لطالما كانت مسيرات الفخر في القدس أحداثاً صغيرة يشارك فيها بضعة آلاف الأشخاص بسبب المعارضة من السلطات الدينية، والتهديدات باللجوء إلى العنف، وأجواء المحافظية العامة في المدينة المقدسة. غير أن 25000 منظّم ومتحدّث ومشارِك في المسيرة قدّموا عرضاً غير مسبوق للقوة في مسيرة الفخر في 21 تموز/يوليو الماضي. وقد سلّطوا الضوء على أن إسرائيل ليست آمنة على الإطلاق للمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً، وعلى تقاطع أشكال متعدّدة من القمع في البلاد، ما يربط بين المعارك المختلفة التي تخوضها المجموعات المهمّشة.

قانونياً، يتمتّع المثليون وثنائيو الجنس والمتحولون جنسياً في إسرائيل بحقوق غير متوافرة في البلدان المجاورة. على سبيل المثال، نُزِع الطابع الجرمي عن الممارسات المثلية في العام 1988، وجرى حظر التمييز على أساس التوجّه الجنسي في التوظيف في العام 1992، ومنذ العام 1994، يُسمَح للأزواج المثليين بالإفادة من المنافع نفسها التي يحصل عليها الأزواج من جنسَين مختلفين في القطاعَين العام والخاص – "من حقوق الزيارة في المستشفيات وصولاً إلى الضرائب والميراث" – واعتباراً من العام 2006، بات بإمكان الأزواج المثليين تسجيل زواجهم في إسرائيل في حال تم عقد القران في الخارج. علاوةً على ذلك، بات طيف الهويات الجنسية في الثقافة السائدة أكثر وضوحاً وموضع قبول أكبر، لا سيما في المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص في تل أبيب، حيث تُصوَّر مسيرتها السنوية الصاخبة بأنها دليل على تقدّمية إسرائيل، وتستخدمها الحكومة الإسرائيلية لاستقطاب السياح المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً. وقد تعرّضت السلطات الإسرائيلية للانتقاد على خلفية استغلالها للمثليين، أي ما يُعرَف بالـpinkwashing، بهدف تبييض صفحة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ومعاملته للفلسطينيين في شكل عام وللمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً على وجه التحديد في المجتمع الفلسطيني، والذين يُعتبَرون أكثر هشاشة بعد.

لكن الحصول على المساواة الكاملة في الحقوق والتمتّع بالقبول الاجتماعي والثقافي التام لا يزالان حلماً بعيد المنال. لا تعترف إسرائيل بزواج المثليين الذين يعقدون قرانهم في البلاد، نظراً إلى أن الزواج والطلاق يخضعان قانونياً للمحاكم الدينية حصراً (المحاكم الحاخامية في حالة اليهود، والمحاكم الشرعية في حالة المسلمين، وسواها من المحاكم الطائفية للأقليات الأخرى). في الجوار الإسرائيلي، لا تزال المعايير الاجتماعية بعيدة جداً عن القبول بالمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً. علاوةً على ذلك، يواجه الفلسطينيون المثليون وثنائيو الجنس والمتحولون جنسياً في إسرائيل تمييزاً باعتبارهم من غير اليهود، كما أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بما في ذلك المثليون وثنائيو الجنس والمتحولون جنسياً، محرومون من المساواة في الحقوق المدنية. الفلسطينيون المثليون وثنائيو الجنس والمتحولون جنسياً الذين يواجهون الاضطهاد في الأراضي المحتلة غير مؤهّلين للحصول على اللجوء السياسي في إسرائيل، وقد عمدت أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بحسب التقارير، إلى ابتزاز مثليين فلسطينيين بهدف جمع المعلومات.

بناءً عليه، عندما يشارك سياسيون يمينيون من حزب الليكود الحاكم – مثل وزيرة الثقافة ميري ريغيف، أو أمير أوهانا، أول عضو من الليكود في الكنيست يجاهر علناً بمثليته – في مسيرة الفخر في تل أبيب لتأكيد تفوّق إسرائيل الأخلاقي والليبرالي على جيرانها، أو عندما تروّج وزارة السياحة ووزارة الخارجية الإسرائيليتان للحدث في أوروبا والولايات المتحدة، يولّد ذلك انطباعاً قوياً بأن هناك رياءً في تصرّفاتهم. فالسياسيون أنفسهم الذين يحتفلون بالفخر في تل أبيب، يعملون أيضاً على تعطيل المبادرات التشريعية التي تطلقها المعارضة من أجل منح المساواة في الحقوق للمواطنين المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً، ناهيك عن منح المساواة في الحقوق لملايين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. هذا العام، علّق نشطاء فلسطينيون ويساريون في تل أبيب لافتة كبيرة على إحدى الشرفات على الطريق الذي سلكته المسيرة كُتِب عليها: "نريد حقوقاً لا حفلات!"

بالفعل، المسيرة في تل أبيب حفلة كبيرة أبرز محطاتها الشاحنات المزيّنة التي تضم راقصين يرتدون الحد الأدنى من اللباس، وشرب الكحول، والعروض الموسيقية، والتعبير عن المشاعر في العلن من خلال الملامسات الجسدية، وتنظيم حفل ضخم على شاطئ المتوسط. ربما يتناسب هذا الاحتفال مع الحريات الاجتماعية والثقافية التي تتمتع بها بعض شرائح المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً في تل أبيب، لكنه بعيد جداً عن الوقائع اليومية التي يعيشها هؤلاء الأشخاص في باقي البلاد، كما في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة. لقد وجد المنظّمون صعوبة في استقطاب المشاركين الذين يسيرون بالآلاف في تل أبيب إلى مسيرة الفخر الكئيبة في القدس في الأعوام الماضية. ففي القدس، نظراً إلى الطبيعة الأكثر محافظية للمدينة والقيود الشديدة التي تفرضها الشرطة، ليست هناك شاحنات أو منصّات مزيّنة، ولا صدور عارية وبيكيني، ولا نرى سوى نذر يسير من التقبيل والرقص. بدلاً من تنظيم حفل صاخب، غالباً ما يكون الاحتجاج صغيراً وكئيباً. بعد أحداث العام الماضي، أدرك كثرٌ أنه ليست هناك أسباب كافية للاحتفال، وأنه يجب أن يصبح التضامن مع المجموعات المهمّشة في أماكن أخرى أولوية.

في الأول من آب/أغسطس 2009، أسفر إطلاق نار على مركز شبابي للمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً في تل أبيب عن مقتل اثنَين وإصابة أحد عشر شخصاً بجروح، ما أظهر أن هذه الفئة من الأشخاص ليست بأمان حتى في المدينة التي يعتبرها البعض ملاذاً آمناً لهم. ثم في 30 تموز/يوليو 2015، تعرّضت شيرا بانكي، وهي فتاة في السادسة عشرة من العمر جاءت للمشاركة في مسيرة الفخر في القدس من أجل دعم أصدقائها من المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً، للطعن من متعصّبٍ ينتمي إلى اليهود المتشدّدين دينياً، وما لبثت أن فارقت الحياة بعد أيام قليلة. المُشين أن المعتدي نفسه كان قد طعن أشخاصاً شاركوا في مسيرة القدس في العام 2005، وقد تم اعتقاله، وأمضى عقوبة بالسجن، ثم أخلي سبيله في العام 2015. وهكذا تساءل كثرٌ عن مدى التزام الشرطة بحماية المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً بما أنها لم تستبق الأمور وتتوقّع أن يشكّل ذلك المعتدي تهديداً من جديد.

ثم واجهت مسيرة الفخر التي نُظِّمت في مدينة بئر سبع في الجنوب في تموز/يوليو 2016 مأزقاً جديداً. كان يُفترَض بالمسيرة أن تعبر الشارع الرئيس في البلدة، لكن الشرطة اعترضت على خلفية إطلاق متشدّدين دينيين يهود تهديدات باللجوء إلى العنف لأن المسيرة تمرّ أمام العديد من الكُنس. بدلاً من التصدّي للتهديدات وحماية المشاركين، قرّرت الشرطة تغيير الطريق الذي تسلكه المسيرة، فحدّت كثيراً من حجمها ومساحتها. عندما لجأ النشطاء المدافعون عن حقوق المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً إلى المحكمة العليا، وقفت المحكمة إلى جانب الشرطة. علاوةً على ذلك، اعتقلت الشرطة بعض المنظّمين بهدف استجوابهم، وقرأت رسائل خاصة على هواتفهم لمعرفة إذا كانوا ينوون المرور في الطريق الممنوع. فبادر المنظّمون إلى إلغاء المسيرة احتجاجاً على سلوك الشرطة. 

في الشهر عينه، اشتدّ التحريض من الحاخامين النافذين ضد المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً وبلغ مستوى مرتفعاً جديداً. فقد ألقى يغئال لفينشتاين، وهو حاخام قومي متديّن بارز يرأس معهداً دينياً (ييشيفا) يُعِدّ الشباب المتديّنين للخدمة العسكرية في مستوطنة عيليه في الضفة الغربية، خطاباً قال فيه إن المثليين "شاذّون" وإن حركة المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً "تُفقد الدولة صوابها، وتتسلّل إلى الجيش بكل قوتها. لا يجرؤ أحد على فتح فمه أو الاعتراض عليهم". في حين أن وزير التعليم نفتالي بينيت – الذي يمثّل حزبه "البيت اليهودي" قاعدةً ناخبة صهيونية دينية – رفض هذا التصريح في العلن، وقّع ثلاثمئة حاخام رسالة تضامن مع الحاخام لفينشتاين. كشف هذا السجال النقاب عن وجود شقاق داخل المعسكر القومي الديني. وقد لجأ المحافظون إلى التصعيد في إدانتهم لمسيرة الفخر المنوي تنظيمها في القدس، ولمجتمع المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً في شكل عام. في الجانب الديني الأكثر ليبرالية، قالت مجموعات متديّنة إنها ستشارك في المسيرة مع المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً في القدس احتجاجاً على التحريض الديني المتزايد.

أدّت هذه التطورات إلى ارتفاع في عدد الأشخاص الذين قرّروا المشاركة في مسيرة القدس. كانت المسيرة الفعلية في 21 تموز/يوليو 2016 بعيدة كل البعد عن أن تكون احتفالاً بحرية المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً وتمتّعهم بالمساواة في إسرائيل. فقد كان على ألفَي شرطي وشرطية تأمين الحراسة، وتم إغلاق الشوارع ومراقبتها، وكان الوافدون للمشاركة في المسيرة يخضعون لتدقيق أمني ويُطلَب منهم وضع أساور للتعرف عليهم. وقد جرى اعتقال نشطاء دينيين ويمينيين بصورة استباقية، وطوّقت الشرطة أيضاً الأشخاص الذين جاؤوا للاعتراض على المسيرة، وتم توقيف 48 منهم.

في مشهد غير مفاجئ، كان المحتجّون المناهضون للمسيرة عبارة عن مزيج من المتطرفين الدينيين المتشددين ومجموعة "ليهافا" المنتمية إلى أقصى اليمين والمناهضة للزواج المختلط، والتي تقوم مهمتها الأساسية على مضايقة الأزواج الذين عقدوا زيجات مختلطة بين يهود ومسلمين. في مسيرة العام الجاري، سارت مجموعة كبيرة ومنوّعة بطريقة غير معهودة من النشطاء معاً، وامتزجت في المسيرة التي كانت رصينة إلى حد كبير. وقد أظهر نشطاء يدافعون عن حقوق المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً من مختلف أنحاء البلاد، تضامنهم مع نظرائهم في القدس. وشارك في المسيرة نشطاء يساريون يعملون من أجل السلام، وذلك بهدف تسليط الضوء على الروابط بين مختلف أشكال التمييز والعنف على أساس الهوية. وكان بين المشاركين أيضاً فلسطينيون مثليون وثنائيو الجنس ومتحولون جنسياً غالباً ما يعترضون على مسيرة الفخر في تل أبيب بسبب تواطئها في الاستغلال الذي تمارسه السلطات لقضية المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً بهدف تلميع صورتها، وقد أرادوا من خلال مشاركتهم هذه التضامن مع نظرائهم المحاصَرين في القدس. وانتشرت في كل مكان اللافتات التي تربط بين حقوق الإنسان للجميع وحقوق المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً. وطغت على المسيرة شعارات على غرار "حقوق الإنسان هي فخري"، و"الحرية للجميع"، و"انتفاضة الجندر"، ولافتات مماثلة باللغتَين العربية والعبرية للتنديد بالكراهية والتعصّب.

شرح زياد أبو الهوا، وهو ناشط فلسطيني معروف بدفاعه عن حقوق المثليين تعيش عائلته في القدس الشرقية، أنه نادراً ما يشارك في مسيرات الفخر بسبب استغلال السلطات لها لتبييض صورتها، لكنه شارك هذا العام بصورة استثنائية. وقد علّق بعد المسيرة: "لا يمكنني الفصل بين هويتي الجنسية وهويتي [الفلسطينية] الوطنية... لكنني قررت المشاركة في هذه المسيرة"، مضيفاً: "بعد كل التحريض من القادة الدينيين والسياسيين، لم أستطع ملازمة المنزل... يسرّني أنني شاركت، لأنه كان احتجاجاً. العام الفائت، لقيت فتاة [شيرا بانكي] مصرعها هناك؛ لا يمكن تبييض هذه الواقعة". حتى الأشخاص المتديّنون الذين لا يشاركون عادةً في مثل هذه الأحداث، كانوا حاضرين في المسيرة لإظهار رفضهم لتفسيرات الدين اليهودي التي تنم عن تعصّب. لعل المحطة الأهم في المسيرة كانت الخطاب الذي ألقاه والد شيرا بانكي الذي ربط بين الأشكال المختلفة من التعصّب والعنصرية وثقافة العنف المتنامية ضد الأقليات في إسرائيل، مشدّداً على أن نضال المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً مستمر في البلاد، ولا يمكن عزله عن نضالات المجموعات الأخرى.

يصعب أن نحدّد إذا كان الزخم الذي انطلق هذا العام سوف يستمر. بيد أن المشاركين في مسيرة الفخر في القدس في العام الجاري – 25000 مشارك – يصنعون التاريخ. لقد وجّهوا انتقادات لاذعة للتعصّب والتطرف الديني المتناميَين في إسرائيل، واللذين لا يستهدفان المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً وحسب، إنما أيضاً جميع المجموعات المضطهَدة الأخرى، بما في ذلك النساء والأقليات الإثنية وغير اليهود والفلسطينيين. تُظهر الروابط بين هذه المجموعات التي جرى تسليط الضوء عليها خلال المسيرة، إدراكاً متزايداً لإمكانات التحالف بينها، ورفضاً للجهود التي تبذلها الحكومة الإسرائيلية لتبييض صفحتها عبر استغلال قضية المثليين، والتي تسعى من خلالها إلى الفصل بين جدول أعمال المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً والنضال ضد أشكال القمع الأخرى.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.