تهيّئ الحكومة الأردنية الساحة للانتخابات التشريعية في 20 أيلول/سبتمبر المقبل عبر معالجة التفاوت في عدد المقاعد التي يفوز بها مرشّحو الأحزاب السياسية في مقابل مرشّحي العشائر، إنما من دون تعزيز نفوذ الإخوان المسلمين. ويسعى الإخوان، إدراكاً منهم للتحديات، إلى تشكيل تحالفات انتخابية مع العشائر لزيادة شعبيتهم. وهكذا قد تصبح الانتخابات في نهاية المطاف استفتاء على المناورة التي تقوم بها الدولة لإضعاف الإخوان عبر تمكين الإسلاميين الموالين للبلاط الملكي.

نظراً إلى محدودية السلطات الدستورية التي يتمتع بها مجلس النواب الأردني، دوره في النقاشات العامة – حيث يحدّد النواب طابع الخطاب السياسي – أكثر أهمية من دوره كهيئة تشريعية. ومايزيد من حدّة هذا الضعف هو الطريقة التي يُنتخَب بها مجلس النواب. ففي كل انتخابات، يكون توزيع المقاعد منحازاً لصالح المناطق الريفية بهدف منح العشائر في الضفة الشرقية عدداً أكبر من النواب على حساب الأحزاب السياسية. وتُفيد هذه العشائر، بطريقة غير متكافئة، من التوظيف في القطاع العام، وأفضلية القبول في الجامعات، والإنفاق على المشاريع. وقد تسبّب نظام "الصوت الواحد" المطبق منذ العام 1993 رداً على فوز الإخوان في الانتخابات، بمزيد من الإقصاء للأحزاب، لأن المواطنين يميلون إلى التصويت لمرشّحي العشائر. وهكذا سيطرت أكثرية عشائرية على البرلمانات التي كانت لديها مصلحة في الإبقاء على الخلل البنيوي.

وقد سعى قانون الانتخابات الأخير إلى معالجة هذا التفاوت عبر إلغاء المقاعد التي يتم انتخابها عن طريق النظام النسبي على مستوى البلاد، وإنشاء نظام نسبي جديد على مستوى الدوائر ومستند إلى التحالفات الانتخابية المحلية. سوف يتألف البرلمان من 130 مقعداً (115 للدوائر الانتخابية و15 مقعداً للكوتا النسائية). وفي كل دائرة، على الناخبين أن يختاروا أولاً قائمة انتخابية، ثم لديهم الخيار للتصويت لمرشح أو أكثر في تلك القائمة.

لكن ذلك لايُغيّر احتمال الحصول على أكثرية غير سويّة من النواب من المناطق الريفية. فتوزيع المقاعد الذي لم يكن جزءاً من قانون الانتخابات لكنه نُشِر لاحقاً على حدة في مرسوم تنفيذي، لايزيد من نسبة التمثيل سوى بمقدار ضئيل بالمقارنة مع العام 2013. على سبيل المثال، وبحسب الإحصاء السكّاني الرسمي الجديد، تضم العاصمة عمان 38.6 في المئة من المواطنين الأردنيين، لكن عدد المقاعد المخصصة لها في مجلس النواب هو 29 من أصل 130 (22 في المئة)؛ ولدى إربيد 20 في المئة من السكان إنما 20 مقعداً (15 في المئة)؛ والزرقاء 14 في المئة من السكان إنما 13 مقعداً (10 في المئة). في المقابل، ثمة فائض في تمثيل المناطق ذات الكثافة العشائرية بمعدّل الضعف تقريباً. فمحافظة الكرك تضم 4 في المئة من السكان، إنما لديها 11 مقعداً في مجلس النواب (9 في المئة)، والعديد من المحافظات ممثَّل بخمسة مقاعد (4 في المئة من مجموع المقاعد) مع العلم بأن نسبة السكان أقل بالمقارنة: جرش (2.5 في المئة)، ومعان (1.9 في المئة)، ومادبا (2.4 في المئة)، والمفرق (4.8 في المئة)، والطفيلة (1.4 في المئة)، وعجلون (2.4 في المئة). وتُخصَّص أيضاً أربعة مقاعد لكل واحدة من المناطق البدوية التي تضم مجتمعةً نحو واحد إلى اثنين في المئة من السكان، مايعني أن هؤلاء الناخبين يقترعون لـ12 مقعداً، أو نحو عشرة في المئة من مقاعد مجلس النواب.

لطالما كانت النظرة السائدة أنه ثمة حاجة إلى أحزاب أقوى كي يكون البرلمان أكثر فعالية، لكن يبدو أننا أمام واقع مختلف. فقد برّر رئيس الوزراء عبدالله النسور إلغاء المقاعد المنتخَبة عن طريق النظام النسبي على صعيد البلاد، والتي أُدرِجت في قانون 2013 وتمنح الأفضلية للأحزاب على حساب مرشّحي العشائر، معتبراً أن إنشاء الدوائر النسبية يعوِّض عنها. لكن يبدو الآن أن ذلك قد يقود إلى تحالفات بين الأحزاب والشخصيات العشائرية – مع العلم بأن هذه الأحزاب والعشائر ترشّحت سابقاً في مواجهة بعضها البعض – مايقضي على الأجندات السياسية للأحزاب، نظراً إلى أنه جرى تأطير الحملات الحزبية بطريقة تؤدّي إلى تجنّب النقاشات الفعلية. فضلاً عن ذلك، يعني التمثيل النسبي على مستوى الدوائر، من دون منح مقاعد إضافية للحزب المتصدّر، أن مجلس النواب سيكون منقسماً على الأرجح من جديد بسبب سلسلة من التحالفات الصغيرة إلى المتوسطة الحجم.

النزعة الأساسية هي تعيين مرشح قوي على رأس اللائحة، أما المقاعد المتبقّية فيتم ملؤها بواسطة مرشحين أقل شأناً دورهم هو حمل أنصارهم المحليين على التصويت للقائمة في مقابل بعض الخدمات أو التعويضات، القانونية أو غير ذلك. بات هؤلاء المرشحون يُعرَفون بـ"الحشوات". لكن بما أن هناك 230 قائمة يتنافس من خلالها 1293 مرشحاً على 130 مقعداً فقط، قلة من القوائم تستطيع أن تتوقّع فوز أكثر من مرشح واحد، المرشح الأول في القائمة، من صفوفها. علّق النائب السابق محمد زريقات مؤخراً عبر برنامج "نبض البلد" الذي تبثه قناة "رؤيا" التلفزيونية، أنه بدلاً من "شراء الضمائر" – في إشارة إلى شراء الأصوات – أضحت الممارسة الشائعة الآن شراء المرشحين الأدنى رتبة في القوائم نظراً إلى الثقل الذي يضيفونه إليها.

وهكذا لاترشّح جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، أشخاصاً باسمها، بل في إطار تحالف واسع يُعرَف بالتحالف الوطني للإصلاح. بعد مقاطعة الجبهة للانتخابات في الدورتَين الأخيرتين، حظي هذا التحالف بتغطية إعلامية أكبر بأشواط من أي تحالف آخر، ومن أصل مجموع القوائم المشار إليه آنفاً، لدى جبهة العمل الإسلامي 20 قائمة مع 122 مرشحاً. وفي مثال عن "الحشوات"، رشّح تحالف جبهة العمل الإسلامي الوزير السابق عبدالله العكايلة الذي أقنعوه، بحسب ماأُفيد، بالترشح في عمان (وليس في الطفيلة، مسقط رأسه)، بعدما طمأنوه إلى تحقيق نصر كاسح في العاصمة. تتوقّع الجبهة حصد عدد كبير من أصوات العشائر في الجنوب بفضل ترشيح العكايلة. وكذلك تخلّى قادة الجبهة عن الشعار الذي لطالما رفعوه، "الإسلام هو الحل"، واستبدلوه بمواضيع وشعارات فضفاضة، مع ضم مرشحين من العشائر ومرشحين للمقاعد المخصصة للشركس والشيشان وحتى المسيحيين، إلى قوائمهم. سوف ترتكز حملة التحالف على "بناء التوافق الوطني وتعزيز مفهوم اللحمة الوطنية"، كما جاء على لسان محمد الزيود، أمين عام جبهة العمل الإسلامي.

يترشح الإسلاميون المناوئون للجبهة في قوائم أصغر حجماً إنما لافتة أيضاً، ولعل أداء الإسلاميين الموالين للنظام الملكي بالمقارنة مع أداء التحالف الذي يضم جبهة العمل الإسلامي، سيكون النتيجة الأهم التي يمكن أن تسفر عنها هذه الانتخابات. يرشّح حزب الوسط الإسلامي الذي انشقّ عن الإخوان في العام 2001 ونال 16 مقعداً في انتخابات 2013 (العدد الأكبر بين مختلف القوائم)، 14 قائمة مع 84 مرشحاً، مع العلم بأن 23 منهم فقط أعضاء في الحزب. على غرار جبهة العمل الإسلامي، ضم حزب الوسط الإسلامي مرشحين من العشائر إلى قوائمه، حتى إنه أعلن أنه لن يستخدم اسمه على أي من القوائم "لاعتبارات انتخابية وعشائرية". كما أن جمعية جماعة الإخوان المسلمين التي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين في آذار/مارس 2015 وحصلت على اعتراف رسمي بملكيتها لعقارات الإخوان المتنازَع عليها في العقبة وعمان، تترشّح على إحدى القوائم مع الجناح السياسي لمبادرة زمزم، وهي عبارة عن مجموعة من النشطاء الإخوانيين الذين شاركوا في انشقاق جمعية جماعة الإخوان المسلمين.

قد يُنظَر إلى جمعية جماعة الإخوان المسلمين ومبادرة زمزم بأنهما مجموعتان إسلاميتان مدعومتان من النظام. تحدّث رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، الذي تشكّل عائلته حصناً للنظام الملكي ولايُعرَف عنها انتماؤها إلى الإسلام المتشدد، خلال مؤتمر إطلاق حزب الوسط الإسلامي، ونقل موقع "عمون" الإخباري عن أمين عام الحزب، مدالله الطراونة، تشديده على "وقوف الحزب مع جلالة الملك في توضيح صورة الإسلام النقية والدفاع عنه". لذلك ليس مفاجئاً أن الحزب والنظام الملكي حليفان بمعنى من المعاني، وقد صرّح الطراونة أن حزب الوسط الإسلامي متحالف مع مبادرة زمزم في دوائر انتخابية حيث لم تقدّم هذه الأخيرة مرشّحين. 

يبدو أن الكوتا النسائية، التي يُراد من خلالها زيادة نسبة النساء في المناصب المنتخَبة، تولّد نوعاً من الانتخابات الموازية حيث تخوض النساء منافسة في مابينهن. فقد أشار تقرير صدر الشهر الماضي عن تحالف "عين على النساء"، وهو عبارة عن منظمة نسائية أردنية، إلى أن القوائم الـ230 رشّحت 258 امرأة، وبما أنه في 198 قائمة، اقتصر عدد النساء المرشحات على امرأة واحدة، تتنافس النساء إلى حد كبير على الكوتا، وليس في الانتخابات العامة.

ركّزت معظم الحملات، على غرار حملة جبهة العمل الإسلامي، على شعارات غامضة تتعلق بـ"الوحدة الوطنية" و"القضية الفلسطينية" من دون برنامج واضح – على الرغم من بعض الاستثناءات، والتي يجسّدها في شكل خاص أفراد من ذوي الخلفية في القطاع الخاص. نظراً إلى محدودية الصلاحيات التي يتمتع بها البرلمان والتأثير التشويهي الذي يمارسه توزيع المقاعد، لعل المغزى الأساسي لهذه الانتخابات هو أنها ستشكّل استفتاء على الجهود التي تبذلها الدولة لإضعاف الإخوان المسلمين. إذا نجح التحالف "الإصلاحي" الذي يقوده الإخوان بسهولة في هزم الإسلاميين المنضوين إلى جانب النظام، فسوف يسدّد ذلك ضربة قوية للمؤسسة الحاكمة.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل مدير شركة Utica Risk Services المتخصصة في تقويم المخاطر السياسية في الشرق الأوسط.