بعد تعويم الجنيه المصري في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ثم خفض الدعم الحكومي للمحروقات في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، أزاحت الحكومة المصرية العقبات الأخيرة التي كانت تعترض طريقها نحو الحصول على الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي وقدره 12 مليار دولار أميركي. تأتي هذه الصفقة الكبرى بعد سنوات من الجهود المتعثّرة، والنداءات المتواصلة للإصلاح التي أطلقتها جوقة من الخبراء الاقتصاديين المحليين والدوليين، وغداة العديد من الاجتماعات بين مسؤولين مصريين وصندوق النقد الدولي. على الرغم من أنه لم يمضِ وقت طويل على إنجاز اتفاق القرض الذي وضع صندوق النقد الدولي اللمسات الأخيرة عليه يوم الجمعة 11 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، إلا أن الاتفاق والإصلاحات التي تشكّل شرطاً مسبقاً للحصول على القرض، أحدثت منذ الآن تغييراً جوهرياً في الاقتصاد المصري بطريقة لم يتوقّعها سوى المراقبين الأكثر تفاؤلاً.

وقد وافقت مصر، في إطار شروط الاتفاق، على تطبيق عدد من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، منها عرض أسهم العديد من الشركات التي تديرها الدولة للتداول جزئياً في البورصة، وتطبيق الضريبة على القيمة المضافة التي يجري العمل على صياغتها منذ سنوات عدة، ووضع مشروع قانون لإصلاح الخدمة المدنية من أجل ضبط الرواتب في القطاع العام. على الرغم من نفي المسؤولين أن تكون الضريبة على القيمة المضافة وقانون الخدمة المدنية من الشروط التي فُرِضت في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تُعتبَر هاتان الخطوتان إجرائَين إصلاحيين طال انتظارهما من أجل بناء الثقة لدى المستثمرين.

لكن الأهم هو تركيز صندوق النقد الدولي على وجوب قيام مصر بتحرير سوق صرف العملات الأجنبية وإصلاح برنامجها الخاص بالدعم الحكومي لقطاع الطاقة. فمنذ ثورة 2011، سجّلت الأسعار التي يدفعها المصريون ثمناً للسلع المستورَدة ومصادر الطاقة اختلافاً شديداً عن أكلافها الفعلية في السوق العالمية نتيجة تثبيت سعر صرف العملات من قبل المصرف المركزي. كانت لهذه السياسة إيجابياتها – فقد استخدمت الدول الأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي أسعار صرف ثابتة في مقابل الدولار الأميركي أو سلّة من العملات للحفاظ على مستويات أسعار داخلية مستقرة في مجال السلع المستوردة.

لكن في حين أن بلدان مجلس التعاون الخليجي كوّنت، في معظمها، احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية دفاعاً عن تثبيت الأسعار، لم يتحقق ذلك في مصر. فقد تراجع صافي احتياطيات العملات الأجنبية من 36 مليار دولار في أواخر العام 2010 إلى 13 مليار دولار فقط في صيف 2013، وظلت تتراوح بين 15 و20 مليار دولار تقريباً منذ ذلك الوقت – وهذا المبلغ بالكاد يكفي لتغطية ثلاثة أشهر من الواردات، بحسب توصية صندوق النقد الدولي. السبب الأساسي وراء الانخفاض في احتياطي العملات الأجنبية هو المحاولات التي بُذِلت للدفاع عن الجنيه المصري المقدّر بأعلى من قيمته الحقيقية إبان ثورة 2011، عندما تحوّل الفائض في الحساب الجاري إلى عجز يزداد اتّساعاً. فقد سجّلت عائدات القطاع السياحي التي تشكّل مصدراً مهماً للعملات الأجنبية، هبوطاً حاداً على خلفية عزل رئيسَين للدولة منذ ثورة 2011 ووقوع العديد من الحوادث الأمنية التي شهدت سقوط ضحايا أجانب وحظيت بتغطية إعلامية واسعة. كما أن الدعم الحكومي الشديد للأكلاف في قطاع الطاقة، وصعود طبقة وسطى ذات إقبال شديد على استخدام الأجهزة الإلكترونية، ساهما أيضاً في ازدياد نسبة الورادات. بعبارة أخرى، بدأت الدولارات تدخل بكمية أقل إلى السوق المصرية، وتخرج بكمية أكبر.

قبل تعويم الجنيه المصري في السوق المفتوحة، كان البنك المركزي قد أتاح حدوث تراجع في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار من نحو 5.75 جنيهاً مقابل الدولار قبل الثورة إلى 8.88 جنيهات في الجزء الأكبر من العام 2016، وذلك بهدف التصدّي للزيادة في الدولارات الأميركية إبان إلغاء الحدود التي كانت مفروضة على الودائع بالدولار في الحسابات المصرفية في مصر. لكن على الرغم من إشادة المستثمرين بهذه الخطوة في بداية الأمر، والتحسّن الملحوظ في سوق الأسهم المصرية، لم يكن ذلك كافياً. فقد واجهت الشركات والأعمال الراغبة في الحصول على عملات أجنبية من أجل تسديد ثمن الواردات، خيارَين اثنين: إما الانتظار أملاً في الحصول على عملات أجنبية عن طريق المصارف التي يتعاملون معها، وإما اللجوء إلى السوق السوداء حيث دفع بعض المصنّعين المصريين معدلات سعر صرف تفوق 18 جنيهاً مصرياً مقابل الدولار الواحد. نتيجة هذا النقص في سوق العملات الأجنبية، بدأت الشركات المصرية بخفض الواردات، وهدّدت شركات كبرى متعددة الجنسيات بمغادرة مصر بسبب المعوّقات التي كانت تواجهها لدى محاولتها نقل أرباحها إلى خارج البلاد.

من شأن قرض الـ12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، فضلاً عن التمويل الأجنبي بقيمة ستة مليارات دولار الذي نجحت مصر في الحصول عليه كشرط مسبق من أجل إعطاء صندوق النقد الدولي موافقته النهائية على القرض، إلى جانب طرح إضافي لسندات دولية بقيمة 2.5 مليارَي دولار في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أن تنعش قليلاً احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، وهو مايشكّل حاجة ماسة للبلاد. فسوف يتيح ذلك للحكومة الانتهاء من تسديد مبلغ الـ3.58 مليارات دولار الذي تدين به لشركات النفط والغاز الدولية عن منتجات الطاقة التي كانت مخصّصة للتصدير إلى الخارج لكنها أُرسِلت إلى السوق المحلية. كما أنه يسمح للمستوردين المصريين بالوصول من جديد إلى السوق الدولية، وتسوية أوضاع الاستيراد، وتسديد مستحقات المورّدين الأجانب.

من المنافع المفترضة الأخرى التي يمكن أن تترتب عن القرض أنه قد "يشكّل حافزاً للمقرضين الآخرين"، ويساهم في زيادة عامل الثقة لدى المستثمرين الأجانب. ربما كان ذلك صحيحاً إلى حد ما، وقد يفكّر عدد كبير من المستثمرين من جديد في توظيف أموالهم في مصر نظراً إلى تبدّل قيمة الجنيه المصري مع بلوغها نحو 15.5 في مقابل الدولار. بيد أن هذا الانتعاش في الثقة سيكون محدوداً على الأرجح طالما أن الإصلاح الحقيقي لايتحقق إلا في ظل انعدام الخيارات الأخرى.

لم يحصل النقص في احتياطي العملات الأجنبية بين ليلة وضحاها – فالسوق السوداء تقدّم أسعاراً أفضل بكثير من البنك المركزي لبيع الدولار منذ سنوات. لقد تسبّبت الجهود التي بذلها البنك المركزي المصري من أجل التصدي للسوق السوداء عن طريق ضبط الرساميل وفرض حدود على الودائع بالدولار، بوضع عوائق أمام الشركات والأعمال المصرية، لكنها لم تكبح إقبال المستهلكين المصريين على السلع الأجنبية. بل إن مصر، وعبر الانتظار طويلاً والإحجام عن المجازفة في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، فوّتت فرصة الإفادة من التدنّي التاريخي نسبياً في أسعار المواد الغذائية والنفط الخام.

لعل السبب وراء هذا التلكؤ من جانب الحكومة المصرية يعود إلى الضغوط التضخمية الأخيرة في جزء منها، وكذلك إلى موجات الهلع التي تجتاح السوق وتؤدّي إلى التهافت على شراء مجموعة منوّعة من السلع. فمع تراجع حركة الاستيراد من قبل الشركات المصرية، اشتدّ النقص الداخلي في المواد الغذائية مثل السكر، ماأدّى إلى تخزين السلع وإلى التقنين والتضخم مع قيام المصريين بإنفاق مزيد من الأموال على كميات أقل من السلع. كان هذا التضخم ليحدث لامحالة، في جزء كبير منه، عندما يؤدّي تعويم العملة إلى تراجع قيمة الجنيه المصري، لكن عبر ترك الهلع ينتشر في السوق المحلية، خسرت الحكومة المصرية والبنك المركزي القدرة على إدارة الزيادات في الأسعار بطريقة منظّمة ومضبوطة.

علاوةً على ذلك، وفي أعقاب الخطوة المفاجئة التي قامت بها الحكومة المصرية لخفض الدعم للمحروقات في تموز/يوليو 2014، بعد أسابيع فقط على تسلّم عبد الفتاح السيسي سدّة الرئاسة، عادت السلطات المصرية فتركت الدعم الحكومي على حاله طوال أكثر من عامَين. على الرغم من ذلك، استمر الإنفاق على الدعم الحكومي للمحروقات في التراجع جراء الانهيار في أسعار النفط في السوق العالمية. كان يُفترَض بالدعم الحكومي للمحروقات على وجه التحديد أن يشكّل هدفاً سهلاً لإجراءات التقشف، كون هذا الدعم يعود بالفائدة على الأثرياء في شكل أساسي: تستحوذ نسبة العشرين في المئة الأكثر ثراء بين المصريين على حصة 46 في المئة من الفاتورة الإجمالية للدعم الحكومي. مع ذلك، فشلت الحكومة المصرية مجدداً في الإفادة من القوة النسبية للجنيه المصري لإجراء خفوضات إضافية في الدعم للمحروقات. ولم تبادر الحكومة إلى التصرف إلا عندما أرغمها صندوق النقد الدولي على ذلك، والمفارقة أن خفض الدعم الحكومي مباشرةً بعد تعويم الجنيه المصري أدّى إلى تراجع قيمة مدفوعات المستهلكين المصريين بالدولار الأميركي بالمقارنة مع قيمتها قبل خفض الدعم الحكومي. بعبارة أخرى، في حين يلمس المصريون ارتفاعاً في الأسعار في محطات الوقود، سوف تعاني الميزانية المصرية من التدهور بسبب تراجع قيمة الجنيه المصري.

ساهمت الإصلاحات الاقتصادية والقرض الذي حصلت عليه مصر مؤخراً من صندوق النقد الدولي في تجديد ثقة المستثمرين، لكن إجراء مزيد من الإصلاحات البنيوية قد يؤدّي إلى خلل في الاستقرار الاجتماعي.

فضلاً عن ذلك، قد تواجه الحكومة المصرية استياء شعبياً وغضباً عارماً بسبب ارتفاع الأسعار والنقص في السلع، الأمر الذي قد يؤدّي إلى اندلاع حركة احتجاجية جديدة. حتى الآن، تلازم الجماهير المصرية منازلها إلى حد كبير، غير أن التشنجات تتعاظم. فالخطوات الناقصة التي قد ترتكبها الحكومة في المستقبل يمكن أن تدفع بالمصريين إلى النزول من جديد إلى الشارع. لاتزال التظاهرات الحاشدة التي شهدتها البلاد في العام 2011 ومن ثم في العام 2013 حيةً في أذهان المسؤولين، كما أن كبار المسؤولين الحكوميين لم ينسوا في معظمهم انتفاضة الرغيف التي اندلعت في العام 1977 على خلفية تحرك الحكومة لخفض الدعم للمواد الغذائية.

لقد أظهرت الحكومة المصرية، في مواجهة الأزمات المستفحلة، نزعة مقلقة إلى الإبقاء على الوضع القائم بدلاً من انتهاز الفرصة. إلا أن ذلك لم يمنع من الإشادة عن حق بثقة الحكومة المستجِدّة بليبرالية السوق. ليست الإصلاحات مثل تعويم العملة وخفض الدعم الحكومي للمحروقات غايةً بحد ذاتها، بل إنها وسيلة من أجل بناء اقتصاد أقوى وأكثر استدامة وازدهاراً. إن قرار القبول بالقرض غير المسبوق من صندوق النقد الدولي وتطبيق إصلاحات بنيوية، يفسح في المجال أمام المضي قدماً في مسار قد يشكّل منعطفاً في التاريخ الاقتصادي لمصر الحديثة.

بيد أن هذا المسار شديد الوعورة ومليء بالمطبّات. يؤدّي تراجع العملة المحلية بسهولة إلى زيادة عجز الموازنة، وبالتالي إلى ارتفاع التضخم. كما أن زيادة الضرائب قد تثير سريعاً امتعاض النخب الاقتصادية من البرنامج الإصلاحي وتشكيكها في منافعه، مايؤدّي إلى تراجع الدعم لهذا البرنامج من المواطنين الأكثر تأثيراً والذين يملكون شبكة واسعة من المعارف والعلاقات. أما خفض الدعم الحكومي فيمكن أن يقود سريعاً إلى اضطرابات مدنية أو إلى اندلاع ثورة – ومصر لاتملك المال ولا الصبر لمواجهة مثل هذه التطورات.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

برندان ميغان محلل متخصص في الاقتصاد الكلي يركّز على منطقة الشرق الأوسط.