لا يزال هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات يواجه تبعات تصريحه بشأن تكلفة الفساد في بعض قطاعات الدولة والتي قدرها بما يقرب من 600 مليار. وكانت وسائل إعلام في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2015 قد تناولت تكهنات بعدم دقة الرقم المعلن على اعتبار أنه يشمل تكلفة الفساد خلال عام 2015، ورغم نفي الجهاز المركزي صحة هذه الأنباء وتوضيح أن التقرير يشمل أربعة أعوام من 2012 إلى 2015، فإن تقديرات مختلفة ذهبت إلى حتمية عزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ومحاكمته، منها تصريحات للنائب المقرب من المؤسسة العسكرية مصطفى بكري. أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرار بإقالة جنينة من منصبه في آذار/مارس 2016، بعد فترة قصيرة من إقرار البرلمان لتعديل تشريعي يمنح الرئيس حق إقالة رؤساء الأجهزة الرقابية. لاحقا صدر حكم قضائي، في تموز/يوليو 2016، بحبس جنينة لمدة عام، ودفع كفالة 10 آلاف جنيه لوقف تنفيذ الحكم، وكذلك توقيع غرامة 20 ألف جنيه لاتهامه بنشر أخبار كاذبة بشأن تكلفة الفساد في مصر. تعكس قضية جنينة المخاوف من تغطية السلطة التنفيذية على حجم الفساد في مؤسسات الدولة، فهناك محاولة لمنع تداول المعلومات والتقارير الرقابية التي تتناول الفساد، وتستخدم المحاكمة كأداة لإظهار عدم التسامح مع نشر معلومات عن الفساد في وسائل الإعلام. 

للجهاز المركزي للمحاسبات باع طويل في رقابة مؤسسات الدولة منذ تأسيسه في عام 1964، ويعمل الجهاز على الرقابة المالية محاسبيا وقانونيا ورقابة الأداء والرقابة على القرارات الصادرة بشأن المخالفات المالية وفقا لنصوص القانون رقم 144 لسنة 1988. تمتد سلطة الجهاز في الرقابة إلى وحدات الجهاز الإداري للدولة ووحدات الحكم المحلي والهيئات العامة وشركات القطاع العام والشركات التي يساهم بها القطاع العام بما لا يقل عن 25 في المئة من رأسمالها، إضافة إلى النقابات والاتحادات العمالية والمهنية، والأحزاب والمؤسسات الصحفية القومية والصحف الحزبية وبعض الجهات الأخرى التي تحدد قوانينها رقابة الجهاز عليها. ويعني ذلك أن التقارير الصادرة عن المركزي للمحاسبات جزءا مهما من أدوات تقييم أداء الجهاز الإداري للدولة، ويمكن قياس حجم الفساد في الهيئات والشركات التي تديرها الدولة من خلال هذه التقارير. يتمتع رئيس الجمهورية بسلطة كبيرة على الجهاز إذ يحق له تعيين رئيسه ولكن منح القانون رقم 144 لسنة 1988 رئيس الجهاز بعض الحصانة في المادة 20 بالنص على عدم جواز إقالته من منصبه قبل إكمال مدة 4 سنوات، ولا تزال هذه المادة سارية رغم إقالة السيسي لجنينة، فقرار إقالة جنينة يخالف هذه المادة.
 
يقوم المركزي للمحاسبات برصد المخالفات المالية وإحالتها إلى الجهات المسئولة سواء بإرسال التقارير إلى الرئاسة أو البرلمان والوزارات المختلفة، ومن جانب آخر يرسل الجهاز تقاريره حسب تقديره لحجم المخالفات إلى النيابة العامة، وكذلك بعض الأجهزة الرقابية التي تتمتع بسلطات أوسع في إجراء التحريات كهيئة الرقابة الإدارية. وقد ترسخ في فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك دور محدد للجهاز المركزي للمحاسبات، فالجهاز يصل إلى المخالفات ويرصدها ويعد تقارير وافية، ويقوم رئيسه ببعض النقاشات داخل مجلس الشعب وتحال بعض المخالفات للنيابة، ولكن دون معرفة حجم الفساد الحقيقي داخل الحكومة ولا طبيعة الإجراءات لمواجهته. الجديد منذ تولي هشام جنينة رئاسة المركزي للمحاسبات في 2012 أنه تمرد على هذه القواعد وأخرج عناوين عامة من تقارير الجهاز إلى الإعلام، واصبحت جزءا من النقاش العام حول جهود مكافحة الفساد. الفلسفة التي عمل بها جنينة وإن كانت داعمة للشفافية بشأن قضايا الفساد، إلا أنها تعبر أيضا عن خلل واضح في محاربة الفساد، فالمركزي للمحاسبات يرصد المخالفات ويعد التقارير دون جدوى حقيقية، ليس هناك آليات واضحة للتحقيق والمسائلة وتعديل السياسات التي أدت لإهدار المال العام، ومن ثم لجأ جنينة إلى وسائل الإعلام، حيث اعتمد على التصريحات والمقابلات الاعلامية لكشف قضايا الفساد والضغط على جهات التحقيق ومؤسسات الدولة للاضطلاع بدورها في مكافحة الفساد وتصحيح المخالفات المالية. ويمكن القول أن الجميع كان يعلم أن تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات حبيسة الأدراج، ولكن في نفس الوقت انصب النقد والهجوم على جنينة لأنه أعلن مضمون هذه التقارير. 

تقرير المركزي للمحاسبات محل الجدل يتكون من مجموعة المخالفات المالية والإدارية التي رصدها الجهاز في تقارير سابقة، وأرسلها من قبل للجهات المعنية، محاولة تقديم أرقام نهائية بالأموال المهدرة ربما لا  تناسب طبيعة التقرير، والخطأ. وقد تسائل جنينة غير مرة إذا كانت هذه التقديرات التي قام بها محاسبو الجهاز المركزي غير صحيحة، فما هي التقديرات الدقيقة ومن الجهة المنوط بها إعلانها. 

ولا يمكن التوقف كثيرا أمام دقة تقديرات المركزي للمحاسبات، بقدر محتوى التقرير والاستنتاجات التي يشير لها. فالتقرير اعتمد على التشريعات والأطر التنظيمية لكل قطاع كمعايير لتقييم خطوات العمل الصحيحة لمؤسسات الدولة، لكي يتم رصد المخالفات ونواحي القصور في اﻷداء، لمجموعة من القطاعات أبرزها المجتمعات العمرانية والمدن الجديدة والبترول والصحة واﻷوقاف والقطاع المصرفي. بالطبع هناك اختلاف في حجم المعلومات المتاحة داخل كل قطاع، ولكن مجموعة الملاحظات التي يوردها الجهاز مدعمة بعدة وقائع موثقة في بلاغات قدمت لجهات التحقيق والجهات التنفيذية. وهذه الوقائع تمثل الجانب الأكثر أهمية في التقرير إذ أنها تكشف حجم انتهاك القواعد القانونية المنظمة لعمل الجهاز الإداري والمؤسسات التابعة للدولة، وإدراك ماهية الخلل المؤسسي في مكافحة الفساد، على سبيل المثال مدى التزام الجهات التنفيذية بتصحيح السياسات التي أدت لإهدار المال العام، ومدى جدية جهات التحقيق في فتح ملفات الفساد. 

ففي قطاع المجتمعات العمرانية تم تقديم عدد كبير من البلاغات لجهات التحقيق بسبب تخصيص الأراضي للشركات والأفراد بالمخالفة للقانون ومنهم أعضاء في هيئات قضائية وضباط الأمن الوطني وبعض الوزراء السابقين، يرصد الجهاز على سبيل المثال في واقعة فساد حفظ النيابة العامة للتحقيقات بناء على تعهد من حصل على أراضي بالمخالفة للقانون بدفع مبلغ مالي للدولة، وهنا يشير الجهاز إلى أن النيابة العامة ليست هيئة تنفيذية ولا يجوز لها تقرير كيفية التصالح بالمخالفة للقانون. 

وفي قطاع البترول يرصد الجهاز المركزي للمحاسبات اﻵثار المترتبة على إنشاء عدد كبير من الشركات في القطاع من حيث تداخل الاختصاصات مع الهيئة العامة للبترول، وبالتالي عدم قدرة الجهاز على تقييم الأداء الاقتصادي للشركات، والدعم الذي تقدمه الهيئة لهذه الشركات بما يحمل تكلفة أكبر من القيام بهذه المهام تحت إدارة الهيئة مباشرة، ﻷن تكلفة النشاط بالشركات مرتفعة ارتباطا بارتفاع تكلفة الأجور والمزايا النقدية، كما تتحمل الهيئة تكلفة انتداب الموظفين إلى قطاعات حكومية أخرى، ما يعد مخالفة لبنود الموازنة العامة. بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة حصول المواطنين على اسطوانات غاز البوتجاز، بسبب تعدد وسطاء البيع ما يستحيل معه الحصول على الغاز بسعره المدعم، والمخالفات التي تحدث في التعاقد مع شركاء أجانب لاكتشاف الغاز وانتاجه. 

وفي قطاع الصحة يتناول التقرير إساء استخدام قرارات العلاج على نفقة الدولة وإصدارها أحيانا دون استثارة طبية وحصول الوزراء والشخصيات العامة عليها دون وجه حق، ومن ناحية أخرى يرصد التقرير مجموعة من المخالفات التي اهدرت المال العام في بناء المستشفيات الجديدة دون مواصفات فنية ملائمة وتأخير دخولها للخدمة لسنوات ومنح بعض اﻷعمال باﻷمر المباشر. وفي الجزء اﻷخير من التقرير المتعلق ببعض القطاعات، يبرز حصول أعضاء مجلس الإدارة بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على 60 مليون جنيه كمكافآت شهرية. 

كل هذه الوقائع جديرة بالدراسة في كل قطاع على حدة، فهناك حديث دائم عن خطط حكومية للإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة لتوفير بعض النفقات وتحسين أداء الجهاز الإداري، ولا يمكن أن تنفصل هذه الجهود عن مكافحة الفساد. 

وبدا جنينة بمفرده رغم هذا الكم الهائل من المعلومات والجولات التي كشف فيها عدد من قضايا الفساد، فالقوى السياسية لم تتضامن معه أثناء المحاكمة. من ناحية أخرى يعتقد جنينة أن بعض اﻷجهزة المخابراتية قادت حملة للإطاحة به، وصورت التصريحات التي يدلي بها عن الفساد كتهديد ضد الدولة المصرية، ويربط جنينة بين "المواطنين الشرفاء" ممن قدموا ضده بلاغات في النيابة وهذه اﻷجهزة، وكذلك الصحف والاعلاميين الذين هاجموه وارتباطهم باﻷجهزة الأمنية. 

الأحزاب السياسية تثير نقاشات واسعة حول قضايا مثل الحريات المدنية كالتظاهر وملف المعتقلين وحقوق الأقليات، مثل هذه النقاشات تكاد تكون منعدمة في حالة مكافحة الفساد، وحتى البرامج السياسية التي قدمها مرشحون سابقون للرئاسة أو بلورتها أحزاب في الانتخابات المختلفة لم تحتل بها قضية مكافحة الفساد أولوية، ما يمكن القول معه أن القوى السياسية والمجتمع المدني خلال السنوات الأخيرة منذ انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011، لم يمتلكوا رؤية متماسكة لمكافحة الفساد يمكن أن يحفز تقرير المركزي للمحاسبات على تنظيم جهود مكافحة الفساد بين المجتمع المدني والقوى السياسية. فالمجتمع المدني يستطيع تنشيط النقاش العام من خلال حملات التوعية عن دور اﻷجهزة الرقابية والتطورات القانونية، وكذلك على مستوى متابعة الجهود الحكومية في مكافحة الفساد وتقديم تقييم لها، واقتراح التشريعات التي يمكن أن توفر بيئة مناسبة لمكافحة الفساد وعلى رأسها قانون تداول المعلومات. أما القوى السياسية فيمكن أن تعيد النقاشات الداخلية ومع الخبراء لوضع مكافحة الفساد كأولوية في برامجها السياسية، وبلورة بدائل سياسات لمكافحة الفساد، والضغط على الحكومة لتبني خطوات ايجابية. ولعل الدور الأكثر أهمية يتعلق بتقدير المشكلات المترتبة على الفساد، وربطها بواقع المواطنين للحصول على دعمهم في مكافحة الفساد. 

 

محمد عبد السلام باحث في مؤسسة حرية الفكر والتعبير بالقاهرة.