يقدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه على أنه شخصية ليست فقط قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي ولكن أيضاً تحقيق الإستقرار الاقتصادي. حكومته تقدم بصورة دورية خططاً اقتصادية واسعة النطاق، آخرها موازنة 2016-2017 التي أعدّها رئيس الوزراء شريف اسماعيل في آذار/مارس الماضي، والتي حدّدت ثلاث أولويات تتمثل في سدّ العجز المالي، وزيادة الاستثمارات، والإنفاق على الرعاية الاجتماعية بطريقة أكثر فعالية، لكنها لا تشكّل جزءاً من خطة اقتصادية ولا تقدّم رؤية للاقتصاد وذلك رغم أن ثورة 2011 قامت بسبب رئيسي وهو الحالة المتدهورة للطبقتَين الوسطى والدنيا. فبدلاً من معالجة المشكلات الاقتصادية الملحة والمستمرة مثل الفجوة المتزايدة في الدخول والتطرق إلى المسائل محددة، اتّجه خطاب السيسي نحو الانفعالية والشعارات الوطنية والسياسية لا سيما في الترويج للمشاريع الضخمة آملا فى أن تجذب الإستثمارات الأجنبية لمصر.

يبدو أن السيسي كان يعتقد أن جل ما يحتاج إليه الاقتصاد هو شرارة ما لتحفيزه ودفعه من جديد باتجاه تحسّن الموازنة المالية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي كتلك التي عرفتها مصر قبل العام 2011. من الناحية النظرية فإن المشاريع الضخمة والمؤتمرات الاستثمارية تستقطب التمويل لتحريك عجلة الاقتصاد وحل المشاكل المالية للحكومة التى قد تصل إلى حد الإفلاس. لقد ساهمت المشاريع الكبرى التي أطلقها جمال عبد الناصر في تعزيز شعبيته وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي في مستهل ولايته. انتهج حسني مبارك الاستراتيجية نفسها، على الأقل في بداية حكمه ولكن دون أن يولي اهتماماً كافياً لتراجع الرعاية الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين العاديين، وتفاقم اللامساواة، وتفشّي الفساد، والبيروقراطية، وتقديم أصحاب المصالح التي أدت جميعها إلى كساد الإقتصاد والوصول بالحكومة إلى حد الإفلاس – وقد دفع هذا المستوى من سوء الإدارة الاقتصادية صندوق النقد الدولي إلى فرض إصلاحات هيكلية على الحكومة المصرية فى التسعينيات. بالمثل، نفّذ السيسي عنوةً مشاريع كبرى، جاعلا الجيش الجهة التعاقدية الأساسية، مع العمل على ضمانة الولاء من مجموعة من رجال الأعمال الذين لا يمكنهم معاداة النظام بسبب عدم تقبّله بتاتاً لمختلف أشكال المعارضة وبسبب إيمانهم في أن هذا يضمن لهم مصالحهم. وفي وقت مصر فيه بحاجة إلى تنمية بنيتها التحتية (والتي يؤمّنها جزئياً بعض هذه المشاريع)، يبدو وكأن النظام يسعى إلى تعزيز صورته والإسراع بجمع قائمة من الإنجازات البرّاقة قبل أن يحقق أي شيء فعلياً للاقتصاد على المدى الطويل.

ما يفعله النظام الحالي في شكل أساسي هو الدمج بين مخططات مبارك في التسعينيات وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين – والتي اعتمدت على دولة أمنية مركزية تطبّق نموذج الليبرالية الجديدة من النمو الإقتصادى الحر (لا سيما في تقليص الإنفاق الحكومي ورفع القيود) ولكن بالتزاوج مع المشاريع الضخمة الشبيهة بتلك التي نُفِّذت في عهد عبد الناصر التي تهدفوا إلى تجييش المشاعر الوطنية – مع منح الجيش دوراً أكبر بكثير في تنفيذها. المشروع الأول في السلسلة الأخيرة من المشاريع الضخمة تمثّل في المسعى الطموح لإضافة توسعة من 37 كلم (24 ميلاً) إلى قناة السويس بتكلفة ثمانية مليارات دولار.

كانت خطة توسعة القناة طموحة في نطاقها وضخمة في التنفيذ – لكن تبيّن في نهاية المطاف أنه تمت المبالغة في تقدير فائدتها. أُنجِزت التوسعة في فترة قصيرة جداً (ما أدّى أيضاً إلى زيادة التكلفة) نتيجة الفعالية التي تتمتع بها عناصر الجيش الذين عملوا على تنفيذ المشروع. في بادرة شهيرة، وجّه الرئيس السيسي أمراً إلى الفريق المسؤول عن المشروع، مهاب محمد مميش، مباشرةً على الهواء، لإنجازه في غضون عام واحد بدلاً من ثلاثة أعوام، وقد وافق مميش من دون ذكر الأسباب وراء اعتماد فترة الثلاث سنوات في البداية. قد تم الترويج للمشروع على المستوى الدولي على أنه "هدية مصر إلى العالم"، ومحلياً على أنه الحل لعدد كبير من المشكلات الاقتصادية المزمنة، إلا أن عائدات المشروع كانت مخيّبة للأمال منذ إنجازه، وعلى الرغم من أن أحد الأسباب هو الهبوط في أسعار النفط، إلا أنه يبدو أن التخطيط للمشروع كان سيئاً، إذ تم التركيز على السرعة والضخامة أكثر منه على فعالية التكلفة أو الفائدة العملية. كان يُفترَض أن يوجّه مشروع توسعة القناة رسالة إلى العالم – وإلى المصريين – بأن السيسي "رجل إنجازات" بكل ما للكلمة من معنى، إلا أنه كان ملفتا شك كثراً من المختصين في مدى نجاح مشروع القناة في الوفاء بالوعود بتسريع حركة مرور السفن وتحقيق إيرادات أعلى. تشمل الخطة على المدى الطويل تطوير الأراضي المجاورة وتحويلها إلى مركز للخدمات اللوجستية – وهي في الحقيقة خطة جيدة بإمكانها بالفعل أن تقوم بتنشيط قطاع مهم من الإقتصاد بشكل ملحوظ – لكن الاهتمام الإعلامي بتنمية محور قناة السويس كان أقل بكثير من قيمة توسعة القناة التي إستطاعت الحكومة بعد الإنتهاء منها القيام بإحتفالية ضخمة.

علاوةً على ذلك، إبان المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد في شرم الشيخ تحت عنوان "مصر المستقبل" في أيار/مايو 2015، أعلن وزير الاستثمارات أشرف سلمان أنه جرى التعهد بمنح مصر نحو 92 مليار دولار بموجب مذكرات تفاهم، فضلاً عن نحو 38 مليار دولار في شكل صفقات موقّعة وتمويل واتفاقات قروض. يبدو أن كثراً من المشاركين في المؤتمر، مثل رجل الأعمال نجيب ساويرس، صرّحوا أن مذكرات التفاهم لن تتجسّد على أرض الواقع، وأن المؤتمر سيفشل في نهاية المطاف – لأنه على مصر أن تٌقرّ أولاً بالمشكلات المزمنة المرتبطة بانتشار البيروقراطية وعدم فعالتيها، وتفشّي الفساد، ثم العمل على معالجتها، قبل تفعيل إتفاقيات كهذه. على الرغم من أن الحكومة عَمدت على تعديل قوانين الاستثمار لتلبية احتياجات هؤلاء المستثمرين تحديداً – مثل منح المستثمرين حصانة قانونية أكبر ورفع القيود عن المشتريات العامة – إلا أن هذه الإصلاحات قد تؤدّي إلى تفاقم الفساد على حسب بعض المحللين فيما تفشل في استقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تساهم في توليد القيمة إقتصادية حقيقية.

إحدى الصفقات الأساسية التي جرى التوصل إليها خلال المؤتمر – إنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر، والتي كانت تهدف إلى توليد الثقة الدولية بالاقتصاد المصري – تعرّضت لانتكاسة قوية في كانون الثاني/يناير الماضي. فقد تراجع المتعهد الإماراتي "أرابتيك" عن تنفيذ المشروع، على الرغم من الإعلان عن استثمارات بقيمة نحو مليارَي دولار، بعدما زعم المسؤولون في الشركة أنهم لم يتمكّنوا من التوصل إلى اتفاق على الشروط بعد إقدام الحكومة المصرية على تغيير بعض التفاصيل في مذكرة التفاهم غير الملزمة. كما في مشروع قناة السويس، دخل الجيش بسرعة وأصبح المقاول الأساسي للمشروع. واقع الحال هو أن الجيش أصبح مقاول الإنشاءات الأساسي المتعاقد مع الدولة، فتربّع على عرش معظم المشاريع من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة. في حين أن الجيش قادر ربما على إنجاز بعض مشاريع البنية التحتية المهمة في مراحل الالتباس الاقتصادي والسياسي، غالب الظن أن دوره المتعاظم في الاقتصاد سيؤثّر سلباً في عامل الثقة لدى المستثمرين المحليين أو الدوليين الذين يرغبون في رؤية قطاع خاص نابض بالحياة.

لكن على الرغم من الطموحات الكبرى لهذه المشاريع ونطاقها الواسع، لم تسجّل الاستثمارات الخارجية سوى زيادة طفيفة وصلت إلى 3.1 مليارات دولار في السنة المالية 2015-2016 بعدما كانت 2.6 مليار دولار في العام السابق (تعود هذه الزيادة بشكل أساسي إلى عمليات الدمج والشراء الدولية). وقد تراجعت الصادرات المصرية، في الفترة نفسها، بنسبة 26 في المئة، متأثرا بانخفاض أسعار البترول، وكذلك سجّل عجز ميزان المدفوعات ارتفاعاً شديداً من مليار إلى 3.4 مليارات دولار. تزايد العجز هو عارض من عوارض فشل البلاد في زيادة الطلب على عملتها، الأمر الذي ساهم في الانخفاض السريع في قيمة الجنيه المصري، إلى جانب تقلص احتياطيات العملات الأجنبية، وقد تراجعت قيمة الجنيه المصري من 7.17 إلى 8.86 مقابل الدولار منذ تولي السيسي مقاليد الحكم في حزيران/يونيو 2014. ونظراً إلى ارتفاع فاتورة الواردات (مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم)، شهدت البلاد مستويات التضخم الأعلى في الأعوام السبعة الماضية، من 8.2 في المئة في أيار/مايو 2014 إلى 10.9 في المئة في نيسان/أبريل 2016. هذا إلى جانب المشكلات المزمنة من نسبة البطالة المرتفعة، خاصة لدى الشباب.

كما في المشاريع الكبرى، يتبين أن السلطات المصرية تفتقر إلى الرؤية في مساعيها الهادفة إلى معالجة هذه المشكلات الهيكلية الأساسية. على سبيل المثال، لمواجهة مشكلة التضخم، عمد البنك المركزي المصري إلى زيادة أسعار الفوائد إلى أعلى مستوى لها منذ عشر سنوات في 16 حزيران/يونيو الماضي، بهدف إثناء المستهلكين عن الإنفاق مع تشجيع زيادة المدّخرات النقدية في الوقت نفسه ووقف الارتفاع في الأسعار. إلا أن هذا القرار يتعارض مع الجهود الأخرى التي تُبذَل من أجل تشجيع الاستثمارات، مثل الخفض التاريخي لقيمة الجنيه المصري في آذار/مارس الماضي، والذي كان يُفترَض أن يساهم في تشجيع الاستثمارات الخارجية وبناء الثقة في جدية النظام المصري في تطبيقها لمبادئ السوق الحرة.

بالطبع، وضع خطة شاملة للاستقرار الاقتصادي والتنمية ليست بهذه البساطة. فالحكومة الحالية ورثت وضع اقتصادياً عاماً لا تُحسَد عليه، وواجهت سلسلة من الصدمات الخارجية والداخلية التي عطّلت عدداً كبيراً من مخططاتها ومن سير العمل في بعض القطاعات الهامة، لا سيما في قطاع السياحة. علاوة على ذلك، سُجِّل نقص حاد في قدرة الحكومة على طلبية الطاقة بشكل يتماشى مع نمط الإستهلاك العام لها، ما دفع بالحكومة إلى اتخاذ موقف غير شعبي بخفض الدعم لمنتجات الطاقة مع زيادة القدرة الاستيعابية للشبكة الوطنية. ومع ذلك يشكل نمو الناتج المحلي الإجمالي جانباً مشرقاً مع بلوغه نحو 4.2 في المئة في السنة المالية 2015-2016، بالمقارنة مع النصف تقريباً في العام الماضي، إلا أن عدداً كبيراً من التحديات تبقى مطروحة ما دامت الحكومة تفتقر إلى تجانس في سياستها الاقتصادية. وهذا هو رأي المؤسسات المالية الدولية أيضا، فقد عمدت وكالة "ستاندرد أند بورز" إلى خفض التصنيف الائتماني لمصر في 13 أيار/مايو الماضي، وتوقّع صندوق النقد الدولي في 12 نيسان/أبريل الماضي تراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي المصري في العام 2016.

المرة الأخيرة التي واجهت فيها مصر هذا النوع من الأزمات الاقتصادية والضغوط على الموازنة كانت في ثمانينيات القرن العشرين. كانت الدولة تقترب سريعاً من الإفلاس. وبسبب العجوزات المالية الناجمة عن ارتفاع الإنفاق تاريخياً على الدعم الحكومي والتوظيف والخدمات، فضلاً عن تدهور الاقتصاد، لم تتمكّن الدولة من تسديد ديونها الخارجية التي تسبّبت بشلّ حركها سياسيا واقتصاديا. لكن تم إنقاذ مصر آنذاك من الإفلاس التام نتيجة قيام حرب الخليج التي أتاحت لها المساومة مع الولايات المتحدة وبعض حلفائها لإعفائها من الديون وتقديم مزيد من المساعدات إليها في مقابل تدخّلها العسكري. هذه "المعجزة" الاقتصادية هي التي ساهمت في بقاء مبارك في الحكم لعقدَين إضافيين تقريباً. في غياب معجزة أخرى، يتعيّن على النظام الحالي الشروع في تطبيق تغييرات هيكلية مهمة وشاملة لإزالة العوائق أمام التنمية في البلاد كي تكون هناك بوادر أمل بتحقيق نمو مستدام ومنصف.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

محمد المشد صحافي مصري يتابع حالياً دراسة الدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، حيث يجري بحوثاً عن الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام في العالم العربي.