بذلت الجزائر جهوداً دؤوبة على مشارف اجتماع منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبيك) في 27 أيلول/سبتمبر الجاري، من أجل التوصّل إلى اتفاق بين الدول الأعضاء، لاسيما السعودية وإيران، بغية تجميد مستويات إنتاج النفط الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي، في المبدأ، إلى ارتفاع الأسعار إلى مالايقل عن 50 دولاراً للبرميل. لدى الجزائر مصلحة في رفع أسعار النفط: فقطاع المواد الهيدروكربونية يشكّل 95 في المئة من صادراتها، ومنذ الهبوط الشديد في الأسعار في العام 2014، انخفضت إيراداتها الخارجية إلى النصف، مايسبّب مشكلة كبيرة للقادة الجزائريين الذين يعتمدون على العائدات النفطية الضخمة للاستمرار في تمويل برنامج الرعاية الاجتماعية السخي (والباهظ الكلفة) والنموذج الاقتصادي المركزي. وقد حذّر المراقبون من سيناريو مشابه لماحدث في العام 1988، عندما واجهت الدولة التي كانت تعاني من ضائقة مادّية نقصاً في السلع الأساسية، ماأدّى إلى اندلاع اضطرابات اجتماعية كبرى.

على الرغم من التغطية الإعلامية الواسعة لاجتماع منظمة أوبيك، لم تضع القيادة الجزائرية كل رهاناتها في سلّة تحقيق معافاة مفاجئة ومستبعَدة في أسعار النفط لإنقاذها من مأزقها. واقع الحال هو أن الاجتماع بدا منفصلاً عن استراتيجية المعافاة الاقتصادية التي انتهجتها الجزائر خلال الأشهر الـ24 الماضية. فمنذ انحفاض أسعار النفط في العام 2014، اتّبعت القيادة الجزائرية ثلاث مقاربات: سلكت مساراً آمناً ومطمئِناً عبر اتباع مقاربة "لننتظر ونرَ"، انطلاقاً من توقّعها حدوث ارتفاع جديد في الأسعار الدولية، ثم أعقبته مرحلة من الإجراءات التقشفية في العام 2015، ومؤخراً، جرى الإعلان عن خطة طموحة للتنويع الاقتصادي. في البداية، اختارت الدولة الانتظار أملاً في أن تنقضي مرحلة الانخفاض في الأسعار، وعوّلت على الاحتياطي الحكومي الذي كان يبلغ 179 مليار دولار في نحاية العام 2014، لمعالجة العجوزات في الموازنة والميزان التجاري التي بلغت بينها 24 مليار دولار في العام 2014. لم تتغيّر النزعات الاستهلاكية، ولاالمواقف الرسمية، غير أن المؤسسات الخارجية بدأت تدقّ ناقوس الخطر، ماأرغم السلطات على تغيير موقفهم. 

في العام 2015، بدا أن القيادة الجزائرية تغيّر مسارها، بعدما أدركت أن "الحالة السوّية الجديدة" سترسو على 40 دولاراً للبرميل. بدأ البنك الدولي وسواه من المراقبين الخارجيين تسليط الضوء على المخاطر التي تواجهها المالية الجزائرية، لاسيما وأن الدولة الجزائرية تحتاج إلى أن يكون سعر برميل النفط 115 دولاراً كي تتساوى الإيرادات مع النفقات. لقد واجهت الدولة ضغوطاً مالية هائلة لتثبيت عملتها وتجنُّب حدوث ارتفاع شديد في الأسعار. ومع استمرار السلطات الجزائرية في رفض الاستدانة من الخارج، اختارت اتخاذ إجراءات تقشفية حازمة من أجل الحفاظ على احتياطاتها بالعملات الأجنبية لتسديد ثمن وارداتها الكبيرة من السلع الغذائية الاستهلاكية. تصدّر الجزائر كميات قليلة جداً من المواد غير الهيدروكربونية وقطاعها الزراعي ضعيف. تؤمّن الاحتياطات بالعملات الأجنبية أداة مناسبة، ولو مؤقتة، للتخفيف من الصدمة والحفاظ على التوازن المالي، مع الإشارة إلى أن الهدف من التقشف هو جعل الاحتياطات تدوم لفترة أطول.

الإجراء الأبرز الذي اتُّخِذ في تلك المرحلة كان خفض الإنفاق على الاستثمارات بنسبة تسعة في المئة، وزيادة الضرائب على المحروقات في موازنة 2016، فضلاً عن تجميد العديد من مشاريع البنى التحتية ووقف التوظيف في الخدمة المدنية في مختلف أنحاء البلاد. وقد لقي مشروع القانون معارضة غير مسبوقة في مجلس النواب، بما في ذلك في أوساط الائتلاف الحاكم، قبل إقراره في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2015. يُتوقَّع أن يتضمّن مشروع الموازنة للعام 2017 الذي يجري النظر فيه حالياً، زيادة الضرائب على السلع الاستهلاكية المستورَدة، إنما أيضاً على السلع اليومية مثل الوقود والسجائر.

في كانون الثاني/يناير 2016، سعت الحكومة أيضاً إلى الحد من خروج العملة الجزائرية عبر وضع منظومة من التراخيص والحصص في مجال استيراد السيارات في محاولة لثني الجزائريين عن شراء سيارات من الخارج. وقد ساهم هذا الإجراء في خفض الميزان التجاري لقطاع السيارات إلى 768 مليون دولار، أي بنسبة 68 في المئة بالمقارنة مع العام 2015، إلا أنه لقي رفضاً شديداً من الجزائريين، وساد الارتباك والتأخير في آلية التنفيذ، لاسيما في وكالات السيارات. في العام 2016، حُدِّدت الحصة بـ83000 سيارة، في حين أن عدد السيارات المستورَدة بلغ 265523 سيارة في العام 2015. كان الهدف في نهاية المطاف أن يُفرَض على الجزائريين تغيير سلوكياتهم الاستهلاكية كي "يعيشوا ضمن إمكاناتهم".

بيد أن التقشّف شكّل إجراء مؤقتاً، لاسيما بعد ورود أنباء بأن الحكومة استخدمت مبادرة لبيع السندات السيادية أُطلِقت في نيسان/أبريل من أجل تمويل العجز بعدما كانت قد وعدت بأن هذه العائدات سوف تُستخدَم في تمويل استثمارات على غرار مرفأ شرشال الصناعي في الحمدانية. علاوةً على ذلك، أعلن الديوان الوطني للإحصائيات في الجزائر في آب/أغسطس الماضي أن الأسعار الاستهلاكية ارتفعت بنسبة ثمانية في المئة بالمقارنة مع العام 2015، وأن قيمة الدينار الجزائري تسجّل أدنى مستوياتها تاريخياً في مقابل الدولار واليورو، ماشكّل مؤشراً عن عجز المقاربة التقشفية عن وقف تدهور الوضع الاقتصادي. وهكذا اضطُرَّت الحكومة إلى إعادة النظر في مقاربتها. 

رداً على الانتقادات المتصاعدة، تحدّث رئيس الوزراء الجزائري عبدالمالك سلال خلال المؤتمر السنوي "الثلاثي الأطراف" بين الحكومة والاتحاد العام للعمال الجزائريين ونقابات الموظفين، معلناً عن "نموذج جديد للنمو الاقتصادي". كانت لهجته مطمئنة إنما رصينة، مشدداً على أنه لم يعد بإمكان الجزائر الاعتماد على نفطها وغازها، وأنه "علينا أن نبحث عن النمو في الفضاء الاقتصادي الحقيقي أين تشكّل المؤسسة، خاصة كانت أو عمومية، حجر الزاوية". يشكّل هذا الكلام نقطة تحول كبرى لطالما طالب بها الخبراء والاختصاصيون بالشأن الاقتصادي. لم يتم بعد الكشف عن تفاصيل الخطة، غير أن جوهر المقاربة الجديدة هو التنويع الاقتصادي بما في ذلك تطوير القطاعَين الرقمي والزراعي وتعزيز الفعالية في إدارة الشركات – من دون تغيير النموذج الاجتماعي في البلاد. تأمل الحكومة بأن يساهم التنويع، مع مرور الوقت، في تحفيز قطاعات اقتصادية أخرى من أجل تشارُك عبء الصادرات الهيدروكربونية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

على الرغم من أن هذه الخطة لاتزال في مراحلها الأولى، إلا أن الحكومة تبذل جهوداً حثيثة لمحاولة استقطاب الاستثمارات الخارجية من أجل إنشاء وحدات صناعية متينة. على إثر التصريحات المشجِّعة التي صدرت عن سلال والعمل الذي قام به وزير الصناعة عبد السلام بوشوارب، ووزير التجارة بختي بلعايب، أعلنت شركات عدة في قطاع السيارات عن نيّتها بناء وحدات تصنيع في البلاد، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في استحداث وظائف ويخفّف من وطأة الحصة المفروضة على استيراد السيارات عبر تأمين سيارات مصنوعة في الجزائر. ومن هذه الشركات "بيجو" (من خلال شريكها المحلي، مجموعة "كوندور")، و"فولسفاغن" (من خلال شريكها المحلي، "سوفاك").

لقد فشلت هذه المقاربة الجديدة في إقناع بعض الخبراء الاقتصاديين الجزائريين الذين يصرّون على أن المنظومة الحالية بحاجة إلى الخضوع لتحوّل شامل، بما في ذلك معالجة المعوّقات البنيوية التي تتسبّب بإبعاد المستثمرين الأجانب أو تحول دون صعود قطاع خاص يتمتع بالديناميكية. لايزال الإطار القانوني الثقيل الوطأة في الجزائر يُثير نفور المستثمرين الأجانب. وعلى الرغم من النقاشات عن إحداث تغييرات في الإطار القانوني للاستثمار (بما في ذلك قاعدة الـ"51-49 في المئة" المفروضة على الاستثمارات الأجنبية)، لم يتم تطبيق أي تغييرات لتحسين الأوضاع الاقتصادية ككل. فضلاً عن ذلك، تسبّبت مركزية السلطة المستوحاة من الاشتراكية والمستمرة منذ عقود طويلة، ناهيك عن الحمائية المطبّقة في السوق المحلية، بزرع الشكوك لدى الناس بأن العولمة تعني خسارة السيادة الاقتصادية. يبقى أن نرى كيف يمكن أن تدفع هذه الخطة بالقطاع الخاص نحو الابتكار، وماإذا كانت الحكومة ستفكّر في الاستدانة من الخارج كمصدر للاستثمار الاقتصادي، لاسيما في مجالات جديدة على غرار الطاقة الشمسية.

على الرغم من الأزمة المالية، والهبوط الشديد في الإيرادات النفطية، وانعدام الاستقرار السياسي في أوساط النخب، تعمل الحكومة الجزائرية على معالجة المسائل المطروحة، والاحتياطات المتبقّية لديها من العملات الأجنبية تكفي لمدة عام أو عامَين لاستخدامها في التخفيف من الصدمة. في غضون ذلك، ينبغي عليها تنفيذ إصلاحات واسعة، مايتطلب تعديلاً جوهرياً في التركيبة الحكومية، وهو مايستبعده رئيس الوزراء في الوقت الراهن. لكن ينبغي على الحكومة بذل مزيد من الجهود لتأمين الأجواء والمعطيات التي تتيح تحقيق ازدهار في النشاط الاقتصادي. إذاً وعلى الرغم من أن بلدان منظمة أوبيك اجتمعت في العاصمة الجزائرية، تُظهر مبادرات العامين الماضيين، في ناحية من النواحي، أن البقاء الاقتصادي للبلاد لن يتوقّف على المنافسة الجيوستراتيجية الخارجية.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية. 

إدريس جباري زميل أبحاث مابعد الدكتوراه في المجلس العربي للعلوم الاجتماعية يُعنى بدراسة التغيير الاجتماعي والثقافي في شمال أفريقيا.​