يُشكّل توسيع اختصاص المحاكم العسكرية في مصر بذريعة التنمية الاقتصادية والسلامة العامة مؤشراً إضافياً عن أن الثورة المصرية قد أُجهِضَت. فمع أن الجيش هو منذ وقت طويل لاعب سياسي أساسي، إلا أن نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي سلّمه دفة القيادة في الشؤون السياسية والاقتصادية في البلاد. في موازاة ذلك، حصلت زيادة غير مسبوقة في المحاكمات العسكرية للمدنيين بما يلبّي مصالح الجنرالات العسكريين الذين يحكمون البلاد.

لطالما شكّلت المخاوف من محاكمة المدنيين في محاكم عسكرية أولوية بالنسبة إلى منظمات حقوق الإنسان في مصر. فالمحاكم العسكرية التي أنشئت بموجب القانون رقم 25 الصادر في العام 1966 استُخدِمت على نطاق واسع من قبل النظام في عهد كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك لمحاكمة المعارضين السياسيين. وبموجب المادة السادسة من قانون القضاء العسكري، عمد مبارك في أحيان كثيرة إلى نقل المدنيين للمثول أمام المحاكم العسكرية، بطريقة استنسابية، خلال فترات العمل بقانون الطوارئ – التي استمرت طوال عهده تقريباً أي على امتداد نحو ثلاثين عاماً. نتيجةً لذلك، تمت محاكمة أكثر من 12000 مدني أمام القضاء العسكري في عهد مبارك. وهذا العدد في ازدياد منذ إطاحته. في العام 2011 وحده، مارس المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطته التنفيذية بعدوانية مصدِراً أوامره بمحاكمة 12000 مدني إضافي أمام المحاكم العسكرية في جرائم تتراوح من "البلطجية" وصولاً إلى الإساءة إلى الجيش. بعد احتجاجات قوية طوال ثمانية عشر شهراً، توقّف العمل بقانون الطوارئ الممقوت – الذي أجاز محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية – مع انتهاء مدّته في أيار/مايو 2012. وهذا هو أحد الأسباب التي حالت دون قيام نظام محمد مرسي بمحاكمة عدد كبير من المعارضين السياسيين في المحاكم العسكرية.

لم يكن السيسي، منذ وصوله إلى السلطة، بحاجة إلى قانون طوارئ لتقنين محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية. فقد أتاح له الدعم الشعبي القوي وغياب البرلمان إصدار مئات المراسيم الرئاسية بصورة أحادية، والتي تسبّب عدد كبير منها بتقويض سيادة القانون، ومن بينها مراسيم تقود فعلياً إلى ارتفاع أعداد المدنيين الذين يُحاكَمون أمام القضاء العسكري. صدر المرسوم الرئاسي الأول في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2014، إبان هجوم دموي أسفر عن مقتل 22 جندياً في شمال سيناء. فقد أصدر السيسي القانون 136 لعام 2014 الذي فوّض إلى الجيش سلطة حماية المنشآت العامة والحكومية لمدّة عامَين. ومُنِحَت المحاكم العسكرية اختصاص النظر في الجرائم المرتكَبة في الأملاك العامة، بما في ذلك الأبراج والمحطات الكهربائية، وخطوط أنابيب الغاز، والطرقات، والجسور، وسواها من المنشآت العامة غير المحدّدة.

بعد بضعة أسابيع، أصدر النائب العام آنذاك هشام بركات أمراً إلى القضاة بإعادة النظر في ملفات القضايا التي تندرج ضمن إطار القانون الجديد وإحالتها إلى المحاكم العسكرية. بموجب هذا القانون، يتولّى القضاة العسكريون البت في أي نزاعات أو جرائم تندرج ضمن الاختصاص الموسَّع للمحاكم العسكرية، مهما كانت هذه النزاعات أو الجرائم صغيرة، من دون مراعاة الحق الأساسي في إجراءات عادلة ومنصفة الذي تؤمّنه المحاكم المدنية. لذلك، ليس مفاجئاً أنه منذ إقرار القانون 136 قبل عامَين، مثُل أكثر من 7000 مدني أمام القضاء العسكري، مع الإشارة إلى أن 3000 منهم جرت محاكمتهم في الأشهر الخمسة الأولى. عدد كبير من المدّعى عليهم متّهم بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين أو المشاركة في الاحتجاجات التي نظّمها طلاب الجامعات.

التوسيع الأكبر لاختصاص القضاء العسكري كان في حزيران/يونيو 2016، عندما منح الرئيس السيسي الجيش سلطة مراقبة الأملاك العامة حتى مسافة كيلومترَين (1.2 ميل) من الطرقات العامة والسريعة. أجاز المرسوم الرئاسي الذي زُعِم أنه يهدف إلى منع الهجمات على الأراضي المملوكة من الدولة، للمحاكم العسكرية مقاضاة المخالفين. وقد جارى البرلمان الجديد السلطة التنفيذية الصقورية لابل تفوّق عليها، عبر إقراره في آب/أغسطس 2016 تمديد العمل بالقانون 136 لعام 2014 خمس سنوات إضافية حتى العام 2021.

أصبح اختصاص المحاكم العسكرية واسعاً بطريقة مثيرة للقلق، مع اقترانه بسلسلة من التعديلات التي طالت قانون القضاء العسكري والتي اعتبرت أملاك الدولة ومؤسساتها أملاكاً عسكرية. تحوّلت المباني والمصانع والشركات والطرقات المملوكة من الحكومة إلى مساحات عسكرية، بما يؤدّي إلى تجريد المحاكم العادية من الاختصاص. إزاء التعطيل الشديد للحق في الحصول على محاكمة عادلة وعلى ضوء ولاء القضاء العسكري الراسخ للجيش، أصبح بحكم المؤكد تقريباً أن من يواجه اتهاماً من المحكمة العسكرية يكون مصيره الإدانة شبه المحتومة، لاسيما بالمقارنة مع المحاكم المدنية التي تتمتع باستقلالية أكبر نسبياً. على الرغم من أن المادة 204 من دستور 2014 تمنح القضاء العسكري استقلالية اسمية، إلا أن المادة الأولى من قانون القضاء العسكري تفوّض سلطة تنظيم هذا الأمر إلى كيان إداري ضمن وزارة الدفاع. بناءً عليه، يخضع الضباط العسكريون الذين يتولّون مناصب القضاة للقيود – من خلال الهيكلية والثقافة المؤسسيتَين – التي تحول دون ممارسة استقلالية القضاء بطريقة مجدية.

لقد وجّه النشطاء الحقوقيون والمحامون المدافعون عن حقوق الإنسان انتقادات إلى القانونَين الآنفَي الذكر معتبرين أنهما يشكّلان انتهاكاً للمادة 204 من دستور 2014، التي تحظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. بيد أن المادة المذكورة تتضمن استثناء واسعاً يشمل "الجرائم التي تمثّل اعتداءً مباشراً" على كل مايقع ضمن نطاق السلطة العسكرية. وهكذا، مع توسيع الجيش أنشطته العسكرية وحلوله مكان قوى الأمن الداخلي في حماية المنشآت العامة، يصبح حظر الدستور لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري إجراءً عديم الجدوى.

تُدافع الحكومة عن القوانين معتبرةً أنها وسيلة للحفاظ على الأمن وتعزيز التنمية الاقتصادية. غير أن هذه المزاعم تسقط أمام المحاكمات العسكرية لعدد كبير من المعارضين السياسيين. وأبرزها محاكمة 26 مدنياً يعملون في شركة ترسانة الإسكندرية المملوكة من وزارة الدفاع، انتقاماً منهم على خلفية تنظيمهم احتجاجاً في أيار/مايو 2016 ضد تدنّي الأجور وظروف العمل غير المؤاتية على صعيدَي الصحة والسلامة. تتم إجراءات المحاكمة بعيداً عن أنظار الرأي العام في المحكمة العسكرية في الإسكندرية، حيث يمثل ضباط من أجهزة الاستخبارات كشهود أمام المحكمة.

تشكّل الطموحات الاقتصادية للجيش أحد الدوافع وراء الضغط من أجل منح المحاكم العسكرية اختصاصاً أكبر لمحاكمة المدنيين. فقد بدأ الجيش، بعيد قيامه بإسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي في الرابع من تموز/يوليو 2013، بإجراء تحوّل في دوره والانتقال من إدارة اقتصاد الظل على الهامش إلى الإشراف على مشاريع اقتصادية كبرى. ولدى انتخاب السيسي في عملية كانت أقرب إلى الاستفتاء في أيار/مايو 2014، كان الجيش قد أخضع القطاع الخاص الذي تحوّل إلى متقاعد من الباطن فيما أصبحت المؤسسة العسكرية الجهة التعاقدية الأساسية في البلاد.

لقد عمدت الأعمال والشركات التابعة للجيش إلى توسيع عملياتها في مجموعة كبيرة من القطاعات، منها الزراعة، والفنادق والمنتجعات، وتصنيع السلع الاستهلاكية، والإسكان. نتيجةً لذلك، باتت الأملاك والمؤسسات العامة تقع الآن ضمن اختصاص القضاء العسكري. ومع توسُّع دور الجيش المصري في الشؤون المدنية، يتوسّع أيضاً اختصاص المحاكم العسكرية. يخضع آلاف المدنيين لمحاكمات غير شفّافة في غياب الإجراءات العادلة، مايشكّل رادعاً يحول دون قيام آخرين بتحدّي الهيمنة الاقتصادية للجيش وتجاوزاته السياسية.

عندما نزل ملايين المصريين إلى الشارع في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2011، كان إلغاء المحاكمات العسكرية في صدارة الأولويات بالنسبة إليهم من أجل الحفاظ على حريتهم وكرامتهم. لكن مع إقرار قوانين تربط اختصاص المحاكم العسكرية بالسيطرة المتزايدة للقوات المسلحة في الاقتصاد، سوف تتفاقم هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان. ماهو على المحك ليس فقط محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، إنما أيضاً سيادة القانون في مصر. ففي غياب القدرة على الوصول إلى المحاكم المدنية، وفي ظل الحرمان من الحق الأساسي في محاكمات عادلة، وانعدام استقلالية القضاة، يصبح القانون خاضعاً لأهواء السياسة العسكرية.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

سحر عزيز أستاذة في مادة القانون في كلية الحقوق في جامعة تكساس إيه أند إم، وزميلة غير مقيمة في مركز بروكينغز الدوحة. مؤلفة "استقلال من دون مساءلة: المفارقة القضائية في الانتقال المصري الفاشل إلى الديمقراطية" (Independence without Accountability: The Judicial Paradox of Egypt’s Failed Transition to Democracy).