لقي القرار الذي اتخذته السعودية بالحد من السلطة التي تتمتع بها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – عبر منعها من مطاردة المشتبه بهم أو توقيفهم أو استجوابهم – استحساناً لدى المعلّقين الذين رأوا فيه محاولة "للاستجابة للمظالم [العامة]". فرداً على الانتهاكات الفاضحة التي ارتكبها عناصر الهيئة، طالب السعوديون مراراً وتكراراً بإصلاحها، مقترحين على سبيل المثال ضبط سلطتها عبر وضع بروتوكول يتضمن عرضاً للإساءات العامة المحدّدة التي تُصنَّف في خانة المُنكَر. وعلى الرغم من إجراء إصلاحات صغيرة النطاق في الأعوام القليلة الماضية، مثل الطلب من عناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضع شارات والامتناع عن اللجوء إلى العنف اللفظي أو الجسدي، لم يتم تطبيق إصلاحات جدّية. حتى القرار الصادر في نيسان/أبريل اكتفى بإلغاء الأدوار الواضحة في العلن التي تؤدّيها الهيئة مع الإبقاء على دور المراقبة العامة، بما في ذلك المراقبة عبر الإنترنت. الدعوات لإصلاح هذه المؤسسة تحجبها الحاجة السياسية الواضحة إلى إبقاء هذه الهيئة الضخمة والواسعة الانتشار قيد العمل.

تزامن توقيت هذه الإجراءات الإصلاحية مع إطلاق برنامج التحول الوطني 2020 الذي يسعى إلى تطبيق الرؤية السعودية 2030. يهدف البرنامج الكبير الذي أُطلِق في نيسان/أبريل 2016 إلى زيادة الإيرادات غير النفطية، وتطوير القطاع الخاص، وتعزيز السياحة والاستثمارات الخارجية. وقد هدفت الإصلاحات، من جملة ما هدفت إليه، إلى تهدئة أي مخاوف بشأن تأثير الاعتقالات العلنية التي تقوم بها الهيئة على قرارات الشركات الأجنبية تأسيس مقار لها في السعودية، لكنها تؤشر أيضاً إلى مسألة أكبر تتمثّل في المحاولات التي تبذلها السعودية من أجل إعادة النظر في هويتها الإسلامية وإصلاحها لتصبح أكثر اعتدالاً وتسامحاً. وقد يكون السبب في ذلك الحاجة إلى تعزيز أجواء محلية آمنة وجاذبة للمستثمرين الأجانب، إنما أيضاً والأهم، جعل النسخة السعودية عن الإسلام بمنأى عن أي تشابه مع الإسلام الذي تروّج له حركات التمرد الإسلامية التي هي في تنافس دائم مع الدولة السعودية حول الجهة التي تقدّم الرؤية الأكثر "أصالة" عن مفهوم الدولة الإسلامية.

لطالما كان نطاق الإصلاحات الدينية في السعودية والهدف منها محاطَين بالالتباس والغموض؛ ولا يمكن تقويمهما بسهولة طالما أن الدين لا يزال يُستخدَم أداة سياسية لتحقيق مآرب متغيِّرة. لقد أطلقت السعودية، بهدف طمأنة حلفائها الغربيين في مرحلة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، سلسلة من الإصلاحات الدينية بين العامَين 2003 و2006، شملت وضع برنامج وطني لمكافحة الإرهاب بغية استهداف المتطرّفين الدينيين، بتمويل مقدم إلى الأمم المتحدة بلغ ملايين الدولارات؛ وإنشاء مركز دولي للحوار بين الأديان، ومركز محلي للحوار الوطني، ومؤسسة مختلطة للتعليم العالي، ومركز وطني استشاري لمكافحة الإرهاب؛ وضمّ علماء من المذاهب السنّية الأخرى إلى هيئة كبار العلماء التي يسيطر عليها المذهب الحنبلي. وكذلك أناط اتفاق غير رسمي جرى التوصل إليه في العام 2005 بين كبار المسؤولين الأميركيين والسعوديين لإصلاح الكتب المدرسية الدينية، سلطة إعلان الجهاد إلى الملك حصراً، بالاستناد إلى دوره في موقع خادم الحرمَين الشريفين. يُصوَّر الملك بأنه القائد الشرعي للدولة، ومن يتحدّون أوامره – سواءً عبر الاحتجاج أو التعبير علناً عن آراء معارِضة – كآثمين. على الرغم من أن التغييرات في الكتب المدرسية تضمّنت أيضاً بعض الإشارات إلى الإسلام بوصفه دين السلام للبشرية جمعاء، إلا أنه لا يزال بالإمكان العثور على عناصر تنم عن تعصّب تاريخي ضد اليهود والمسيحيين فضلاً عن بعض المذاهب أو مدارس الفكر في الإسلام، بحسب دراسة وضعتها وزارة الخارجية الأميركية في العام 2013.

بيد أن الإصلاحات الهادفة إلى ضمان الحرية الدينية الحقيقية في الانتماء والممارسة، ولو بصورة نسبية، لم تكن جوهرية بما يكفي. فقد جرى إقرار مجموعة من القوانين والمراسيم في العام 2014 لحماية الامتياز الممنوح إلى الملك وكبار العلماء باحتكار الدين. على سبيل المثال، يعتبر قانون مكافحة الإرهاب الصادر في 31 كانون الثاني/يناير 2014، الإلحاد عملاً إرهابياً. وينص المرسوم الملكي رقم 44 الصادر في الثالث من شباط/فبراير 2014، على تجريم الانتماء الديني إلى بعض المجموعات – مثل الحوثيين والإخوان المسلمين، فضلاً عن القاعدة وسواها من حركات التمرد الإسلامية – أو الدعوة "للفكر الإلحادي" و"التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي" (التي تحدّدها السلطات السعودية بطبيعة الحال). علاوةً على ذلك، بدأت المنظومة القانونية المستندة إلى الدين باستخدام القوانين الجديدة من أجل إصدار الأحكام بحق الأشخاص على خلفية نشرهم آراء انتقادية أو مثيرة للجدل عن الإسلام عبر الإنترنت. فعلى سبيل المثال، استند البيان الاتهامي الذي أصدرته المحكمة بحق الصحافي علاء برنجي، إلى تغريدات أبدى فيها فيها تأييده لحملة دعم حق المرأة في قيادة السيارات في السعودية وللإفراج عن السجناء السياسيين، واعتبرها دليلاً على خروجه عن النهج الديني الذي تتبعه الدولة وعلى استهزائه بالفقهاء الدينيين. أصبحت هذه القوانين الأداة التي تستخدمها الدولة لفرض تعريفها للدين وإحكام سيطرتها. يجري إقصاء المجموعات أو الأفراد غير المرغوب فيهم سياسياً، عبر تصويرهم بأنهم خوارج أو متطرفون دينياً، والدولة هي صاحبة السلطة الحصرية على الدين.

كذلك ساهمت المحاولات السعودية من أجل التصدّي للنفوذ الإيراني في المنطقة في زيادة حدّة المنافسة لتحقيق السيطرة الدينية. في آب/أغسطس الماضي، اجتمع أكثر من مئة فقيه سنّي يمني في الرياض تحت رعاية وزارة الشؤون الإسلامية السعودية، وأصدروا بياناً عن الأخلاقيات الإسلامية هدفَ إلى "قطع الطريق على إيران والمناهج الفكرية والدعوية المرتبطة بها". وأعلن الشيخ أبو الحسن مصطفى السليماني، رئيس لجنة وضع مسوّدة البيان، أنه نظراً إلى أن عناصر الاتفاق مستوحاة من القرآن والسنّة، فإن الفقهاء الإسلاميون اليمنيون ملزَمون حكماً بتوقيعه. أضاف أن الاتفاق، وعلى الرغم من أنه أُريد له أن يكون شاملاً، لا يهدف بأي طريقة من الطرق إلى رأب الجسور مع الرافضة، وهو مصطلح غالباً ما يستعمله السلفيون للإشارة إلى الشيعة بطريقة مسيئة، لأنهم حزب "دموي إقصائي، أعداء لكل أمن واستقرار ما دخلوا بلداً إلا أفسدوه، مع مخالفتهم لعقيدة أهل السنة والجماعة وتاريخهم المظلم الأسود عبر التاريخ مع أهل السنة والجماعة ومع بلاد الإسلام والمسلمين". وأعلن أن جميع المسلمين – بما في ذلك أتباع الصوفية والزيدية، وهما المذهبان اللذان ينتمي إليهما الحوثيون – مرحّب بهم للتوقيع على الشرعة، في مؤشر واضح عن ترك الباب مفتوحاً قليلاً أمام الحوثيين للانضمام إلى الميثاق باعتبارهم مرؤوسين "تائبين" في ظل الرعاية السنّية.

فيما تحاول السعودية إعادة صوغ روايتها الدينية السلفية بحسب احتياجاتها السياسية، يبدو أن بلداناً أخرى قلقة من التأثير المتزايد للسلفيين تتصدّى لتلك الجهود. فقد سعى مؤتمر انعقد مؤخراً في غروزني في الشيشان في 25-26 آب/أغسطس الماضي إلى وضع تعريف جديد رداً على السؤال "من هم أهل السنّة والجماعة؟" واعتبرت مؤسسة طابة التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقراً لها وهي الجهة المنظِّمة للمؤتمر، أنه مجهود ضروري في وقتٍ تُبذَل فيه "محاولات اختطاف لقب ’أهل السنة والجماعة‘ من قبل طوائف من خوارج العصر والمارقين والعابثين بالشريعة المطهّرة الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي". شارك أكثر من مئتَي فقيه إسلامي من مذاهب سنّية مختلفة في المؤتمر، بينهم علي جمعة، مفتي الديار المصرية سابقاً. وقد شمل التعريف الذي ورد في البيان الختامي الصادر عن المؤتمر جميع المجموعات التي تُعرِّف عن نفسها بأنها سنّية، ما عدا السلفيين، وامتداداً الوهابيين، وهي الفرقة الدينية المسيطِرة في السعودية. وأوحى البيان انتقادات غير مباشرة إلى السلفية السعودية على ما تُظهره من عنف مذهبي وتعصّب ديني من خلال إقصاء المجموعات السنّية التي لا تنسجم مع منهج الدولة السلفي. كما كان متوقّعاً، شنّ كبار العلماء في السعودية – فضلاً عن السلفيين والإخوان المسلمين والأزهر – سيلاً من الانتقادات الشديدة لما اعتبروه تدخّلاً روسياً في السياسة الإقليمية عن طريق الدين، وخيانةً من الفقهاء المصريين لمموّليهم السعوديين، واتهاماً ضمنياً للسلفيين بأنهم من الخوارج.

تستند رؤية 2030 التي وضعتها السعودية إلى مكانة المملكة التاريخية بوصفها مهد الدين الإسلامي، وبالتالي تصورها كقائدة للعالم الإسلامي السنّي. وقد ساهم الاستثمار في المؤسسات ومؤسسات المجتمع الديني، محلياً ودولياً على السواء، طوال عقود من الزمن، في التأثير إلى حد كبير في تلك الهوية وترسيخها. من المستبعد إجراء إصلاح ديني أعمق في حال كان يتعارض مع الدور القيادي السنّي الذي تتصوّره السعودية لنفسها، لا سيما في الوقت الراهن حيث يغذي التناحر الطائفي الإقليمي الطموحات السياسية في عالم متغير. سيبقى النهج الأكثر احتمالا للإصلاحات الدينية في السعودية هو عبر التعامل الجزئي معها وذلك لتحييد الأخطار المؤقتة وإدماج قطاعات مجتمعية جديدة وإعادة تشكيل الهوية الدينية المصنوعة عبر عقود في هيئة أكثر حداثة.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

هالة الدوسري كاتبة سعودية وباحثة زائرة في معهد الخليج العربي في واشنطن.​