مع التضييق على الإخوان المسلمين وضبطهم، ووضْع النشطاء في صفوف القواعد الشعبية في السجون أو تسليط سيف الاعتقال على رقابهم، ومع تزايد الرقابة الإعلامية، وقمع الصحافيين والنشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان، تبقى الأحزاب السياسية المعارِضة الصغيرة الحجم في مصر من منابر المعارَضة القليلة المسموح بها رسمياً. بيد أن معظمها يلتزم الصمت، ما يسمح للنظام الذي يقوده عبد الفتاح السيسي بتهميشها. كما أن رفض هذه الأحزاب رص صفوفها وعدم مبادرتها إلى تنسيق حملات ضد النظام يقضي أكثر فأكثر على إمكانات تحقيق تغيير سياسي جوهري.

لم يحمل مطلع العام 2016 آفاقاً كبيرة للأحزاب السياسية العلمانية الصغيرة في مصر. فقد فشل عدد كبير منها، ومعظمها أحزاب علمانية ويسارية الميول في المسائل الاجتماعية والاقتصادية، في الفوز بأي مقاعد في الانتخابات البرلمانية في العام 2015. وقد قاطع حزب الدستور وحزب العيش والحرية الانتخابات بسبب افتقارهما إلى الموارد، وزعمهما بأن القوانين الانتخابية غير منصفة بحق الأحزاب الصغيرة. لم يحصل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي – وهو حزب جديد أبصر النور بعد العام 2011 ويشدّد على أهمية مشاركة الشباب كما يتركّز الجزء الأكبر من جهوده التواصلية على الجامعات – سوى على أربعة مقاعد. أما حزب التجمع – الذي هو على الأرجح الحزب المعارض الاشتراكي الأقدم في مصر، إنما لطالما اعتبره العمال قوقعة جوفاء خاضعة لسيطرة النظام – فنال مقعدَين فقط.

تعود إخفاقات هذه الأحزاب، في جزء منها، إلى نزعة أوسع نطاقاً تتمثل في غياب الالتزام السياسي. بالفعل، سلّطت نسبة الاقتراع المتدنّية في الانتخابات العامة في العام 2015، والتي بلغت 28-29 في المئة، الضوء على تنامي اللامبالاة في شكل عام. وأحد الأسباب هو الاستياء العام من إدارة السيسي على خلفية تزايد القمع الذي تمارسه الدولة، وسوء الإدارة الاقتصادية، والمشكلات الأمنية المستمرة. إلا أن الأحزاب فشلت في ترجمة التململ الشعبي إلى أصوات، لا سيما في انتخابات 2015، عندما تخوّف مصريون كثر من وصول برلمان تسيطر عليه الأحزاب الموالية للنظام، مثل حزب المصريين الأحرار، وحزب مستقبل وطن، وحزب الوفد – وهذا ما حدث في نهاية المطاف إذ نجحت هذه الأحزاب في السيطرة على مجلس النواب. 

تحاول الأحزاب العلمانية الآن التعويض عن غيابها الواسع من مجلس النواب فيما تسعى إلى الحفاظ على حراكها السياسي. التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه الأحزاب هو علاقتها مع الرئيس السيسي والنخبة السياسية الخاضعة لسيطرة الجيش. في عهد الرئيس محمد مرسي، ساهم الخوف الجماعي من سيطرة التشدّد الإسلامي والإخوان المسلمين بسهولة في توحيد الأحزاب العلمانية في العامَين 2012 و2013 ودفْعها نحو تشكيل جبهة الإنقاذ الوطني – على الرغم من الخلافات الأيديولوجية بين اليساريين والليبراليين والاشتراكيين والناصريين وسواهم. لكن بعد وصول السيسي، وهو الرجل العسكري المناهض للإخوان، إلى سدّة الحكم، انقسمت تلك الأحزاب داخلياً وفي ما بينها حول دعم النظام أو البقاء على الحياد أو معارضته. لا يزال معظمها يختار الحياد والدعم الضمني. على سبيل المثال، أسفر التصويت لانتخاب أعضاء القيادة في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في نيسان/أبريل الماضي، عن فوز المرشحَين فريد زهران وباسم كمال اللذين يؤيدان معارضة السيسي بفارق ضئيل – أربعة أصوات فقط في المؤتمر العام الذي يضم 800 عضو – على منافسَيهما اللذين يؤيّدان دعم السيسي.

نتيجةً لذلك، تؤدّي أحزاب المعارضة إلى حد كبير دور "المعارضة الموالية" في مصر، كما كانت تفعل في عهد مبارك. فتساهم بذلك في تعزيز منطق الدولة التي تقبل بالأحزاب المعارضة القانونية إنما لا تسمح لها بالوصول إلى السلطة أو تهديد الوضع القائم. بدورها، تقرّ هذه الأحزاب بضعفها وتتجنّب شنّ حملات ضد النظام. مما لا شك فيه أن البرلمان المصري الجديد يخدم أهداف السيسي بهذه الطريقة. فهو يتيح له مأسسة بعض الأحزاب عبر إشراكها في الميدان السياسي الرسمي، وإلهاء المعارضة اليسارية التي فشلت في تحقيق اختراق انتخابي، وتشتيت صفوفها.

من الأمثلة القليلة عن تعاون المعارضة ضد السيسي حملة "مصر مش للبيع" التي تعارض نقل تبعيّة جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية. كانت الاحتجاجات التي عمّت البلاد في 15 نيسان/أبريل الماضي الأضخم منذ عامَين، بحسب التقارير، وشكّلت "التحدّي العلني الأكبر" للسيسي منذ العام 2013. بالفعل، توحّد حزب الدستور والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب العيش والحرية في معارضة نقل السيادة على الجزيرتَين، وفي إدانة همجية الشرطة والاعتقالات. بيد أن معظم الأحزاب امتنعت عن معارضة السيسي في شكل مباشر حتى خلال حملة الانتقادات العلنية المكثّفة، ما تسبّب بالحد من آفاق التعاون في ما بينها وبالتالي عدم تمكّنها من الحصول على تنازلات من النظام.

 نتيجة هذا الشقاق من جملة أسباب أخرى، كان مصير حملة "مصر مش للبيع" الإخفاق على ما يبدو في مطلع حزيران/يونيو الجاري مع التزام الأحزاب المشارِكة الصمت من جديد. حتى إن بعض المعسكرات دعمت السيسي بشدّة وهاجمت زملاءها في المعارضة. على سبيل المثال، اتهم حزب التجمع أفرقاء يساريين آخرين مشاركين في الاحتجاجات بالضلوع في "مخططات معادية أمريكية وغربية" وتشجيع الفوضى في البلاد. في المقابل، أخذت منظمات مدنية زمام المبادرة في التعبئة للاحتجاجات العامة وتشكيل جبهة أكثر توحداً في الحملة، من خلال الجمع بين صحافيين ومحامين ونقابات عمالية وطلاب ونشطاء عبر الإنترنت. من هذا المنطلق، ليس للجهود التي بذلتها الأحزاب المعارضة أي دور فعلي في القرار الذي اتخذته المحكمة في 21 حزيران/يونيو الجاري بإبطال عملية نقل السيادة على الجزيرتَين، مع الإشارة إلى أن الحكومة تعهّدت بالطعن بهذا القرار.

لا يعني ذلك أنه لم تُبذَل جهود أخرى من أجل رص الصفوف. في الرابع من آذار/مارس الماضي، حتى قبل انطلاق حملة "مصر مش للبيع"، اقترح حمدين صباحي، المرشح السابق للرئاسة ومؤسس حزب التيار الشعبي، تأسيس حركة "البديل الحقيقي"، على أن تتألف من أحزاب معارضة صغيرة للتصدّي لانحياز مجلس النواب المزعوم إلى النظام. رفضت معظم الأحزاب المعارضة الانضمام إلى صباحي، واقتصرت المشاركة في شكل أساسي على حزب التيار الشعبي الذي يقوده صباحي، وحزبه السابق الكرامة. وهكذا فقدت المبادرة الزخم، خشية حدوث رد فعل عنيف من النظام. غالب الظن أن انتقاد صباحي العلني للسيسي، بدءاً من انتقاد سوء الإدارة الاقتصادية وصولاً إلى تحميل الرئيس المصري مسؤولية شخصية في وفاة مشجّعي كرة القدم، دفع بالأحزاب الأخرى إلى الشعور بالضعف في حال ارتبط اسمها به.

هذا الخوف هو أحد الأسباب وراء اختيار أحزاب المعارضة الإذعان والانخراط في لعبة النظام. تلفت منظمة العفو الدولية إلى تسجيل زيادة كبيرة في انتهاكات حقوق الإنسان والقمع منذ العام 2013، مع "قيام السلطات بفرض قيود اعتباطية على الحق في حرية التعبير وتأسيس الجمعيات والتجمع السلمي". قال متحدث باسم الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إن المصريين "يعيشون في ظل القيود المفروضة على الحقل العام، والهجمات على المنظمات الأهلية". في أيار/مايو الماضي، وضع حزب الدستور قائمة بالأعضاء الذين اختفوا قسراً بحسب زعمه، ملقياً اللوم على وزارة الخارجية. لقد ألقي القبض رسمياً على محمود عبد العظيم، عضو حزب الدستور بأمانة الإسماعيلية، ومالك عدلي، المحامي الحقوقي وعضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. وأطلقت الشرطة النار على شيماء الصباغ، عضو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وأردتها قتيلة في كانون الثاني/يناير 2015. تخشى الأحزاب الصغيرة في شكل عام أن يؤدّي تحدي النظام إلى مزيد من ردود الفعل الانتقامية عن طريق المضايقات والاعتقالات والرقابة، وحتى حظر الأحزاب بالمطلق. لذلك تعطي أحزاب كثيرة الأولوية حالياً للحفاظ على علاقات جيدة مع النظام، وتُقدِّم هذا البند على تطوير مواقفها وبرامجها الأيديولوجية. من جهة أخرى – وكما في عهد مبارك – تحصل الأحزاب على مكافآت مقابل إبدائها الطاعة للنظام، مثل السماح لها بالعمل بصورة قانونية وخوض الانتخابات.

فضلاً عن ذلك، تعاني أحزاب المعارضة نفسها من الإرهاق السياسي. يعتبر بعض اليساريين، الذين يشكّكون تقليدياً بالإسلاميين، أن الجيش هو أهون الشرور، ويخشون أن يمنح تغيير الوضع القائم الإسلاميين فرصة الانخراط من جديد في السياسة. وقد تبنّى أفرقاء كثرٌ أيضاً المسار العنفي للتغيير السياسي في ليبيا وسورية واليمن وسيناء، ما يثير المخاوف من أن أي بديل عن الوضع القائم سيكون دموياً جداً.

فضلاً عن ذلك، على هذه الأحزاب أن تواجه الدعم الشعبي المحتمل للجيش الذي كرّس صورته كحارس للدولة منذ ثورة 1952. تدرك الأحزاب أيضاً أن الجيش يحكم قبضته بطريقة غير منصفة على السياسة والاقتصاد في مصر – فعلى الرغم من المحاولات الهادفة إلى التعتيم على المسألة، يملك الجيش بحسب التقديرات نحو 40 إلى 65 في المئة من الاقتصاد المصري. من هنا، قد يكون الهجوم على السيسي والجيش بمثابة انتحار سياسي، ومن شأنه أن يتسبّب أكثر فأكثر في تأكّل الدعم الضعيف لهذه الأحزاب.

في حين أن حسابات الجزء الأكبر من الأحزاب اليسارية – البقاء على الحياد تجاه النظام في الوقت الراهن انطلاقاً من الخوف من النظام والإسلاميين، فضلاً عن الدعم الشعبي للجيش – قد تبدو سليمة في الوقت الراهن، إلا أنها تحمل العديد من المخاطر في المدى الطويل. فمثلما حصل في عهد مبارك، سينظر المصريون بصورة متزايدة إلى هذه الأحزاب بأنها قوقعات جوفاء خاضعة لسيطرة النظام، ما يؤدّي أكثر فأكثر إلى تراجع الدعم لها والعضوية في صفوفها. ومن شأن تبادل الانتقادات اللاذعة بين الأحزاب على خلفية علاقتها بالنظام، على غرار الهجوم الذي شنّه حزب التجمع على حملة "مصر مش للبيع"، أن يضع مزيداً من العراقيل أمام التعاون بينها في المستقبل.

سوف تحوّل المشاحنات المتزايدة بين الأحزاب الأنظار عن إخفاقات السيسي في الحكم، ما يسمح له بزرع مزيد من التفرقة في صفوف المعارضة السياسية المحتملة والسيطرة عليها، الأمر الذي يعود بفائدة كبيرة على النظام، لا سيما وأن الرئيس لا يملك حزباً سياسياً خاصاً به، وإلا كان هذا الحزب ليشكّل هدفاً سهلاً للانتقادات المباشرة. إذا استمرت هذه الأحزاب، من خلال أسلوب "المعارضة الموالية"، في إضفاء شرعية على حكم السيسي، سوف تساهم في تعزيز الصورة الوهمية التي يحاول السيسي بثّها عن ديمقراطية نابضة بالحياة فيما يبقى الإصلاح غائباً.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كريستوفر كوكس باحث وكاتب مستقل حول شؤون الشرق الأوسط.