أبعد من الحروب التي تُخاض بالوكالة في اليمن وسورية، يمكن أن تمتد المنافسة الإيرانية-السعودية أيضاً إلى الميدان الاقتصادي مع خروج إيران من دائرة العقوبات وتطبيق السعودية مزيداً من الإصلاحات الاقتصادية. من هذا المنطلق، لابد من فهم الاتجاه الذي ستسلكه المنافسة بين البلدَين على المستوى الاقتصادي في سوق البتروكيماويات العالمية، على الرغم من توصّلهما إلى اتفاق حول تجميد كمية النفط الذي تنتجه منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبيك). لقد أتاح الحد من العقوبات وانخفاض أسعار المواد الخام لإيران، ثاني أكبر منتِجة للمواد البتروكيميائية في الشرق الأوسط، خوض منافسة أوسع نطاقاً مع عدوتها اللدود، السعودية، أكبر منتِجة لهذه المواد بكلفة منخفضة، من أجل السيطرة على أسواق المواد البتروكيميائية والبلاستيكية. 

لمادّة البولي إيثيلين – إلى جانب مركّبات بوليمر أخرى مصنوعة من المواد البتروكيميائية – استعمالات واسعة بدءاً من إنتاج السيارات والعوازل الكهربائية وصولاً إلى الألياف ومجموعة كبيرة من السلع الاستهلاكية. تسعى إيران والسعودية اللتان تصنّعان منتجات البوليمر وتصدّرانها إلى الخارج، إلى استقطاب الاستثمارات لتوسيع الإنتاج والتصدير، فمن شأن ذلك أن يتيح لهما تصنيع مزيد من المنتجات ذات القيمة المضافة، ومساعدة القطاعات المحلية الأخرى التي تحتاج إلى منتجات البوليمر، مثل مستحضرات التجميل، والأدوية، والدهان وماإلى هنالك. لايزال موقع الرياض قوياً في أسواق البتروكيماويات العالمية، غير أن تعزيز فعالية الإنتاج في إيران، وزيادة كمية الإنتاج المتوقّعة سوف يتسبّبان بممارسة ضغوط متزايدة على هذه الصناعة التي تشكّل مركز الثقل في الاقتصاد السعودي. إلا أن البلدَين سيواجهان هذه الضغوط خلال العقد المقبل مع  وصول مزيد من المواد البتروكيميائية المصنَّعة في الولايات المتحدة وبلدان أخرى إلى الأسواق. 

تشكّل صناعة السيارات العالمية، بما في ذلك الزيادة التي تُسجَّل في إنتاج السيارات الصديقة للبيئة، أحد المحفّزات الأساسية للطلب على البتروكيماويات ومركّبات البوليمر الفائقة الأداء، لاسيما في المناطق ذات التكلفة الإنتاجية المتدنّية في آسيا. يُتوقَّع أن يسجّل استهلاك المواد البلاستيكية في صناعة السيارات، على ماأُفيد، نمواً على المستوى العالمي من 7.1 مليون طن في العام 2012 إلى 11.3 مليون طن بحلول سنة 2018، أي بمعدّل ثمانية في المئة في السنة. بيد أن سوق السيارات الصينية، التي تُعتبَر الأكبر عالمياً، سوف تشهد، بحسب التوقعات، تراجعاً في النمو بعد العام 2020. ومع انحسار الطلب على مواد البوليمر، في المدى القصير، في السوق الصينية التي تعاني من الإشباع بصورة متزايدة، سوف تحتدم المنافسة بين إيران وبلدان مجلس التعاون الخليجي بقيادة الرياض (لاسيما الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر) من أجل الحفاظ على هوامش أرباحها أو زيادتها. الأسواق الناشئة في جنوب آسيا، مثل الهند، واعدةٌ أكثر بالنسبة إلى منتجي البتروكيماويات في منطقة الخليج. غير أن تنافسية الصادرات الإيرانية والخليجية من المواد البتروكيميائية تتوقّف على أسعار المواد الأولية التي تُستخدَم في إنتاج البتروكيماويات. يُشار إلى أنه كانت للهبوط الشديد في أسعار النفط منذ منتصف العام 2014 تداعيات واسعة على قطاع البتروكيماويات في المنطقة وحول العالم. فمع التراجع الحاد في أسعار النفط منذ منتصف العام 2014، زادت تنافسية الدول المنتجة للبتروكيماويات في أوروبا وآسيا بالمقارنة مع المنتجين الخليجيين بسبب انخفاض سعر النافثا الذي يُحدَّد بحسب مؤشر أسعار النفط الخام.

ورد في تقرير صادر عن "ماكينزي آند كومباني" في نيسان/أبريل 2014، أن منطقة الخليج بدأت تعاني في العام 2015 من نقص في الغاز الطبيعي، فارتفعت كلفة استخدام الإيثان الذي يشكّل المادة الأولية الأساسية بالنسبة إلى تلك البلدان. نظراً إلى أن بلدان مجلس التعاون الخليجي تعمل جاهدة على توسيع قدرتها الإنتاجية في قطاع البتروكيماويات، سوف تسعى أيضاً إلى التنويع عبر استخدام مواد أولية إضافية مثل النافثا. هذا النقص هو أحد الأسباب خلف الزيادة الكبيرة في الإنتاج النفطي السعودي في العام 2015، لأن عملية التكرير تولّد أيضاً مستويات أعلى من الغاز الطبيعي المصاحب. علاوةً على ذلك، انطلقت الرياض في تنفيذ مشاريع لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي. لكن مع قيامها بخفض الدعم الحكومي في موازنة 2016، تضاعف سعر الإيثان. إلا أنه على الرغم من هذا الارتفاع، يبقى سعر الإيثان في السعودية الأكثر تنافسية في الشرق الأوسط.

بيد أن طهران بدأت، منذ تخفيف العقوبات، التخطيط لمشاريع كبرى في قطاع البتروكيماويات الذي تعتبره حيوياً في إطار سعيها إلى تحقيق التنويع الاقتصادي، لاسيما في أعقاب الهبوط الشديد في أسعار النفط العالمية. تسعى طهران إلى استقطاب 60 مليار دولار إلى هذا القطاع كي تزيد إمكاناتها بنسبة تفوق الضعف خلال العقد المقبل. وقد أجرت الجمهورية الإسلامية مباحثات مع شركات كبرى في قطاع الطاقة من أجل تحسين البنى التحتية في قطاع البتروكيماويات وإطلاق وحدات إنتاجية جديدة. تستمر السعودية أيضاً في بذل جهود لاستقطاب الاستثمارات الخارجية إلى قطاعها البتروكيميائي المربح في إطار "رؤية السعودية 2030" التي وضعتها المملكة لتنويع اقتصادها. قد يُضرّ ذلك بحظوظ طهران في تأمين الاستثمارات لتوظيفها في قطاع التكرير لديها، نظراً إلى أن الإطار القانوني الذي تعتمده السعودية في مجال الاستثمارات يتمتع نسبياً بالشفافية بالمقارنة مع الإطار القانوني الإيراني، مايُتيح للمملكة التفوّق على إيران في استقطاب الاستثمارات. المشكلة التي تواجهها إيران هي أن الطلب على البتروكيماويات قد لايكون كافياً عندما تصبح سوقها جاهزةً للتنافس مع السوق السعودية. صحيح أنه قد يكون بإمكان السوق امتصاص الفائض، إلا أنها لن تتمكّن من القيام بذلك لفترة طويلة. من أجل تحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج في قطاع البتروكيماويات، تحتاج إيران إلى الاستثمارات والخبرات – لكن ذلك يتطلب وقتاً نظراً إلى أن الإطار القانوني في البلاد لايزال يفتقر إلى الشفافية، ولن يزداد الإنتاج الإيراني من المواد البتروكيميائية إلا عندما تبدأ بوادر الإِشباع بالظهور في السوق.

على الرغم من أن قطاع البتروكيماويات الإيراني يُظهر مؤشرات واضحة عن المعافاة على صعيدَي الكمية والقيمة بعد الإلغاء الجزئي للعقوبات، إلا أنه مازال على إيران قطع أشواط إضافية، وهذا رهنٌ بالعائد على الاستثمار. خلال العقد المنصرم، ازدادت حصّة البتروكيماويات (ماعدا المكثّفات) من نحو 23 في المئة من قيمة الصادرات الإيرانية غير النفطية في العام 1386 بحسب التقويم الفارسي (2007-2008)، إلى 30 في المئة في العام 1391 (2012-2013)، أي بمعدل نمو بلغ 34 في المئة خلال هذه الفترة. بعد عامَين من بدء العمل بالعقوبات، ارتفعت حصة البتروكيماويات إلى 39.6 في المئة في العام 1393 (2014-2015)1. تُظهر الإحصائيات بوادر معافاة: فقد سجّلت عائدات الصادرات البتروكيميائية زيادة بنسبة 25 في المئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2016. لكن على الرغم من التحسّن النسبي في القطاع، من شأن النقص في الاستثمارات وتراجع الإنتاجية بعد العقوبات أن يحوّلا إيران إلى مستورِدة لعدد من المنتجات البتروكيميائية في المستقبل القريب كي تتمكّن من إنعاش العديد من الصناعات المستهلِكة للبتروكيماويات ومن قطاعات الصادرات غير النفطية.

في حين تملك إيران احتياطات هائلة غير مستثمَرة من الغاز الطبيعي، تواجه عدداً من التحديات التي تعترض استخدام هذه الاحتياطات لزيادة إنتاجها من الإيثان بغية استخدامه كمادّة أولية بأسعار تنافسية. فالطلب الداخلي على الغاز الطبيعي يرتفع خلال فصل الشتاء (لاستخدامه في الاستهلاك المنزلي). علاوةً على ذلك، وفيما تحاول إيران فرض نفوذها على المستوى الجيوسياسي في الشرق الأوسط، تتوسّع خططها لتصدير الغاز الطبيعي. نتيجةً لذلك، فإن قدرة إيران على توسيع صناعتها البتروكيميائية رهنٌ بقدرتها على زيادة إنتاج الغاز الطبيعي لتلبية الطلب المتوقَّع.

بغض النظر عن النظرة الاستشرافية الواعدة، تتوقّف قدرة إيران على التوسع في السوق العالمية للبتروكيماويات، على عوامل كثيرة. على الصعيد المحلي، سوف تساعد استثمارات رأس المال في قطاع الطاقة على خفض معدلات البطالة المرتفعة دائماً في البلاد. غير أن الالتباس السياسي على المستوى الداخلي في إيران قد يشكّل العائق الأصعب أمام المستثمرين، كما أنه ينبغي على إيران الحفاظ على سياسة نقدية مستقرة وإصلاح النظام المصرفي المترنّح من أجل استقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى قطاع البتروكيماويات. ومع توسُّع تكتلات الشركات الكبرى في بلدان مجلس التعاون الخليجي على الساحة العالمية وقيامها بتطبيق إصلاحات في محاولة لتعزيز فعاليتها، تواجه إيران تحدّياً صعباً. فضلاً عن ذلك، وبما أن إيران لم تحصل بعد على العضوية في منظمة التجارة العالمية، فهذا يمنح البلدان المنتِجة في مجلس التعاون الخليجي أفضلية عليها في الأسواق العالمية. لكن فيما تصبح المنافسة بين إيران وبلدان مجلس التعاون الخليجي أشد ضراوة، قد تبيع هذه الدول المنتجات البتروكيميائية في الأسواق الخارجية، لاسيما في آسيا، بسعر أقل من سعرها في الداخل. لذلك، فإن الإفراط في التعويل على البتروكيماويات كمصدر للإيرادات عن طريق التصدير قد يلحق الضرر بنمو قطاع الصادرات غير النفطية في إيران إذا لم تعمد هذه الأخيرة إلى تحقيق مزيد من التنويع في اقتصادها في المدى الطويل.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تامر بدوي باحث متخصص في الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط يركّز على الشأن الإيراني. يمكنكم متابعته عبر تويتر: @TamerBadawi1​


1. حسبات الكاتب