجنة حكومية فرعية زيادة أسعار المياه، لكن الحكومة تراجعت علناً عن هذه الخطوة بعد أيام قليلة، لأن هذه الإجراءات قد تكون أكبر من قدرتها على التنفيذ. المهمة الأساسية التي ينبغي على الملقي النهوض بها في المدى القصير هي التوصل إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، وقد أشار وزير المالية عمر ملحس الذي استمر في منصبه في الحكومة الجديدة، إلى أن الاتفاق سيكون جاهزاً في تموز/يوليو المقبل. سواء ظل ملحس وزيراً للمالية أم لا بعد الانتخابات في أيلول/سبتمبر، غالب الظن أن الملقي سيبقى في منصبه، وسوف يشكّل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي سيتم التوصل إليه هذا الصيف، محور ولايته الجديدة. الخفوضات المالية التي سيجريها الملقي، والتي ستكون على الأرجح أشد صرامة، قد تشكّل محك اختبار للشارع الأردني لمعرفة إذا كان سيقرّر أم لا الخروج عن صمته.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك إيتش سويل مدير شركة Utica Risk Services المتخصصة في دراسة المخاطر السياسية في الشرق الأوسط.