أسفرت الانتخابات التشريعية التي شهدها الأردن في 20 أيلول/سبتمبر عن تشكيل مجلس النواب الثامن عشر، لكنها لم تُحدث تغييراً – ولم يكن يُرتقَب منها إحداث تغيير – في ميزان القوى السياسي في البلاد. كما كان الحال مع مجلس النواب المنتهية ولايته، سوف يطغى على المجلس الجديد عدد كبير من الأحزاب الصغيرة المستندة إلى العشائر والموالية للنظام الملَكي والتي نادراً ماتتعدّى قاعدتها الانتخابية نطاق المحافظة الواحدة. بيد أن مشاركة الإخوان المسلمين بعد مقاطعتهم دورتَين انتخابيتين متواليتين، وخوضهم منافسة مباشرة مع الإسلاميين المناصرين للنظام، جعلت السباق أكثر إثارة للاهتمام.
 
كشفت نتائج الانتخابات عن خلاصتَين أساسيتين. الخلاصة الأولى أن مجلس النواب خرج منقسماً، كما كان متوقّعاً، على الرغم من تمكُّن جبهة العمل الإسلامي التابعة للإخوان من الإفادة إلى أقصى حد من قوتها التنظيمية والفوز بأكثرية نسبية متواضعة. والخلاصة الثانية هي أن نسبة الاقتراع ارتبطت مباشرة بالتحيز في توزيع المقاعد. كما في كل الانتخابات السابقة، جرى توزيع الدوائر بطريقة تعطي الأفضلية للمناطق الريفية الخاضة لسيطرة العشائر في الضفة الشرقية، وعلى الرغم من أن نسبة الاقتراع في البلاد بلغت 37 في المئة، إلا أن الإقبال كان أكثر كثافة إلى حد كبير في الأرياف.
 
تُظهر الطريقة التي فازت بها جبهة العمل الإسلامي بعدد أكبر من المقاعد بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى أن السبب وراء هذا الفوز ليس الدعم الساحق لها بل ماتتمتّع به من قوة تنظيمية وسط ضعف الأحزاب الأخرى. لطالما اعتُبِر أن الإخوان يحظون بشعبية أكبر في أوساط الأردنيين من أصل فلسطيني الذين يشكّلون غالبية السكان في مدن عمان وإربد والزرقاء. وقد تلقّت مكانة الجماعة في البلاد ضربة إضافية في الأعوام الأخيرة بسبب رد الفعل القوي ضد دور الإخوان المسلمين في مصر وسورية. لذلك، عمدت الجماعة، في هذه الانتخابات، إلى الحد من شعاراتها الإسلامية وشكّلت تحالفاً واسعاً تحت اسم التحالف الوطني للإصلاح ضمّ مرشحين عشائريين غير إسلاميين إنما أيضاً مرشحين غير مسلمين (مسيحيين ترشحوا للمقاعد المخصصة للطائفة المسيحية).
 
زعمت جبهة العمل الإٍسلامي أن تحالفها فاز بخمسة عشر مقعداً، عشرة منها لأعضاء في الجبهة. لقد حصدت الجبهة العدد الأكبر من المقاعد بالمقارنة مع القوائم الأخرى، إلا أنه يجب النظر إلى هذا النجاح على ضوء فوزها بـ11.6 في المئة فقط من الأصوات في الدوائر الإحدى عشرة حيث خاضت المنافسة، وعدم ترشّحها في الدوائر حيث كانت لتحقق بكل وضوح أداء سيئاً. النتيجة الأفضل لجبهة العمل الإسلامي كانت في دائرة عمان الثالثة، حيث فازت بـ19.7 في المئة من الأصوات، أما نتيجتها الأسوأ فكانت في دائرة إربد الرابعة، مع 4.0 في المئة من الأصوات.
 
ويعود نجاح جبهة العمل الإسلامي أيضاً إلى تجزؤ الأصوات: لم تحظَ أي من القوائم المتنافسة على قاعدة دعم تتخطى نطاق دائرة انتخابية أو محافظة واحدة. تُشكّل العاصمة عمان، التي تضم 38 في المئة من مواطني الأردن غير أن حصتها أقل من ربع المقاعد البرلمانية (29 من أصل 130)، القاعدة الانتخابية الأقوى لجبهة العمل الإسلامي. لقد فرضت قوانين النسبية الشديدة في الدوائر الانتخابية على الأحزاب تحقيق نتائج جيدة جداً للتمكّن من الحصول على أكثر من مقعد واحد في الدائرة الانتخابية. هكذا فاز التحالف الوطني للإصلاح بقيادة جبهة العمل الإسلامي بسبعة مقاعد، بما في ذلك مقعدان من المقاعد الثلاثة المخصّصة للشركس أو الشيشان، وكانت قائمة التحالف القائمة الوحيدة التي فازت على الأقل بمقعد واحد في كل من الدوائر الخمس في عمان، على الرغم من فشلها في احتلال المرتبة الأولى في أيٍّ من الدوائر.
 
كان الانقسام السياسي سيّد الموقف. حصل مرشح جبهة العمل الإسلامي الأقوى في عمان، صالح عبد الكريم العرموطي، على 8076 صوتاً من أصل 46507 أصوات في دائرة عمان الثالثة التي بلغ عدد الناخبين المسجّلين فيها 242198 ناخباً. لقد فاز العرموطي بعدد من الأصوات أكبر من العدد الذي ناله أي من المرشحين في عمان الثالثة، ومع ذلك خسرت جبهة العمل الإسلامي أمام قائمة "معاً" العلمانية التي فازت أيضاً بمقعدَين في تلك الدائرة. النتيجة الأقوى التي تحققت في عمان كانت في دائرتها الرابعة حيث حصلت قائمة "القدس الشريف" على 20148 صوتاً من أصل 74262. وحلّت جبهة العمل الإسلامي في المرتبة الثالثة في تلك الدائرة مع 9155 صوتاً. تقاسمت 21 مجموعة منفصلة المقاعد الـ29 في عمان في مابينها، فقد كانت قائمة جبهة العمل الإسلامي وقائمة "معاً" الوحيدتَين اللتين حصلتا على أكثر من مقعد واحد.
 
حتى إن النتائج التي حققتها جبهة العمل الإسلامي في مدينة الزرقاء، المعروف عنها تقليدياً أنها معقل للإسلاميين، كانت أقل وقعاً. ففي الدائرة الأولى في الزرقاء، حلّ المرشح الأول على قائمة الجبهة ثانياً بعد محمد نوح القضاة، وهو داعية ذائع الصيت ووزير الأوقاف سابقاً يصف نفسه بأنه "إسلامي وطني". وفي دائرة الزرقاء الثانية، فشلت قائمة جبهة العمل الإسلامي في الفوز بأي مقعد، واحتلت المرتبة السادسة بين تسع قوائم. لقد فازت الجبهة بالمقعد المخصص للنساء في الزرقاء، فضلاً عن مقعد الشركس/الشيشان، فحصلت على ثلاثة من أصل 14 مقعداً في المدينة. كما أن نتائج الدائرة الأولى في الزرقاء تُظهر انقسام الأصوات. فقد حصل القضاة على 14562 صوتاً في هذه الدائرة، وهو الرقم الأعلى بين المرشحين في مختلف الدوائر، إلا أنه لم يكن سوى مجرد جزء صغير من مجموع أعداد المقترعين في الدائرة والذي بلغ 102944 صوتاً، من أصل 449753 ناخباً مسجّلاً. وقد نال المرشح الأفضل في جبهة العمل الإسلامي، سعود سليم أبو محفوظ، 11512 صوتاً، أيضاً في الزرقاء الأولى. واحتلت قائمة التحالف الوطني للإصلاح بقيادة جبهة العمل الإسلامي المرتبة الثالثة في هذه الدائرة بعد قائمة يقين التي ينتمي إليها القضاة، وقائمة الأقصى القومية الفلسطينية التي حصدت 17830 صوتاً.
 
غير أن النتائج التي حقّقها الإسلاميون الموالون للنظام الذين انشقّوا عن الإخوان كانت أضعف. فقد واجهت جبهة العمل الإسلامي منافسة من حزبَين إسلاميين مناصرَين للنظام، حزب الوسط الإسلامي، وحزب زمزم الذي انشقّ مؤخراً عن جماعة الإخوان المسلمين. خلال تأسيس جمعية الإخوان المسلمين الجديدة، المرتبطة بحزب زمزم، أعلن عبد المجيد الذنيبات، قائد الانشقاق، في عبارة شهيرة: "نحن جزء من هذا النظام". لقد ترشّح الحزبان في قوائم مشتركة وأخرى منفصلة، وتمكّن مرشح إسلامي واحد على قائمة جمعية الإخوان المسلمين من الفوز بمقعد، وذلك في دائرة العقبة. أما حزب زمزم فلم يترشّح باسمه الشخصي سوى في إربد، وفشل في الفوز بأي مقعد – فعلى الرغم من زعمه بأن قائمته فازت بخمسة مقاعد، إلا أنه يبدو أن جميع هؤلاء الفائزين هم من أبناء العشائر غير الإسلاميين المتحالفين معه. يدّعي حزب الوسط الإسلامي الذي رشّح أربع عشرة قائمة، أنه فاز بسبعة مقاعد، وأن بين الفائزين أعضاء في الحزب وحلفاء من أبناء العشائر، إلا أن أحداً منهم لم يشنّ حملته على أساس ارتباطه بحزب الوسط الإسلامي، مايجعل حجم الدعم الشعبي له غير واضح.
 
في حين أن المرشحين الذين يستندون إلى الدعم العشائري نالوا أكثريات كاسحة في مختلف الدوائر، لم تَظهر كتل عشائرية أو موالية للنظام الملكي على مستوى البلاد. هكذا، وفي نتيجة غير مفاجئة، احتل رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته عاطف الطراونة، المرتبة الأولى في الكرك، لكنه حصل على 12054 صوتاً فقط من أصل 103451 شاركوا في عملية الاقتراع. واحتلت قائمة "الوطن" التي ينتمي إليها، المرتبة الثانية على صعيد البلاد مع فوزها بستة مقاعد، أربعة منها في الكرك، وحتى في هذه الدائرة التي تشكّل قاعدة الطراونة الانتخابية، لم تحصل القائمة سوى على 19.1 في المئة من مجموع الأصوات. وكذلك احتل رئيس مجلس النواب السابق عبد الكريم الدغمي، وهو أحد خصوم الطراونة ويُتوقَّع أن يتنافس معه على رئاسة البرلمان العتيد، المرتبة الأولى في محافظة المفرق حيث مسقط رأسه. غير أن الدغمي فاز بـ8844 صوتاً من أصل 50391، ونالت قائمته "الصقور" 19.6 في المئة من مجموع الأصوات. والمقعدان اللذان فازت بهما قائمة "الصقور" في المفرق (أحدهما مخصَّص للكوتا النسائية) هما المقعدان الوحيدان اللذان نجحت في الحصول عليهما على مستوى البلاد.
 
أما حزب الاتحاد الوطني، وهو الفصيل العشائري/المناصر للنظام الملكي الأكبر في البرلمان المنتهية ولايته، فلم يحصل سوى على ثلاثة مقاعد – مع أن رئيسه محمد الخشمان أشار إلى أن حلفاءه (بعضهم ترشّحوا بصورة مستقلة) رفعوا العدد إلى سبعة مقاعد. وقد فاز مرشح الحزب الأقوى، وهو مسيحي، بـ8352 صوتاً من أصل 49798 مقترعاً في دائرة إربد الثالثة. مما لاشك فيه أن قضايا الفساد التي تلاحق الخشمان منذ فترة طويلة أضرّت بحملة الحزب. لقد استقطب فوز قائمة "معاً" العلمانية بمقعدَين بعض الاهتمام، لكن المقعدين يعودان لدائرة عمان الثالثة، وهي منطقة راقية تضم عدداً كبيراً من المسيحيين وليست ذات صفة تمثيلية مهمة، كما أن أحد الفائزين من قائمة "معاً" مسيحي.
 
مع بلوغ نسبة الاقتراع على مستوى البلاد 37 في المئة، كانت النزعة اللافتة في الانتخابات التفاوت في نسب الاقتراع بين الدوائر، والتي ترتبط مباشرةً بعدم التكافؤ في توزيع المقاعد في البرلمان. فقد سجّلت الدوائر البدوية الثلاث، التي تملك الحصة الأكبر في توزيع المقاعد، نسب الاقتراع الأعلى والتي تخطّت الستين في المئة. وبلغت نسبة الاقتراع لدى غير البدو أعلى مستوياتها في الكرك، مع 62 في المئة، فيما تراوحت النسبة في المحافظات الريفية الأخرى بين 40 و60 في المئة. الحصة الأدنى في توزيع المقاعد في مجلس النواب هي من نصيب عمان والزرقاء حيث سُجِّلت نسبة اقتراع متدنّية، وفي هذا السياق، يُشار  إلى أن النتائج الأسوأ على صعيد نسبة الاقتراع في المدينتين كانت في عمان الثالثة (19.2 في المئة) والزرقاء الأولى (22.9 في المئة). وعليه، يجب أن تُقرأ النتائج الجيدة التي حققتها القوائم غير العشائرية في المدينتين – بما في ذلك قائمة "معاً" العلمانية والإسلاميون – على ضوء تدنّي نسبة الاقتراع في هذه الدوائر.
 
في مايتعلق بالمرشحات، كانت المفاجأة الأساسية فوز سيدتَين في الكرك بطريقة تنافسية خارج إطار الكوتا النسائية. لقد فرض قانون الانتخابات كوتا نسائية من 15 مقعداً، وفي معظم الحالات، تنافست النساء في مابينهن على القوائم المختلفة بدلاً من التنافس مع مرشحين ذكور. غير أن خمس سيدات نجحن في الفوز بطريقة تنافسية على صعيد البلاد، وفي المحصّلة النهائية، تشغل النساء 20 مقعداً من أصل 130 في البرلمان الجديد.
 
إذاً غالب الظن أن البرلمان الجديد سيكون نسخة عن سلفه – أي تحت سيطرة المرشحين من المناطق الريفية الذين تشكّل العشائر قاعدة الدعم الأساسية لهم، ومنقسم إلى عدد كبير من الفصائل الصغيرة التي تركّز على الدفاع عن المصالح الضيّقة بدلاً من العمل على تطبيق أجندة وطنية في مجال السياسات. ولذلك من غير المرجّح أن يكون برلماناً مثمراً.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية

كيرك إيتش سويل مدير شركة Utica Risk Services المتخصصة في تقويم المخاطر السياسية في الشرق الأوسط.