على الرغم من أن لبنان يرزح تحت وطأة الدين الأعلى في العالم العربي، مع وصول نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي إلى نحو 140 في المئة حالياً، إلا أنه لطالما شكّل القطاع المصرفي ركيزة للاستقرار في البلاد. فضلاً عن صك العملة وتنظيمها، يمارس المصرف المركزي اللبناني نفوذاً كبيراً على المستثمرين المحليين والقطاع المصرفي المحلي الذي كان يستحوذ على 56 في المئة من قيمة كل سندات الخزينة المستحقة الدفع بحلول نهاية نيسان/أبريل الماضي. ويستمدّ مصرف لبنان نفوذه هذا إلى حد كبير من التحويلات من الخارج والثقة بالليرة اللبنانية لتعزيز الودائع. لكن في كانون الأول/ديسمبر 2015، أقرّ الكونغرس الأميركي "قانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله"، وهو الأحدث في سلسلة من الإجراءات الرامية إلى الحد من تأثير التنظيم عبر عزله عن المنظومة المالية الدولية. خلافاً للقوانين السابقة، ينطبق قانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله على الأفراد والمؤسسات غير الخاضعين للسلطة القضائية الأميركية، ويتعرض مصرف لبنان للضغوط لإغلاق كل الحسابات المصرفية العائدة لأعضاء حزب الله والأشخاص الذين تجمعهم روابط به والوسطاء الذين يتعاملون معه، الأمر الذي من شأنه أن يحدث تقلّبات في القطاع المصرفي ويمارس تأثيرات سلبية على الاقتصاد في شكل عام.

أحد الأهداف الأساسية للقانون هو منع حزب الله من تحقيق أي منافع مالية بعد الاتفاق النووي الذي جرى التوصل إليه مع إيران العام الفائت – فالخشية هي أن رفع العقوبات عن إيران قد يتيح لها تقديم مساعدات إضافية إلى عملائها في المنطقة. يفرض قانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله على المصارف اللبنانية والدولية كافة تجميد أو تعليق حسابات جميع الأشخاص الذين صنّفهم مكتب مراقبة الأصول الخارجية التابع لوزارة الخزانة الأميركية في خانة المرتبطين بحزب الله. في حال رفضت المصارف ذلك، يمكن أن تتعرض للعقوبات، وفي نهاية المطاف قد يتم استبعادها من السوق المالية المصرفية الدولية. وتتحمّل المصارف أيضاً مسؤولية إنشاء وحداتها الخاصة للاستخبارات المالية بغية مراقبة الحسابات وإدارتها بحسب الأصول القانونية المتّبعة – والمصارف التي لم تنشئ بعد هذه الوحدات لديها مهلة عام واحد لبدء العمل بهذه المنظومة. وقبل اتخاذ أي إجراءات أخرى، يتعين على المصارف إبلاغ هيئة التحقيق الخاصة التابعة لمصرف لبنان عن أي عمليات مشبوهة، مع الإشارة إلى أن الهيئة مخوّلة رفع السرّية المصرفية عن الحسابات المعنية بحسب القانون 44 الصادر في العام 2015.

بعد عقد اجتماعات في واشنطن في شباط/فبراير الماضي، صرّح آلان عون – النائب في البرلمان اللبناني عن التيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله – أن لبنان مستعدّ للتفاوض على الشروط، معلناً أنه من غير الواضح إلى أي حد سيكون تطبيق القانون صارماً ومتشدداً. ثم في الثالث من أيار/مايو 2016، أصدر مصرف لبنان التعميم 137 (مذكّرة ملزِمة قانوناً) الذي فرض تطبيق القانون الأميركي في القطاع المصرفي اللبناني بعد أشهر من التعرض للضغوط من الولايات المتحدة، وحضَّ السلطات المحلية على الشروع في إغلاق 99 حساباً عائداً لأشخاص وردت أسماؤهم على قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وشملت هذه الحسابات تلك المملوكة من أربعة نواب في حزب الله، فضلاً عن الحسابات العائدة لقناة "المنار" التلفزيونية وإذاعة "النور" المواليتَين لحزب الله – مع العلم بأن أحد التقارير يشير إلى أن مصرف لبنان طلب إعادة فتح حسابات النواب بعد إجراء مفاوضات مع حزب الله. أفادت مصادر غير رسمية مقرّبة من وزارة الخزانة الأميركية أن الحسابات الـ99 الواردة على قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية هي الوحيدة التي طالها القانون حتى الآن، وأنه لا يزال هناك تشوّش وارتباك حول الإجراءات الواجب اتباعها بالضبط. غير أن مصرف لبنان أشار إلى أنه قد يتم إغلاق نحو ثلاثة آلاف حساب إضافي في المصارف اللبنانية في المستقبل القريب.

انتقد حزب الله القانون في العلن، مطالباً بأن يمارس لبنان حقّه السيادي بحماية مواطنيه، لا سيما الشيعة منهم. وقد صرّح وزير المال اللبناني علي حسن خليل أن دانيال غلاسر، مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب، أكّد أن الإجراءات لن تستهدف الطائفة الشيعية، مع العلم بأن هذه التطمينات لم تبدّد الالتباس في الداخل اللبناني. أما كلام حسن نصرالله في الخطاب الذي ألقاه في 21 كانون الأول/ديسمبر الماضي – ومؤخراً في 24 حزيران/يونيو – عن أن القانون لن يؤثّر في طائفته وحزبه، فالهدف منه على ما يبدو هو طمأنة قاعدته.

ستكون للقانون أيضاً تأثيرات مالية سلبية على الوسطاء الذين يتعامل معهم حزب الله. غالب الظن أن الخدمات الاجتماعية التي يؤمّنها حزب الله وتحظى بشعبية واسعة، سوف تتراجع، نظراً إلى أن الأطباء والممرضات والمدرِّسين والمديرين الذين يعملون في خدمات الرعاية الخاصة التابعة لحزب الله لن يتمكّنوا من تقاضي رواتبهم واستخدامها في معاملات عبر القطاع المصرفي. وقد اضطُرَّت بعض هذه المؤسسات إلى التحوّل نحو تسديد الرواتب نقداً اعتباراً من آذار/مارس الماضي. وعدد هؤلاء "الوسطاء" كبير نظراً إلى اندماج حزب الله في المجتمع اللبناني عند مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة. وسوف تجد المؤسسات، على غرار المستشفيات والشركات الإعلامية، صعوبة أيضاً في الحفاظ على ملاءتها المالية، منها مستشفى الرسول الأعظم في منطقة برج البراجنة التي تقع في ضاحية بيروت الجنوبية الخاضعة لسيطرة حزب الله.

يمكن أن يكون لهذا الأمر تأثير تسلسلي على المنظومة الاقتصادية اللبنانية بكاملها من خلال تراجع الودائع المالية. وغالب الظن أنه ستُسجَّل زيادة في العمليات المصرفية غير النظامية، وقد تتراجع التحويلات المالية، كما يمكن أن تؤدّي المخاوف بشأن الاستقرار المالي إلى تبطيء الاستثمارات. يتّسم الاقتصاد اللبناني بدرجة عالية من الدولرة، ومعظم المعاملات تتم بالدولار الأميركي وتمرّ عبر مصارف أميركية وسيطة1. على الأرجح أن فرض قيود على الوصول إلى هذه المصارف سيضع عراقيل وتعقيدات أمام العمليات اليومية، لا سيما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعملون في المؤسسات الخدماتية التي يديرها حزب الله. 

في مراحل الاضطرابات السابقة، مثل اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005 والحرب مع إسرائيل في العام 2006، شهد لبنان تدفقاً للودائع إلى الخارج (5 في المئة و3 في المئة على التوالي)2، وقد يمارس قانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله التأثير نفسه. بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد على التحويلات، على غرار الاقتصاد اللبناني الذي يعوّل على التحويلات من اللبنانيين العاملين في الخارج والتي تصل إلى نحو 7.2 مليارات دولار في السنة3، من شأن التراجع في هذه الودائع أن يمارس تأثيراً كبيراً على قيمة الليرة اللبنانية، هذا مع العلم بأن أسواق العملات أصبحت في الأصل أكثر تقلباً. يحافظ مصرف لبنان على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية في مقابل الدولار، ويسمح بالتداول بالعملة ضمن هامش ضيّق. لكن بحسب بلومبرغ، يجري التداول بأسعار صرف الدولار الأميركي بالليرة اللبنانية عند الحد الأعلى لهذا الهامش الضيق (ما يؤشّر إلى تراجع قيمة الليرة اللبنانية) منذ شباط/فبراير 2016، بعد شهر من إقرار قانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله. على الرغم من أن سعر الصرف لم يتجاوز بعد الهامش المسموح به، إلا أن ذلك لا يعكس استقراراً بل زيادة التدخل من مصرف لبنان للحؤول دون تراجع قيمة الليرة اللبنانية. فالمصرف المركزي يعمد إلى بيع احتياطيات بالأصول الأجنبية تفوق قيمتها 400 مليون دولار في الشهر منذ آذار/مارس الماضي، متخلّياً بذلك عن النزعة إلى تكديس احتياطيات العملات الأجنبية التي كان قد بدأها في شباط/فبراير 2008. في هذا السياق، يُشار إلى أن احتياطيات العملات الأجنبية التي سلكت مساراً انحدارياً خلال العام المنصرم، سجّلت ارتفاعاً طفيفاً في نيسان/أبريل الماضي – لكن في الوقت نفسه، انخفضت الأوراق المالية الأجنبية المملوكة من الحكومة، ما أدّى إلى خسارة صافية مستمرة في الأصول الأجنبية (ما عدا الذهب). إذا تراجع تدفق التحويلات من الخارج، والتي تفوق نسبتها حالياً عشرة في المئة من إجمالي الناتج المحلي اللبناني في السنة، سوف تنخفض أكثر فأكثر احتياطيات العملات الأجنبية المتوافرة لرفع سعر صرف الليرة اللبنانية من جديد.

كما أن الالتباس الاقتصادي يجعل مصرف لبنان يواجه صعوبة أكبر في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي عن طريق تعديل أسعار الفوائد. تصنيف لبنان الائتماني، بحسب وكالة ستاندرد أند بورز، هو B-، مع آفاق سلبية في المدى الطويل. وبما أن الحكومة تعتمد إلى حد كبير على التمويل من القطاع المصرفي المحلي، يعني ذلك تراجع الموارد المتاحة لتمويل المؤسسات الرسمية التي ترزح أصلاً تحت وطأة الجمود السياسي المستمر منذ عامَين والذي أسفر عن شغور موقع الرئاسة، فيما يستضيف لبنان على أراضيه أكثر من مليون لاجئ سوري. في حين جدّدت السفارة الأميركية في بيروت تأكيدها أن الولايات المتحدة ستحمي الاقتصاد والمؤسسات المالية في لبنان "قدر المستطاع" من التأثيرات الجانبية المحتملة لقانون حظر التمويل الدولي عن حزب الله، يشكّك اللبنانيون في صحة هذا الكلام.

وقد بدأت مقاومة القانون تتبلور على الأرض. ففي 12 حزيران/يونيو الماضي، استهدف تفجير بنك لبنان والمهجر الذي عمد إلى تطبيق القانون اللبناني الذي أُقِرّ بناءً على القانون الأميركي، وذلك في رسالة تحذير واضحة إلى الحكومة اللبنانية من مغبّة الإذعان للضغوط الأميركية. على الرغم من أنه لم يتم الكشف بعد عن الجهة المسؤولة عن التفجير، إلا أنه قبل يومَين من وقوعه، وتحديداً في 10 حزيران/يونيو، نشرت صحيفة "الأخبار" اللبنانية مقالاً وجّه فيه حزب الله تحذيراً إلى بنك لبنان والمهجر ومصارف أخرى طبّقت القانون الصادر في 3 أيار/مايو. إبان التفجير، أعلنت جمعية المصارف في لبنان، في اجتماع طارئ، أن هذه الحادثة قد تتسبّب بـ"زعزعة الاستقرار الاقتصادي".

في الأسابيع التي أعقبت التفجير، توقّف مصرف لبنان فعلياً عن التواصل مع وسائل الإعلام، في مؤشر عن الحساسية السياسية الشديدة التي بات يثيرها قانون منع التمويل الدولي عن حزب الله وتطبيقه. لا يُعرَف بعد إلى أي حد يمكن أن تصل الولايات المتحدة في الدفع نحو التطبيق الكامل للقانون، وقد يتوقّف الأمر على السياسات الأميركية الداخلية. في الانتظار، يحاول مصرف لبنان إيجاد طريقة فاعلة للتقيّد بالقانون من دون أن يؤدّي ذلك إلى اهتزاز القطاع المصرفي اللبناني ومن دون أن يتسبّب بمزيد من المخاطر الأمنية. بيد أن مجتمع الأعمال والرأي العام اللبناني لا يزالان يعتبران أن الالتباس، الذي لطالما طبع المشهد اللبناني، في ازدياد مستمر.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

غايا بيليغريني-بيتولي صحافية إيطالية مقيمة في بيروت تُنشَر مقالاتها في صحيفة "كورييري ديلا سيرا" وفي LIMES، المجلة الجيوسياسية الأولى في إيطاليا.​


1. مقابلة عبر البريد الإلكتروني مع أحد المتحدثين باسم وزارة الخزانة الأميركية، 25 حزيران/يونيو 2016.
2. مقابلة عبر الهاتف مع نسيب غبريل، كبير الخبراء الاقتصاديين في بنك بيبلوس، 22 حزيران/يونيو 2016.
3. المرجع نفسه.