على النقيض من انتخابات 2011 التي جلبت حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في المغرب، تبدو الانتخابات التشريعية التي ستجرى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر المقبل خالية من المفاجآت، على الأقل ظاهرياً. أبعد من المنافسة الشديدة بين حزب العدالة والتنمية وخصمه الأساسي، حزب الأصالة والمعاصرة العلماني، تؤشر الانتخابات إلى حد كبير في اتّجاه تطبيع مرحلة مابعد 2011. فالخصومة التي طغت على النقاش العام، تحجب مسائل اجتماعية واقتصادية مهمة إنما عالقة ترزح البلاد تحت وطأتها منذ زمن بعيد.

يحجب هذا الاستقطاب أيضاً الطبيعة الزبائنية وغير الأيديولوجية التي تتّسم بها إلى حد كبير معظم الأحزاب السياسية المغربية. فعلى سبيل المثال، على مشارف انتخابات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، نجح كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة في الحصول على الدعم من أحد الأحزاب الاشتراكية: حزب التقدم والاشتراكية في حالة الأول، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الديمقراطي الاجتماعي في حالة الثاني. أما معظم الأحزاب الأخرى فتنتظر النتائج النهائية للانتخابات كي تتفاوض على مشاركتها مع الفائز في ائتلاف حاكم، نظراً إلى أن المادة 47 من دستور 2011 تنص على قيام الملك باختيار رئيس الوزراء من الحزب الأكبر في البرلمان.

تعمد هذه الأحزاب، إدراكاً منها لمحدودية قوتها الانتخابية، إلى إعادة تفعيل شبكات العضوية والمحسوبيات التابعة لها عبر قطع وعود انتخابية يصعب عليها تنفيذها والتشدد في خطابها، فيما تشير بهدوء إلى قربها النسبي إما من حزب العدالة والتنمية وإما من حزب الأصالة والمعاصرة من دون استبعاد أية خيارات. على سبيل المثال، يتواجد التجمع الوطني للأحرار، وهو حزب وسطي، في الحكومة بصورة شبه مستمرة منذ تأسيسه في العام 1978، وغالب الظن أنه سينضم إلى الحكومة العتيدة بغض النظر عن هوية الفائز. ويعتمد الاتحاد الدستوري، وهو أيضاً حزب وسطي موالٍ بشدّة للنظام الملَكي، موقفاً أكثر صدامية تجاه حزب العدالة والتنمية، ومن غير المرجّح أن ينضم إلى الحكومة في حال كان النصر حليف الإسلاميين. ويتبنّى حزب وسطي ثالث، الحركة الشعبية، موقفاً أكثر تعاوناً تجاه حزب العدالة والتنمية، وقد وافق في المبدأ على أن يكون جزءاً من الحكومة العتيدة في حال حقّق الإسلاميون الفوز؛ إلا أنه يُرجَّح أيضاً أن تُبقي هذه الأحزاب خطوط التواصل مفتوحة مع حزب الأصالة والمعاصرة في حال فاز في الانتخابات. أخيراً، أشار حزب الاستقلال القومي، الذي كان عضواً في الائتلاف الحاكم الأول لحزب العدالة والتنمية، إلى قربه من هذا الأخير واستعداده للعمل معه من جديد، بعدما قام بإصلاح ذات البين معه، بعد مرحلة تصدّعت فيها العلاقات بين الحزبَين مع انضمام حزب الاستقلال إلى المعارضة لبضع سنوات. للوهلة الأولى، يبدو وكأن هذه المواقف تحبّذ حزب العدالة والتنمية على حساب حزب الأصالة والمعاصرة – لكن إذا فاز هذا الأخير في الانتخابات، سوف ينخرط عدد كبير من هذه الأحزاب الموالية رسمياً للإسلاميين (مثل الحركة الشعبية وحزب الاستقلال) في المفاوضات للانضمام إلى الحكومة العتيدة.

تحدّثت وسائل الإعلام المحلية على نطاق واسع عن حياد الملك محمد السادس في هذه العملية الانتخابية، غير أن ذلك ليس مؤشراً عن أن الانتخابات ستكون حرة ونزيهة، بل يعني أن هذه الجولة غير ذي أهمية في تقسيم العمل المؤسساتي في المغرب. فالملك هو بحكم الأمر الواقع صانع القرارات الحصري في سلسلة من المسائل الاستراتيجية والطويلة الأمد، والتي تتراوح من السياسة الخارجية إلى مشاريع البنى التحتية الكبرى والوضع القانوني للصحراء الغربية. في كل المسائل الأخرى (القصيرة الأمد عادةً)، مثل السياسة المالية، والمواصلات، والسياحة، لدى البرلمان والحكومة حرية اختيار السياسات شرط أن تتوافق قراراتهما مع النهج المفضّل لدى النظام الملكي. عندما تتصادم هذه السياسات مع الخطوط الحمراء التي وضعها النظام الملكي، على الحكومة أن تتراجع عنها. هذا ماحدث عندما حاولت الحكومة معالجة مسألة الريع الاقتصادي أو تعزيز الشفافية والمنافسة، مثلاً في آلية توزيع التراخيص في قطاعَي استخراج الرمال والمواصلات. وليس أي حزب من الأحزاب الأساسية مستعداً لتحدّي هذه التدابير.

على ضوء ماتقدّم، ليس مفاجئاً أن هناك إجماعاً واسعاً في أوساط الطبقة السياسية حول المسائل الأساسية في السياسات. فباستثناء الحملة الهادفة إلى تقنين زراعة القنّب، التي يدعمها حزب الأصالة والمعاصرة، يتفق هذا الأخير مع منافسه، حزب العدالة والتنمية، على الأهداف الطويلة الأمد في البلاد. الاختلافات سطحية إلى حد كبير: فعلى سبيل المثال، يسلّط حزب العدالة والتنمية الضوء على التزامه بتعزيز الديمقراطية ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية المطبقّة منذ العام 2011 (من دون تحديد الإجراءات التي سوف تُتَّخَذ لدعم هذه الأهداف)، فيما يشدّد حزب الأصالة والمعاصرة على أنه يسعى إلى تسريع وتيرة التصنيع والنمو الاقتصادي (لكنه لم يشرح حتى الآن كيف سيتحقق ذلك). وفي مايتعلق بالإجراءات الاقتصادية الأساسية التي اعتمدتها الحكومة الإسلامية في الأعوام الخمسة الماضية، مثل إلغاء الدعم الحكومي بصورة تدريجية وإصلاح نظام التقاعد عبر زيادة سن التقاعد، يعترض حزب الأصالة والمعاصرة على تفاصيل صغيرة فيما يوافق على الإطار العام.

كما أن الإجماع بين الحزبَين الأساسيين يعني أنهما موافقان على عدم التطرق إلى المسائل الاقتصادية البنيوية في المغرب، والتي يُستبعَد بالتالي أن تتم مناقشتها في عهد الحكومة العتيدة. يشير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى ثلاث مشكلات أساسية تقوّض التنمية الاقتصادية في المدى الطويل وتقف خلف التدنّي المستمر في نسب النمو على الرغم من النجاح الواضح للسياسة الاستثمارية. أولاً، تعاني البلاد من انخفاض شديد في مستويات الرأسمال البشري، ونظامها التعليمي هو من الأسوأ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب جميع الدراسات الاستقصائية في هذا المجال. ثانياً، المنافسة قليلة جداً في معظم القطاعات المحلية. فالاقتصاد، بدءاً من قطاع التجزئة مروراً بالمصارف وصولاً إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، يخضع لسيطرة شركات على صلة بالنظام الملكي ودوائره الداخلية، في حين أن الهيئات التي يُفترَض بها السهر على تأمين المنافسة عقيمة لاطائل منها. يؤثّر غياب المنافسة سلباً في الإنتاجية والابتكار في الاقتصاد. أخيراً، تعجز الحوكمة الاقتصادية في المغرب عن ضمان فرص متكافئة للأعمال والشركات التي لاتزال عرضة للتدخلات السياسية. فماعدا التعليم الذي يشكّل استثناء جزئياً في هذا الإطار (حيث هناك توافق تكنوقراطي على وجوب اتخاذ مزيد من الإجراءات لإصلاح هذا القطاع)، تُعتبَر المسائل البنيوية الأخرى من المحظورات في السياسة المغربية، لأنها تلامس مصالح شخصية فضلاً عن الدور السياسي والاقتصادي للنظام الملَكي.

بدلاً من ذلك، يبذل حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التنمية والعدالة جهوداً حثيثة لتسليط الضوء على الاختلافات بينهما عبر تطوير روايتَين متناقضتَين في الظاهر. يحاول حزب الأصالة والمعاصرة ركوب الموجة المناهضة للإسلاميين التي برزت مؤخراً في باقي المنطقة، ويسعى إلى استمالة الناخبين في يسار الوسط بأسلوب شبيه بالحملة الانتخابية الي خاضها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في العام 2014. أما في مايتعلق بحزب العدالة والتنمية، فغالباً مايلمّح رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران إلى أن المقاومة الأساسية التي يواجهها في منصبه هي من الأحزاب الزبائنية الأخرى ومن المحيطين بالملك (رجال الأعمال والصحافيين والوجهاء الذين تجمعهم علاقات وثيقة بالنظام الملكي، فضلاً عن فريق المستشارين النافذ الخاص بالملك محمد السادس والذي هو أشبه بحكومة موازية). يحاول بنكيران الذي غالباً مايستخدم اللهجة المغربية في خطبه، تعبئة الطبقة الوسطى المحافظة والناخبين في المدن عبر تصوير حزب العدالة والتنمية بأنه حزب مناهض للسلطة القائمة. تعكس هاتان الروايتان تناقضاً سوسيولوجياً حقيقياً. فحزب العدالة والتنمية هو حزب مديني بصورة شبه حصرية: إنه يتمتع بشعبية واسعة جداً في أماكن مثل فاس والدار البيضاء والرباط وطنجة وأغادير. بفضل تدنّي نسبة الاقتراع في هذه المدن والتعبئة الشديدة لناخبي حزب العدالة والتنمية، منح هذا الأخير صوتاً للقواعد الناخبة المحافظة وأبناء الطبقة الوسطى الذين لايرغبون في تقويض النظام الملكي لكنهم يطالبون في الوقت نفسه بمزيد من الشفافية وبتحسين الخدمات، وهذا هو السبب وراء جاذبية خطاب بنكيران المناهض للسلطة القائمة: يعتبر عدد كبير من ناخبي حزب العدالة والتنمية أنفسهم جزءاً من طبقة اجتماعية صاعدة (مثلاً مالكي الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم)، تخنقها قبضة النخب التقليدية على السياسة والاقتصاد.

في المقابل، حزب الأصالة والمعاصرة هو حزب ريفي إلى حد كبير يحقق أداء أفضل خارج المدن المغربية الكبرى. في هذه البيئة التي تتّسم بضعف التعبئة العقائدية للناخبين، تؤدّي شبكات المحسوبيات دوراً حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات. تقليدياً، أظهر مالكو الأراضي والوجهاء في الأرياف ميلهم إلى الأحزاب التي يُنظَر إليها بأنها تُقيم الروابط الأقرب مع النظام الملَكي وتستطيع أن تضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي. فرواية الحزب الموالية للنظام الملكي والداعِمة للاستقرار، وروابطه الوثيقة مع المحيطين بالعاهل المغربي، والحضور المتنامي للوجهاء في صفوفه، تستميل أبناء النخب في الأرياف – الذين عانوا من الإصلاحات الضريبية التي يفرضها حزب العدالة والتنمية في القطاع الزراعي منذ العام 2013 – والسلطة القائمة في البلاد التي تحشد الأعداد الكبيرة من الأزلام المحسوبين عليها من أجل التأثير في عملية الاقتراع.

خارج إطار هذين الحزبَين، تؤدّي التشكيلات السياسية والاجتماعية الأخرى دوراً هامشياً. سوف يرشّح اليسار الذي يعاني دائماً من الانقسامات، قائمةً واحدة تحت اسم فيدرالية اليسار الديمقراطي، في حين أن مجموعات أخرى على غرار النهج الديمقراطي ستستمر بمقاطعة الانتخابات التشريعية احتجاجاً على الظروف التي تجري فيها العملية الانتخابية. يبدو اليسار عاجزاً عن توسيع قدرته الاستقطابية خارج نطاق أقلية من المغاربة المثقّفين المقيمين في المدن. أما في مايتعلق بالحركة الإسلامية الأساسية، العدل والإحسان، التي تُعتبَر التنظيم الديني الأكبر في المغرب، فتستمر في انتقاد النظام الملكي، على الرغم من تليين خطابها في الآونة الأخيرة، وبالتالي لاتزال ممنوعة من ترشيح قائمة للمشاركة في الانتخابات. على النقيض، أصبح الدعاة السلفيون موضة رائجة إلى حد ما. فقد حاول حزب العدالة والتنمية ترشيح داعية سلفي مثير للجدل في مراكش، غير أن محافظ المدينة أسقط ترشيحه. كما عرضت أحزاب أخرى، منها حزب الاستقلال والحركة الديمقراطية والاجتماعية، على شخصيات سلفية ترشيحها للانتخابات. وهكذا، فيما يبقى السلفيون على هامش السياسة المغربية، تتنافس الأحزاب الرئيسة للحصول على أصواتهم عبر عرض ترشيحات رمزية عليهم.

سوف تساهم هذه الانتخابات في ترسيخ المظاهر التي توحي بأن الأمور تسير بطريقة طبيعية، مايتناسب مع أهداف النظام الملكي الساعي وراء الاستقرار السياسي، وزيادة الاستثمارات الخارجية، وتحقيق التنمية الاقتصادية في المدى الطويل. ليست نسبة الاقتراع التي يُرجَّح أن تكون متدنّية مصدراً للقلق، إذ إنه بإمكان النظام الملكي أن يصوّر الاستقطاب في منظومة الأحزاب السياسية – والإشراك الناجح لحزب إسلامي – بأنه مؤشّر عن عملية الدمقرطة الجارية حالياً في البلاد بعد إقرار التعديلات الدستورية في العام 2011. غير أن مسائل سياسية واقتصادية أعمق تبقى خارج نطاق السباق الانتخابي الراهن، على الرغم من أهميتها في الحياة السياسية والاقتصادية المغربية. فالملك لايزال يمارس درجة من السلطة والنفوذ تتسبّب بكبح التطور الديمقراطي في البلاد، ويستمر الدائنون المتعددو الأطراف في الإشارة إلى محدوديات النموذج الاقتصادي للمغرب، إلا أن أياً من الأفرقاء السياسيين لايبدي استعداداً لمعالجة هذه المشكلات.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ريكاردو فابياني محلل لشؤون بلدان شمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا.