تُصوَّر الرؤية السعودية 2030، التي صمّمها وسوّقها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بأنها رزمة الإصلاح الاقتصادي الأكثر شمولاً في تاريخ المملكة العربية السعودية. الوثيقة التي جرى الكشف عنها في نيسان/أبريل الماضي عبارة عن برنامج نيوليبرالي لخصخصة قطاعات بكاملها، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وخفض الدعم الحكومي، واستمالة المستثمرين في الداخل والخارج، وترشيد الخدمات الحكومية، وطرح أسهم شركة النفط الوطنية (أرامكو السعودية) للاكتتاب العام، فضلاً عن مئات المبادرات الأخرى. الخطة الطموحة إلى حد كبير تأتي في جزء منها رداً على تدنّي أسعار النفط. كتب ولي ولي العهد في الافتتاحية: "لن نسمح أبداً بأن تُرتهن بلادنا... إلى قيمة سلعة أو حراك أسواق خارجية". وهي أيضاً مجهودٌ لترشيد الإنفاق، والتخلص من الحلقة التي لطالما دارت فيها المملكة تاريخياً وتقوم على تأمين مزيد من الدعم الحكومي والخدمات في "زمن الطفرة" وخفضها عندما تكون هناك حاجة إلى شدّ الأحزمة في موازنة الدولة. صحيح أن الأمير محمد يقول إن البرنامج محض اقتصادي، لكن في حال طُبِّقت الرؤية السعودية 2030 بنجاح – وثمة علامة استفهام كبيرة حول الموضوع – سيكون هناك رابحون وخاسرون في المجتمع السعودي.

أحد المسائل الأساسية التي تسعى الرؤية السعودية 2030 إلى معالجتها هي البطالة لدى الشباب. نسبة البطالة الرسمية إنما المشكوك في صحتها هي أقل من 12 في المئة، لكن الرقم مرشّح للارتفاع إذا لم يتم التدخّل لمعالجة الوضع. تواجه السعودية فورة كبيرة في أعداد الشباب (نحو 70 في المئة من السكان هم دون سن الثلاثين)، ويُتوقَّع أن يتقلّص القطاع العام المعتمِد على النفط في السنوات المقبلة، وأداء القطاع الخاص دون المستوى بسبب البيروقراطية المفرطة وغياب الاستثمارات. تهدف الرؤية السعودية 2030 إلى تعزيز الصناعات الأقل متانة، لا سيما تلك التي توظّف مواطنين سعوديين، وذلك من خلال الاستثمارات المباشرة والخارجية. سيقود صندوق الثروة السيادية في البلاد، المعروف بصندوق الاستثمارات العامة، هذا المجهود. من شأن النقل المقترح لأسهم عائدة لشركة "أرامكو" إلى صندوق الاستثمارات العامة أن يجعل منه صندوق الثروة السيادية الأكبر في العالم. (يقول الأمير محمد إن قيمته قد تصل إلى تريليونَي دولار، مع أن القيمة الحقيقية لن تُعرَف في شكل مؤكّد قبل أن تطرح شركة "أرامكو" جزءاً من أسهمها للاكتتاب العام). سوف يتيح ذلك لصندوق الاستثمارات العامة توسيع حافظته في الداخل ومشاريعه الإنمائية فيما يستمر في السعي إلى تحقيق الأرباح في الخارج.

يتوقّف تنويع الاقتصاد في جزء منه على توسيع القاعدة التصنيعية في السعودية. من الأهداف الطموحة تصنيع 50 في المئة من كل العتاد والمعدات العسكرية – بما في ذلك طائرات متطورة – داخل المملكة، في حين أن السعودية تستورد حالياً 98 في المئة من مجمل احتياجاتها العسكرية. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أن السعودية تملك أصلاً قطاعاً بتروكيميائياً متطوراً وناجحاً لناحية تنوّع السلع المنتَجة وقيمتها، يمكن اتخاذ مزيد من الخطوات لضمان استخدام تلك المنتجات في الداخل. من شأن إنتاج سلع منتهية أكثر قيمة مثل المواد البلاستيكية – بدلاً من تصدير المواد الكيميائية التي تُصنَع منها المنتجات البلاستيكية – أن يؤمّن مزيداً من الوظائف لأبناء البلاد.

تهدف الرؤية السعودية 2030 إلى خصخصة قطاعات إضافية، منها الرعاية الصحية والسفر الجوي. بحسب دراسة أجرتها شركة "ماكينزي" في كانون الأول/ديسمبر 2015 واستند إليها مشروع الرؤية السعودية إلى درجة معيّنة، واحد فقط من أصل كل ثلاثة مهنيين يعملون في مجال الرعاية الصحية في المملكة هو من الجنسية السعودية في الوقت الحالي. ويشكّل قطاع التجزئة، حيث يمثّل المواطنون السعوديون 20 في المئة فقط من القوة العاملة، أولوية أيضاً. بموجب رؤية 2030، بات ممكناً، ولأول مرة، تملُّك متاجر للبيع بالتجزئة بالكامل من قبل جهات أجنبية – وبين زيادة الاستثمارات الخارجية ونظام المحاصصة المعمول به حالياً في ما يتعلق بالأعمال المملوكة من أجانب، تعتقد الحكومة أنه من شأن هذه الإجراءات توليد مليون وظيفة جديدة في قطاع التجزئة بحلول سنة 2020.

فضلاً عن الشباب، تسعى الرؤية السعودية 2030 إلى رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتصف المرأة بأنها "عنصر مهم من عناصر قوتنا" يجب العمل على تطويرها تربوياً ومهنياً. تهدف الرؤية إلى زيادة نسبة النساء في القوة العاملة من 22 إلى 30 في المئة بحلول سنة 2030. وتدعو الحكومة إلى توظيف عدد أكبر من النساء مع العمل على تعزيز خيارات العمل انطلاقاً من المنزل وتأمين مواصلات برسوم معقولة للنساء تحديداً. في حين أنه من شأن إنهاء الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات أن يساعد الأسر على ادّخار المال ويسهّل على النساء البحث عن فرص، ليس هذا التغيير مدرجاً على جدول الأعمال حتى الآن، مع العلم بأنه ينسجم مع البرنامج الإصلاحي في شكل عام.

أبعد من هذه الفرص الاقتصادية، يُتوقَّع أن تفيد السعودية من إصلاحات عدّة الهدف منها جعل الخدمات العامة أكثر استجابةً للاحتياجات. على الرغم من أن غياب الشفافية هو علامة دامغة من علامات النظام السعودي، تشمل الإصلاحات إجراءات جديدة للمساءلة العامة، مثل التدقيق الداخلي المنتظم في الإنفاق، ورصد الإنجازات والإخفاقات الوزارية. يتعهّد برنامج التحول الوطني 2020 – الخطة الخمسية الأحدث التي أقرّتها الحكومة في السادس من حزيران/يونيو الماضي من أجل تطبيق الرؤية السعودية – بإنشاء "لوحة مؤشرات الأداء". التفاصيل قليلة، لكن يبدو، بحسب النص، أنها ستكون عبارة عن تقرير عن التقدّم يُنشَر عبر الإنترنت ويجري تحديثه بصورة مستمرة، في إطار مجهود منسَّق لتوسيع الحكومة الإلكترونية. من شأن تحويل سجلات الدولة إلى المنظومة الرقمية، كما هو مقترَح، أن يساهم أيضاً في تسريع الإجراءات البيروقراطية. يعِد برنامج التحول الوطني بخفض مدة الانتظار للحصول على أذون، وللإفادة من الرعاية الطبية وصدور القرارات القضائية، فضلاً عن تحسين الخدمات على غرار الإنترنت السريع ومكافحة الحشرات الضارة. على مستوى الوزارات، عدد كبير من المبادرات المماثلة في الرؤية السعودية 2030 متواضع ومنطقي وكان يجب تطبيقه منذ وقت طويل.

ثم هناك الخاسرون. ستبقى مصالح الأثرياء المتجذّرة مرتاحة إلى أوضاعها، لكنها ستفيد بدرجة أقل من سخاء الدولة. تأمل وزارة المال التي تدير جباية الضرائب بمختلف أشكالها، بمضاعفة الإيرادات غير النفطية ثلاث مرات، من خلال جباية ضرائب جديدة على "كماليات" غير محددة (مع العلم بأنه لم يتم فرض ضرائب على الدخل والسلع الأساسية مثل المواد الغذائية) من جملة تدابير أخرى. سيُفرَض أيضاً على السعوديين الأثرياء تسديد ضرائب عن الأراضي غير المستصلَحة في المدن – التي يحتفظ بها منذ سنوات أشخاص ينتظرون من الحكومة أن تشتريها أو يتحيّنون فرصة إبرام عقدٍ ضخم مع أحد المتعهّدين – إذ تأمل السلطات بأن يتخلّى مالكو الأراضي عن الأرض بسهولة أكبر عندما يصبح مجرد الاحتفاظ بها أمراً مكلفاً. ثم قد تُستخدَم تلك الأراضي في مشاريع إنمائية لخدمة المصلحة العامة، ويمكن أن تساهم في معالجة النقص الحاد في المساكن ذات الأسعار المعقولة.

من المتوقع أن تؤثّر الخطة الممتدة على سنوات عدة لخفض الدعم الحكومي بدءاً من العام الجاري، والتي يمكن أن تساهم في ادّخار عشرات مليارات الدولارات سنوياً، في السعوديين الأثرياء أكثر منه في أبناء الطبقتَين الدنيا والوسطى. يقول الأمير محمد إن 70 إلى 80 في المئة من الدعم الحكومي يصب في مصلحة الأثرياء – وهذه التقديرات تتلاقى مع أرقام صندوق النقد الدولي. بحسب الخطة الجديدة، سوف يدفع السعوديون الأثرياء مبالغ أكبر بكثير مقابل كل وحدة من الماء والتيار الكهربائي، في حين أن من يستهلكون كميات أقل يدفعون رسوماً أقل عن كل وحدة. واقع الحال هو أن الجميع يدفعون مبالغ أكبر للحصول على البنزين الذي ارتفع سعره بنسبة 50 في المئة (استعاد السعر الذي كان عليه في فترة 1997-2007) في نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي. تنوي الرياض أيضاً مساعدة الطبقتَين الوسطى والدنيا بصورة مباشرة من خلال التحويلات النقدية الاستهدافية التي ستعوِّض عن ارتفاع تكلفة المعيشة جراء خفض الدعم الحكومي.

لدى موظفي القطاع العام أسبابهم أيضاً ليشعروا بالقلق. من المرتقب أن تخفّض وزارة الخدمة المدنية إنفاقها على الرواتب بنسبة 20 في المئة بحلول سنة 2020 – مع العلم بأن جزءاً من هذا الوفر ستؤمّنه خصخصة قطاعات تتولّى الحكومة حالياً إدارتها. تطرح الرؤية السعودية 2030 وبرنامج التحول الوطني الأكثر خوضاً في التفاصيل، تساؤلات أيضاً عن كفاءة المسؤولين المكلّفين بالإصلاح. المشروعان أشبه بخطط العمل التي تضعها الشركات، حيث يتم التشديد على مشاريع قابلة للقياس والتنفيذ في منظومة غير مألوفة بالنسبة إلى عدد كبير من المسؤولين السعوديين. إذا أردنا الحكم على هذين المشروعَين بحسب نتائجهما، سوف يخضع البيروقراطيون الذين يفتقرون إلى الكفاءة أو الفعالية، إلى التدقيق أو يتم طردهم على الفور. الضحية الأولى كان وزير المياه والكهرباء عبدالله الحصين الذي أُعفي من منصبه في نيسان/أبريل الماضي. فقد اعترض المواطنون بشدة على الزيادة في فواتير الماء التي ادّعى الحصين أن السبب وراءها هو رداءة عدّادات القياس، والتسرّب الكهربائي، والأخطاء في إعداد الفواتير؛ وزاد الأمور سوءاً بإطلاقه تصريحات اعتباطية. إلا أنه يبدو أن السبب الأساسي هو رسم المياه الجديد والأعلى بكثير الذي فُرِض في كانون الثاني/يناير الماضي. من الممكن تماماً أن الحكومة أساءت تقدير المبلغ الذي تبدي الأسر استعداداً لتسديده أم كمية المياه التي يهدرونها. الرسم الجديد قيد المراجعة، وجرى تعيين وزير جديد للمياه والكهرباء. وقد ربط الأمير محمد، في مقابلات عدة، أداء الحصين، لا سيما تطبيق الإصلاحات "بطريقة غير مُرضية"، بإعفائه من منصبه.

الرؤية السعودية 2030 اختبار هائل، وليست مجرد قائمة بخطوات يجب القيام بها. خطة بهذا الحجم سيتم تطويقها والالتفاف حولها، وغالب الظن أنها ستخضع للتغيير. سوف تضع هذه الخطة المؤسسات والمسؤولين وصبر الرأي العام على محك الاختبار. لكن البديل قد يكون تفشّي البطالة وظهور دولة رعاية مثقَلة فوق طاقتها بما يغذّي التململ والاستياء. لا شك في أن الإنفاق الحالي غير قابل للاستدامة. في العام 2015 فقط، تراجع صافي الأصول الأجنبية بقيمة 115 مليار دولار – معظمها عبارة عن احتياطيات بالعملات الأجنبية وقد استمرت في التراجع طوال النصف الأول من العام الجاري لكنها لا تزال فوق مستوى 500 مليار دولار. وقد دفع معدل التراجع بصندوق النقد الدولي إلى التحذير في تشرين الأول/أكتوبر الماضي من مغبة نفاد الاحتياطيات في غضون خمس سنوات، في حال حافظت أسعار النفط على انخفاضها ولم يتم كبح الإنفاق العام.

تفادياً لاتخاذ إجراءات تقشفية مؤلمة قد تثير غضب الجماهير، تعمد الرياض إلى دوزنة العقد الاجتماعي السعودي بدلاً من إعادة التفاوض حوله. تنوي السعودية أن تصبح أكثر استجابةً لاحتياجات الناس المحددة إنما أيضاً أقل مسؤولية عن الرفاه الاقتصادي للمواطنين. انضمام ولي ولي العهد إلى معسكر الرابحين أو الخاسرين رهنٌ بقدرة الحكومة على إرساء هذا التوازن.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ماثيو ريد نائب رئيس شركة Foreign Reports, Inc. الاستشارية في واشنطن التي تركّز على النفط والسياسة في الشرق الأوسط.​