أثنى العديد من المراقبين الدوليين، في وقت سابق هذا العام، على المغرب لنجاحه في خفض مختلف أشكال الدعم الحكومي للمحروقات في العام 2015، ماأتاح ادخّار مبالغ مالية كبيرة من دون التسبب بأي اضطرابات اجتماعية. اتُّخِذ هذا القرار في العام 2008 في عهد الحكومة السابقة، وجاء رداً على الارتفاع التاريخي في أسعار النفط (نحو مئة دولار للبرميل الواحد)، الذي جعل المغرب يتكبّد تكاليف أكبر لتأمين احتياجاته في مجال الطاقة التي يعتمد 90 في المئة منها على الواردات. يقوم نظام الدعم الحكومي، المعروف أيضاً بـ"نظام المقايسة"، على ضبط الأسعار في المصدر، أي إن الدولة تسدّد الفارق بين الأسعار في أسواق السلع الدولية والأسعار المعتمدة محلياً قبل وصول السلعة إلى السوق. خلال الأعوام التي شهدت ارتفاعاً غير معهود في أسعار النفط، بلغت حصة الدعم الحكومي للمحروقات 6.6 في المئة من موازنة الدولة في العام 2012، وساهمت إلى حد كبير في العجوزات في الموازنات السنوية.

بدأت المرحلة الأولى في البرنامج الذي أطلقته الحكومة لخفض الدعم الحكومي في العام 2012، وبلغت محطتها الأساسية الأولى في العام 2015، على الرغم من المخاوف التي ظهرت بدايةً من ردود الفعل لدى الرأي العام ومن التهديدات الأولية التي صدرت عن نقابات قطاع النقل باللجوء إلى التحرك في العام 2013. وقد ساهمت عوامل عدّة بالانتقال السلس نسبياً. أولاً، اتبعت الحكومة مقاربة حذرة عبر خفض الدعم تدريجاً على امتداد سنوات عدة. ثانياً، أطلقت حملات للتوعية العامة، وتعهّدت باعتماد إجراءات خاصة كي تُفيد منها الجهات الاقتصادية. وقد تحدث رئيس الوزراء الإسلامي عبد الإله بنكيران مدافعاً عن هذه الخفوضات وعن الحاجة إليها. أخيراً، وقد يعتبرها البعض مسألة أكثر جوهرية، أفادت السلطات من ضربة حظ مؤاتية تمثّلت في انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية. بالكاد شعر المستهلكون بتأثير الخفوضات التي طالت الدعم الحكومي لقطاع الطاقة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاقتصاد (على الرغم من التخطيط الحكومي لخفض حجم الاقتصاد)، ويبدو أن الشكاوى الوحيدة كانت مستندة إلى مجرد مراقبات غير مثبَتة.

أصدرت وزارة المال المغربية تقريراً مهماً في تموز/يوليو تضمّن تقويماً لـ"إصلاح نظام المقايسة" وعرضاً لمنافعه المادّية. أولاً، تمكّنت الحكومة من خفض إنفاقها على الدعم من 56.6 مليار درهم (5.8 مليارات دولار أميركي) في العام 2012 إلى 32.7 مليار درهم (3.4 مليارات دولار) في العام 2014، ومن توفير مبلغ 12.25 مليار درهم إضافي في العام 2015. على سبيل المقارنة، شكّلت كلفة المقايسة في العام 2012 نسبة 106 في المئة من موازنة الدولة الاستثمارية، أو 56 في المئة من مجموع الرواتب الحكومية. أتاح هذا الإصلاح أيضاً للمغرب تحسين صورته في أوساط شركائه الاقتصاديين الدوليين، بما في ذلك المؤسسات المالية والدائنون؛ في الواقع، وافق صندوق النقد الدولي في 22 تموز/يوليو الماضي على منح المغرب قرضاً قدره 3.47 مليارات دولار في إطار "خط الوقاية والسيولة"، وهي صيغة مخصّصة لدعم "الدول الأعضاء ذات الأسس الاقتصادية السليمة والرصيد القوي في تطبيق السياسات إنما التي تعاني من بعض نقاط الضعف". أخيراً، اتخذت الحكومة المغربية خطوات استباقية لرفع التحديات المستقبلية في مجال الطاقة عبر تحويل تركيزها من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، لاسيما غداة إطلاق محطة نور للطاقة الشمسية في شباط/فبراير 2016. عندما تبدأ المحطة العمل بكامل طاقتها، سوف يتمكّن المغرب من تلبية 30 في المئة من احتياجاته في مجال الطاقة، مايؤدّي إلى الحد من اعتماده على واردات النفط والاستجابة للزيادة في الطلب جراء تنامي طموحاته الصناعية. 

على الرغم من هذه الجوانب الإيجابية، لم يشمل إصلاح الدعم الحكومي لمصادر الطاقة غاز البوتان، مع العلم بأن خفض الدعم لغاز البوتان سوف يكون مشمولاً في المرحلة اللاحقة. تُستخدَم أسطوانات الغاز في مختلف أنحاء البلاد لأغراض الطهو (وأحياناً الإنارة). يدفع المستهلك 42 درهماً (4 دولارات أميركية) ثمن أسطوانة الغاز العادية، أما الآن فسوف يصل ثمنها إلى نحو 120 درهماً (12 دولاراً) في غياب الدعم من الدولة الذي وصل إلى 13.3 مليار درهم (1.4 مليار دولار) في العام 2014، وهذا مبلغ لايُستهان به.

استهدفت المرحلة الثانية من خفوضات الدعم الحكومي، التي كان مقرراً في البداية أن تمتد من 2015 إلى 2017، سلعاً منزلية أساسية (السكر والطحين الأبيض وغاز البوتان)، لكن أُرجِئ تنفيذها. تشكّل هذه السلع حجر الأساس في الاستهلاك، وتحول أسعارها المدعومة من الحكومة دون وقوع الشرائح الاجتماعية الفقيرة في براثن الفقر المدقع؛ لذلك فإن أي خفوضات في منظومة الدعم الحكومي المطبّقة حالياً تتطلّب حذراً شديداً تفادياً لاندلاع أعمال شغب كما حدث في الدار البيضاء في العام 1981. السبب وراء الجمود الحالي في تنفيذ هذه المرحلة يعود إلى تأثير الرأي العام، وعدم رغبة حزب العدالة والتنمية وسواه من الأفرقاء السياسيين في إثارة الاستياء في صفوف الطبقات الاجتماعية الفقيرة.

ردّت الحكومة المغربية، في خطوة غير معهودة، على الشائعات التي جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصحف عن خفوضات وشيكة، فأصدر المسؤولون بيانات نفي أو سعوا إلى ضبط النقاش. في العام 2013، نقل مقال أوردته وكالة رويترز عن محمد نجيب وليف، وزير الشؤون العامة والحكامة، قوله بأنه سيتم خفض الدعم الحكومي قبل حلول شهر رمضان، ماأثار بعض الهلع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودفع بالمسؤولين إلى نفي الأمر. وفي شباط/فبراير 2015، انتشرت شائعات مماثلة عن غاز البوتان، وذلك من خلال مجلة "تيل كيل" الأسبوعية النافذة التي أعلنت عن خفوضات في الدعم الحكومي، فبادر محمد الوفا، وزير الشؤون العامة والحكامة، على الفور إلى نفيها. وقد أعلن بنكيران، في مقابلة تلفزيونية في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، أنه سيتم خفض الدعم الحكومي للسكر على امتداد ثمانية عشر شهراً، إنما ليس الدعم لـ"قوالب السكر" التي تصل زنة الواحد منها إلى كيلوغرامَين (4.4 باوندات) وتُستخدَم تقليدياً في المنازل في مختلف أنحاء البلاد. غير أن هذه المداخلات عبر وسائل الإعلام لم تعالج المسألة بوضوح كافٍ، وتكشف السهولة التي انتشرت بها الشائعات عدم ثقة الناس بقيادتهم السياسية.

في غضون ذلك، يطالب خبراء أكاديميون ومجموعات عمل برلمانية وحتى مسؤولون في الحكومة والدولة بتطبيق إصلاحات. ثمة إجماع عام بأن المنظومة الحالية القائمة على ضبط أسعار السلع الأساسية في المصدر، مصممة بطريقة سيئة ولاتخدم هدفها الأساسي المتمثل بتحفيز الاستهلاك. فهي تعود بالفائدة، بطريقة غير متكافئة، على الفئات الاجتماعية الأكثر ثراء وعلى صناعة المواد الغذائية فيما تتسبّب باستنفاد شديد لموارد الدولة لأن هذه الأخيرة تصبح تحت رحمة الأسعار الدولية والنزعات الاستهلاكية المحلية، بحسب الخبير الاقتصادي المغربي محمد بن طاهر. في العام 2014، بلغت قيمة الدعم الحكومي للسكر 3.5 مليارات درهم (360 مليون دولار)، والدعم الحكومي للطحين مليارَي درهم (200 مليون دولار)، فضلاً عن الدعم لغاز البوتان، في حين لايزال المغرب يشغل مراتب متدنّية في تصنيفات التنمية البشرية، لاسيما في مايتعلق بمؤشرات اللامساواة والدخل.

أكّدت سليمة بناني، مديرة صندوق المقاصة في المغرب، مؤخراً أنهم يتطلعون إلى استبدال التعويض الشامل بتخصيص أموال نقدية استهدافية لشرائح السكان الأكثر هشاشة عبر دراسة تجارب البرازيل والمكسيك والهند وجنوب شرق آسيا. ولفتت إلى أنه سيتم استخدام الأموال التي يجري ادّخارها جراء خفض الدعم الحكومي من أجل دعم برامج أكثر فائدة، مع العلم بأن ذلك لم يتجلَّ بعد بوضوح في موازنات الدولة الأخيرة. علاوةً على ذلك، ينبّه العديد من الخبراء المغاربة، مثل هشام الموسوي، إلى أن استبدال الدعم الحكومي بأموال نقدية استهدافية سيؤدّي إلى إضعاف النصف السفلي من الطبقة الوسطى، وزيادة الديون، وإضعاف الاقتصاد.

على الرغم من هذه المخاطر والتأجيلات الراهنة، تشكّل تصريحات سليمة بناني وسواها من المسؤولين في الدولة مؤشراً أكيداً على أن هذا المسار سيُستأنَف بطريقة حاسمة خلال الأشهر المقبلة. ثمة إجماع بأن هذه المسألة ستكون من مسؤولية الحكومة العتيدة التي ستبصر النور بعد انتخابات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وبأن الإصلاحات ستُنفَّذ، بغض النظر عن تركيبة الحكومة، نظراً إلى التزامات المغرب الشاملة تجاه المؤسسات المالية الدولية. ففي مختلف الأحوال، يسعى حزب العدالة والتنمية، على الرغم من قاعدته الشعبوية، إلى تنفيذ أجندة ليبرالية راسخة. لقد ناقش البرلمان المغربي بإيجاز تقريراً حول هذه المسألة في حزيران/يونيو 2016، مايؤشّر إلى أن الرزمة الإصلاحية قد وُضِعت وإلى أن تطبيقها ينتظر فقط التوقيت المناسب – وهذا يفسّر الثقة التي دفعت بصندوق النقد الدولي إلى تقديم قرض إلى المغرب. إلا أنه لاتتوافر معلومات واضحة للأفرقاء الاقتصاديين والسكان حول الأطر الزمنية لتطبيق الإصلاح، على الرغم من أنه ستكون له تأثيرات عملية على شرائح سكانية أساسية.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

إدريس جباري زميل أبحاث مابعد الدكتوراه في المجلس العربي للعلوم الاجتماعية يُعنى بدراسة التغيير الاجتماعي والثقافي في شمال أفريقيا.​