تدهورت مؤخراً العلاقات بين السعودية ومصر اللتين كان يربط بينهما حلف قوي من قبل. يمكن أن تُعزى أسباب هذا التدهور إلى عجز مصر عن تأدية دورها كضامنة لأمن الخليج في مواجهة الهيمنة الإيرانية المتنامية. ورغبتها في بناء تحالفات دولية أخرى أقل تطلّباً – لاسيما مع روسيا التي تتعارض أجندتها الإقليمية مع الأجندة السعودية.

تجلّى التحول المصري نحو روسيا في خلاف علني بين مصر والسعودية على خلفية تصويت في مجلس الأمن الدولي في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فقد صوّت الوفد المصري لصالح قرار روسي لوقف إطلاق النار في حلب من شأنه أن يتيح لروسيا الاستمرار في شن هجمات جوية، في خطوة أثارت انتقادات علنية من الوفد السعودي. اللافت هو أن الوفد المصري صوّت، خلال الاجتماع نفسه، لصالح القرار المناقِض الذي اقترحته فرنسا، والذي تبنّى الموقف السعودي الداعي إلى إنشاء منطقة محظورة الطيران. يمكن أن يُعزى هذا التناقض في الموقف إلى الرغبة المصرية في استرضاء السعودية مع الاستمرار في توطيد أواصر العلاقات مع روسيا التي ترى فيها مصر مشروع حليف دولي موثوق.

بيد أن مؤشرات التوتر المتزايد في العلاقات المصرية-السعودية بدت جليّة حتى قبل التصويت في الأمم المتحدة، مايوحي بوجود تصدّع أعمق في الروابط بين البلدَين. ومن الأمثلة على ذلك تداعيات القرار الذي اتُّخِذ في نيسان/أبريل 2016 بتسليم جزيرتَي تيران وصنافير المصريتين إلى السعودية. مثالٌ آخر هو قيام شركة النفط الوطنية السعودية أولاً بتأخير شحنات الوقود التي كان من المقرر إرسالها إلى مصر خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر، ثم تعليقها. تتلقى مصر هذه الشحنات في إطار اتفاق بقيمة 22 مليار دولار لتمويل احتياجاتها من البترول، في ظل ظروف مؤاتية، ولم تُقدَّم أي أسباب لتبرير التصرف السعودي.

رداً على الانتقاد السعودي العلني للتصويت المصري في الأمم المتحدة وعلى تعليق شحنات النفط، أطلقت وسائل الإعلام المصرية الموالية للنظام حملة ضد المملكة، متّكئةً على الخطاب القومي عن السيادة والاستقلال، ووصل بها الأمر إلى اتهام السعودية بدعم الإرهاب. حتى إن خالد صلاح، رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع"، حضّ المصريين على عدم الذهاب إلى مكة لأداء مناسك الحج أو العمرة، بذريعة أنه من شأن ذلك إنقاذ احتياطي العملات الصعبة في مصر. وغداة ذلك، شنّت وسائل الإعلام السعودية هجمات على مصر، في واحد من المظاهر العلنية النادرة للنزاع.

كما أن السبب وراء الهوّة التي تتسع بصورة مطردة يعود ربما إلى عجز مصر عن الوفاء بالوعود التي قطعتها بالتصرف كقوة عسكرية دفاعاً عن أمن الخليج في مواجهة التوغل الإيراني المتزايد في اليمن وسورية. لقد قطع عبد الفتاح السيسي هذا التعهد بنفسه خلال حملته الرئاسية في العام 2014، عندما صرّح أن التدخل العسكري المصري لحماية دول الخليج هو جزء من عقيدة الجيش المصري. وبعد تسلّمه سدة الرئاسة، جدّد في اجتماع مع وفد كويتي في العام 2016، التزام بلاده بالحفاظ على أمن دول الخليج. غير أن الدافع وراء هذه الخطوة لم يكن رغبة النظام في توسيع نفوذه خارج حدوده. بل، وكما ظهر جلياً في تسجيل صوتي مسرَّب لاجتماع بين السيسي وقادة عسكريين آخرين، كان الدافع الحاجة إلى استمرار تدفق المساعدات من الخليج، ولاسيما من السعودية.

لكن مصر فشلت في الوفاء بالتزاماتها. فعلى سبيل المثال، الموقف المصري في الملف السوري أكثر اصطفافاً إلى جانب موسكو وطهران منه إلى جانب الرياض. لقد أعلنت السعودية في شباط/فبراير 2016 أنها جاهزة لإرسال قوات برية إلى سورية في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بعدما حققت القوات الموالية للأسد عدداً من المكاسب بدعم من الهجمات الجوية الروسية التي بدأت في أيلول/سبتمبر 2015. فردّت مصر بأن الإستعداد لإرسال قوات برية إلى سورية هي قرار سيادي سعودي، ولاتنطبق على التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أنشأته السعودية ويضم في صفوفه مصر و37 بلداً آخر، من دون أن يشمل إيران والعراق وسورية. يعكس القرار الذي اتخذته مصر بالنأي بنفسها عن الإعلان السعودي، إقرارها بالهدف الذي يسعى إليه التحالف ويتمثّل في التصدي للهيمنة الإيرانية في سورية. وكذلك أعلن السيسي أن مصر تدعم الحاجة إلى التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض في سورية، مع أنه لم يذكر إذا كانت هذه التسوية ستشمل عزل الأسد. تعتبر السعودية من جهتها أن أي قبول لنظام الأسد هو أيضاً قبولٌ للهيمنة الإيرانية على سورية. لكن في الوقت الراهن، تسعى مصر، من خلال دعمها السياسة الروسية الموالية للأسد في سورية، إلى توطيد أواصر العلاقات مع موسكو.

في حالة اليمن، حيث يخوض التحالف حملة مطوّلة بقيادة السعودية، الموقف المصري أكثر التباساً. لكن المحصلة النهائية هي نفسها، وتتمثل في المشاركة الرمزية في الحرب. في مستهل الحرب، أرسلت مصر قوات بحرية وجوية إلى اليمن، وأعلنت أيضاً عن نيتها إرسال قوات برية في حال الاقتضاء. على الرغم من أن مجلس الأمن القومي المصري وافق في كانون الثاني/يناير 2016 على تمديد مشاركة مصر في قوات التحالف عاماً واحداً، إلا أن القاهرة لم ترسل حتى تاريخه أي قوات برية إلى اليمن. ترتدي مشاركة الجيش المصري في اليمن طابعاً رمزياً في شكل أساسي، ولم تستوفِ النوعية أو الكمية التي تتوقعها دول الخليج.

على الرغم من أنه ليس بمقدور النظام المصري خسارة المساعدات الخليجية، إلا أنه من شأن التدخل العسكري – الذي سوف يُكبّد الجيش المصري خسائر فادحة في الأرواح على الأرجح – أن يتسبب برد فعل قوي وواسع النطاق في الداخل. تفادياً لمثل هذا السيناريو، تسعى مصر إلى أن تكسب روسيا كحليف اقتصادي لاتفرض عليها الكثير من المطالب العسكرية. فعلى سبيل المثال، تعاونت مصر مع روسيا في مجال الطاقة النووية، ووافقت في هذا الإطار على الحصول على قرض روسي قدره 25 مليار دولار في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 لبناء مصنع للطاقة النووية. وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعدما خرجت التشنجات مع السعودية إلى العلن، وافقت مصر وروسيا على تنظيم تدريبات عسكرية مشتركة، ماأدّى إلى تفاقم التنافر بين الوعود والممارسات المصرية تجاه دول الخليج. 

ختاماً، يعود السبب وراء التدهور العلني في العلاقات بين الحليفَين إلى الديناميات الطويلة الأمد المرتبطة بعجز مصر عن التصرف كضامنة لأمن الخليج. وهكذا، على ضوء العجز المصري عن تلبية هذه المقتضيات، تصوّب القاهرة أنظارها نحو حلفاء أقل تطلباً، على رأسهم روسيا. مع تعاظم هشاشة النظام المصري، أصبح الاحتمال أكبر بأن ينجرف بصورة متزايدة نحو الدوران في الفلك الروسي والبحث عن حلفاء موثوقين مماثلين ميزتهم الإضافية بالنسبة إليه أنهم يدعمون قمعه للمعارضين في الداخل.

 

ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt لدى Open Democracy. يمكنكم متابعته عبر تويتر: @MagedMandour.