في 31 تشرين الأول/أكتوبر، انتخب النواب اللبنانيون رئيساً للبلاد. يشكّل الانتخاب، والتفاهم الناشئ الذي أتاح إنجاز الاستحقاق، جزءاً من إعادة اصطفاف تشهدها السياسة اللبنانية في الوقت الراهن – لاسيما داخل الطائفة المسيحية.

في كانون الثاني/يناير 2016، عندما أعلن رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، لأول مرة، دعمه لترشيح ميشال عون، رئيس التيار الوطني الحر وقائد الجيش اللبناني سابقاً، الذي لطالما كانت هناك خصومة بينه وبين جعجع، بدا أن الرجلَين يتخذان خطوات من أجل إفساح المجال أمام انتخاب رئيس للجمهورية بعد عامَين من الشغور في المنصب. غير أن التقارب بين جعجع وعون تمّ لأسباب تذهب أبعد من الأزمة الدستورية التي ساهما للتو في إنهائها. فقد سعيا، إلى رص الصفوف بينهما في كانون الثاني/يناير، لمنع النائب سليمان فرنجية من الوصول إلى سدّة الرئاسة. لكن على مستوى أوسع نطاقاً، دخل الزعيمان في تفاهم ناشئ كي يوجّها أيضاً رسالة إلى الزعماء اللبنانيين الآخرين والقوى الإقليمية بأن التغطية المسيحية للأولويات السياسية السنّية أو الشيعية لن تكون زهيدة التكلفة بعد الآن، مايعيد للمسيحيين اللبنانيين مكانتهم في النظام الطائفي، وربما يساهم في تنشيط دورهم كفاعلين في السياسة.

إبان ثورة الأرز في العام 2005، عاد عون وجعجع إلى الساحة السياسية اللبنانية – الأول من المنفى الذي قصده بعد تدخل النظام السوري آنذاك، والثاني من السجن. وقد تجدّدت الخصومة بينهما، بعدما كانت قد بدأت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، عبر الانضمام إلى تحالفَين طبعا المشهد السياسي في بيروت طوال أكثر من عقد من الزمن. غير أن هذين التحالفَين انهارا خلال الأعوام الثلاثة الماضية. في هذا السياق، توصّل جعجع وعون إلى تفاهم، وذلك لأسباب سوف تستمر بعد الانتخابات الرئاسية.

في أواخر العام 2015، بدا أنه لدى زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، وحزب الله، توجهٌ لإيصال فرنجية إلى الرئاسة. لكنهما أثارا بذلك استياء عون وجعجع، وهدّدا مصالحهما الأساسية. خسر جعجع ماء الوجه، وشعر بأنه تعرّض للخيانة عندما دعم الحريري ترشيح فرنجية الذي جمعته به علاقة إشكالية ملطّخة بالدماء وتشوبها الخصومات الإقليمية والخلافات السياسية. فضلاً عن ذلك، أدرك جعجع أنه سيواجه المتاعب في المعترك السياسي في حال وصول فرنجية إلى سدّة الرئاسة. وكذلك شعر عون بالخيانة والإحراج. فقد أخلّ فرنجية، في إطار محاولته الحصول على الدعم من الحريري، بالوعود التي كان قد قطعها في مجالسه الخاصة وفي العلن، بأنه لن يسعى إلى الرئاسة طالما أن عون ماضٍ في ترشّحه، وتسبّب بتقويض جهود عون الرامية إلى كسب الدعم السنّي. وعبر الحصول على موافقة حزب الله الصامتة، تبيّن أن دعم فرنجية للعماد عون كان فارغاً من المضمون – وأن الاتفاق الذي توصله إليه عون مع الشيطان قبل عقد من الزمن عقيم لاطائل منه.

نجح عون وجعجع في قطع الطريق على الفور أمام فرنجية. فلم يكن بإمكان حزب الله والحريري – سواء في تلك المرحلة أو الآن – إثارة استياء الزعيمَين. منذ تلك اللحظة، وعلى الرغم من أن جعجع وعون لايملكان العدد الكافي من النواب لاختيار الرئيس بصورة مباشرة، إلا أنهما منعا الأفرقاء الآخرين من تقديم بدائل قابلة للحياة. لقد أيّد الحريري ترشيح عون لرئاسة الجمهورية كي يتم تكليفه رئاسة الوزراء، وهو يحتاج إلى هذا المنصب ليحافظ على مكانته فيما يعمل على إعادة بناء علاقاته مع السعوديين، ويحاول إعادة صياغة النظام السياسي اللبناني لمصلحته، ويترقّب تطوّر الأحداث في سورية. (لقد عانى الحريري من الصعوبات على المستويين السياسي والمالي مع تدهور علاقته مع الرياض وتراجع مرتبة لبنان في قائمة الأولويات السعودية في السياسات). في غضون ذلك، ومع حصول عون على التأييد من عدوَّيه السابقين، وجد حزب الله صعوبة في التخلي عنه لأنه من شأن ذلك أن يؤدّي إلى تبديد الوهم الذي ساهم في إبقاء نصف المسيحيين في لبنان إلى جانب الحزب طوال سنوات. صحيح أن الحزب كان ليفضّل فراغاً مضبوطاً في موقع الرئاسة أو وصول رئيس أضعف، إلا أنه يستطيع التعايش مع عون في منصب الرئاسة على ضوء ماآلت إليه الأوضاع في لبنان في العام 2016. فخلال العقد المنصرم، تقدَّم عون في السن وخسر بعضاً من الدعم، وتراجع الشركاء المحتملون على غرار الحريري والزعيم الدرزي، وليد جنبلاط أو تحوّلوا نحو موقف "وسطي"، وبات حزب الله نفسه يمارس تأثيراً أكثر مباشرة على مؤسسات الدولة بالمقارنة مع تأثيره قبل العام 2005.

علاوةً على ذلك، يحاول جعجع وعون تعزيز مكاسبهما عبر توجيه رسالة إلى الزعماء اللبنانيين الآخرين بأن الغطاء المسيحي للأولويات السنية والشيعية لن يكون زهيد التكلفة. قبل التفاهم بين جعجع وعون، كان كلٌّ منهما عالقاً داخل التحالف الذي ينتمي إليه. وبما أن حلفاء جعجع كما حلفاء عون كانوا يدركون أن أياً منهما لن ينفصل عن التحالف، كان للزعيمَين المسيحيين نفوذ ضئيل قبل أن يبدأ التحالفان بالانهيار. بناءً عليه، حاول كل منهما أن يحصد مكاسب أخرى – التكافؤ مع شركائهم السياسيين، والدعم للأجندات التشريعية، والنفوذ في مؤسسات الدولة اللبنانية، والسيطرة على بعض التعيينات، وحصص أكبر في مجلس النواب – من أجل ترسيخ الدعم لهما في أوساط المسيحيين اللبنانيين. في غضون ذلك، حاول الحريري وحزب الله استرضاء المسيحيين اللبنانيين من دون تمكين زعيمَيهم الأساسيين أكثر من اللازم. عندما حاول الحريري وحزب الله إيصال فرنجية إلى سدة الرئاسة، أدرك جعجع وعون أن لحظات التهميش كانت ولاتزال عوارض انحدار أعمق.

فضلاً عن ذلك، يحاول هذان الزعيمان تعزيز تأثيرهما – عون كملك، وجعجع كصانع ملوك – داخل الطائفة المسيحية اللبنانية ولبنان نفسه. ربما يعتقد عون أن موقعه في سدّة الرئاسة، لاسيما عند اقترانه مع تأثيره داخل الجيش والبرلمان والحكومة، سوف يرسم معالم الدولة اللبنانية والعملية السياسية. وسوف يفيد جعجع من هذه المناورة أيضاً. فبعدما أرغم حزب الله على مجاراة خطوته بدعم ترشيح عون وتملَّق الحريري مقنعاً إياه بفعل الشيء نفسه، بات بإمكانه أن يُظهر القوات اللبنانية في صورة حزب سياسي أكثر قوة وفي موقع يخوّله وراثة بعض من أنصار عون مع استمرار عملية تعزيز موقع المسيحيين. سوف يحاول جعجع وعون معاً الحد من تأثير الأحزاب المسيحية الأخرى بحيث لايعودان مضطرَّين إلى أن يتشاركا معها الهيئات الطلابية والنقابات المهنية والمجالس البلدية والمقاعد البرلمانية والحقائب الوزارية. (على الرغم من ذلك، يستطيع الحريري وحزب الله وجنبلاط التصدّي لجعجع وعون عبر تعزيز أحزاب مسيحية أخرى أو سياسيين مسيحيين آخرين في مناطق يسيطرون عليها سياسياً).

في المعنى الأوسع، ربما يحاول الزعيمان بث نبض جديد لدى المسيحيين اللبنانيين وتنشيط دورهم كفاعلين سياسيين في المشرق. اختبر لبنان، خلال العقد الأخير وحده، فترتَين من الفراغ الرئاسي المطوّل اللتين لم تمارسا أي تأثير يُذكَر على تسيير شؤون الدولة. لقد شهد المسيحيون اللبنانيون على اضمحلال وجودهم في الدولة وتأثيرهم عليها، في حين أن زعماءهم كانوا يتفرّجون فيما تجاهلهم الأفرقاء اللبنانيون الآخرون الذين صاغوا الديناميكات السياسية في البلاد. لقد أدرك جعجع وعون، على مضض ربما، بأن عليهما تبنّي مقاربة مختلفة للتعامل مع التغييرات الديمغرافية والسياسية (الإقليمية والدولية) الخارجة عن سيطرتهما. وبعدما أظهر الرجلان أنهما غير مستعدَّين أو غير قادرين على رص صفوفهما داخل الطائفة المسيحية أو اللعب على وتر الانقسامات داخل الطوائف الأخرى وبينها – وهما الاستراتيجيتان المتاحتان أمام الزعماء اللبنانيين ضمن الإطار المذهبي – وضعا نفسَيهما عل الأقل في موقع يخوّلهما التفكير في هذا الاحتمال أو ذاك أو في الاثنَين معاً.

يحاول هذان الزعيمان المسيحيان اللبنانيان، اللذان يصوّبان أنظارهما إلى إرثهما، ومستقبل حزبَيهما السياسيين، ومصير طائفتهما، بث نبض جديد في أدوارهما. وقد نجحا حتى الآن، إلى درجة معينة. لقد أصبح عون رئيساً، وجعجع صانع رؤساء على علاقة طيّبة بالرئيس الجديد ورئيس الوزراء العتيد. وعبر إرغام الآخرين على التفكير في ماإذا كانوا سيتبنّون التفاهم بين الرجلَين أو يتصدّون له أو يطوّقونه أو يجهزون عليه، استعاد جعجع وعون مكانتهما – في الوقت الراهن.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

أنطوني الغصين مستشار في مركز سيروس ر. فانس للعدالة الدولية. يكتب أيضاً عن الدول والمجتمعات في الشرق الأوسط. يمكنكم متابعته على تويتر: @aelghossain.