يتسبّب الهبوط في أسعار النفط التي تراجعت بنسبة 70 في المئة بالمقارنة مع أعلى مستوياتها التي بلغتها في العام 2014، بتأثيرات حادّة تطال جميع منتجي المواد الهيدروكربونية، إنما في شكل خاص السعودية، بعدما وصل متوسط سعر برميل النفط حالياً إلى 47 دولاراً أميركياً. تشمل الأسباب المتداخلة الكثيرة التي تقف وراء هذا الانخفاض الشديد في الأسعار التخمة النفطية، وتراجع الطلب، وتوسيع استخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة. غير أن العامل الأكثر مساهمةً في التراجع المتواصل في الأسعار هو حروب تسعير النفط الدائرة بين البلدان المتجاورة في الشرق الأوسط، حيث تستمر بلدان مثل السعودية والعراق وإيران وليبيا والكويت – التي تواجه ضغوطاً مالية كبيرة للحفاظ على برامجها الاقتصادية والاجتماعية وتأمين الاستقرار الداخلي – في دفع أسعار التصدير النهائية نحو الأسفل فيما تتنافس على الحصة نفسها في السوق وعلى الاحتفاظ بالعملاء.

تحاول السعودية تثبيت أسواق النفط وزيادة الأسعار عبر الاجتماع بالدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبيك) والمنتجين الآخرين غير المنتمين إلى المنظمة، مثل روسيا، من أجل تحديد سقف للإنتاج. لكن بعد جولات عدة من الاجتماعات – أولاً في الدوحة في نيسان/أبريل 2016، ثم في فيينا والعاصمة الجزائر في أيلول/سبتمبر، واسطنبول وموسكو في تشرين الأول/أكتوبر، مع اجتماع جديد مرتقَب في فيينا في 30 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري – يبدو من شبه المستحيل إقناع جميع المنتجين بالانضمام إلى هذا المسعى. لكن فيما تسعى السعودية إلى دفع البلدان النائية، مثل روسيا وفنزويلا ونيجيريا والمكسيك، إلى خفض إنتاجها، لاتبذل الجهود اللازمة للتقارب مع الدول المجاورة، لاسيما مع الخصمَين المذهبيين، إيران والعراق. كما أنها تفتقر إلى استراتيجية واضحة للتسويق والتعاون مع الدول المنتِجة في مجلس التعاون الخليجي.

تأمل الدول الأعضاء في منظمة أوبيك بأن يساهم خفض الإنتاج في تثبيت أسعار النفط أو حتى رفعها. لكن بما أن بلدان أوبيك تنتج فقط 40 في المئة من إمدادات النفط العالمية وتستهلك أقل من عشرين في المئة، أصبحت هذه الدول مرغمة الآن على القبول بأسعار السوق – بعد فقدانها السيطرة بالكامل على الأسواق منذ العام 1988، عندما انهارت آليات الأسعار الخاصة بمنظمة أوبيك. يجري عادةً تحديد أسعار النفط العالمية بحسب مؤشرَين اثنين، مؤشر "وسترن تكساس إنترميديت" (دبليو تي آي) الذي يُستخدَم في شكل أساسي في القارة الأميركية، ومؤشر "برنت" الذي يتبعه الجزءالأكبر من البلدان الأخرى – مع العلم بأن هناك مؤشرات أصغر مثل مؤشرَي دبي وطوكيو. لكن لاتمرّ كل العروض والطلبات النفطية عبر هذه المؤشرات. يُباع النفط الخام العيني بصورة مباشرة أو غير مباشرة بين البلدان وبين شركاتها النفطية ومصافي التكرير فيها؛ أو بين دور التجارة المستقلة مثل "فيتول" و"ترافيغورا" و"مركوريا" و"غونفور"؛ أو بين شركات النفط والغاز مثل "بي بي" و"شيل" و"إني" و"لوك أويل". أسعار النفط الخام الذي يُباع عينياً يتم التفاوض عليها عادةً بصورة مباشرة بين الأطراف المعنية، وتُحدَّد بأقل من أسعار مؤشرَي "دبليو تي آي" و"برنت". وحدها المشتقات المالية على غرار عقود النفط الآجلة وحقوق البيع أو الشراء تخضع لبورصات السلع الأساسية.

واقع الحال هو أن أسعار النفط الخام العالمية بحسب مؤشرَي "برنت" و"دبليو تي آي" تُحدَّد بغض النظر عن التغييرات في العرض والطلب على النفط العيني – لاسيما على ضوء الإنتاج الجديد للنفط الصخري في الولايات المتحدة وكندا، وزيادة الإنتاج والصادرات الإيرانية مع تخفيف العقوبات العالمية، وتسجيل الإنتاج في روسيا والبلدان الأعضاء في منظمة أوبيك أعلى مستوياته للتعويض عن الانكماش الاقتصادي، وتراجع الطلب فيما يواجه الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وبلدان أخرى تباطؤاً اقتصادياً. حتى لو وافقت بلدان أوبيك على تجميد إنتاج النفط أو خفضه – والتزمت به – لايضمن ذلك بالضرورة حدوث زيادة في الأسعار. فمبادئ السوق الأساسية في تسعير النفط لاتُعرَف أبداً بطريقة أكيدة. ليس واضحاً كم يبلغ حجم التخمة العالمية في العرض، وفي غياب الكشف الكامل والشفاف عن الإنتاج النفطي والصادرات النفطية، وحدها وكالات تسعير النفط على غرار بلاتس (ودور التجارة القليلة المعنية بآلات اكتشاف الأسعار) تستطيع أن تحدّد مؤشرَي "برنت" و"دبليو تي آي"، وبالتالي السعر العالمي اليومي للنفط الخام.

لكن في أوبيك وسواها من المنتديات مثل مؤتمر الطاقة العالمي أو منتدى الطاقة الدولي، تستمر السعودية في تقديم نفسها، وفي الظهور في صورة المنتِج المرجِّح (swing producer) و"المصرف المركزي" لإمدادات النفط. على الرغم من أن القيادة السعودية، سواءً كان وزير الطاقة الجديد خالد الفالح أو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تحاول تشجيع الاستثمارات الناشطة في أسواق النفط، إلا أن المملكة لاتزال مضطرة إلى القبول بسعر السوق لأن نفطها لايخضع بعد للتداول الحر في الأسواق المفتوحة. بما أن السعوديين يفرضون قيوداً على الشارين في مجال إعادة البيع، عليهم أن يبذلوا جهوداً دؤوبة للاحتفاظ بالعملاء في كل واحدة من الصفقات التي يعقدونها، مايضعهم في مواجهة مع الدول المجاورة المنافسة لهم في الشرق الأوسط مثل إيران والعراق، إنما أيضاً الدول الأصدقاء في مجلس التعاون الخليجي مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة، وبلدان مصدِّرة أخرى، ودور تجارة نفطية.

لكن على الرغم من أن منتجي النفط في الشرق الأوسط غير قادرين على التأثير في الأسعار العالمية، إلا أنهم لايزالون يساهمون في تراجع الأسعار النهائية لصادرات النفط الخام. فهم يتشاركون وجهات التصدير نفسها: الاتحاد الأوروبي والصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. لاتتنافس السعودية فقط مع الولايات المتحدة وروسيا ومع الدول الأخرى الأعضاء في منظمة أوبيك، على حصة في السوق في تلك البلدان، بل تتنافس أيضاً مع بلدان شرق أوسطية أخرى على الحسومات على مؤشر برنت. فكلما سوّقت السعودية نفطها الخام لتصديره بسعر مخفَّض عن مؤشر برنت، مثلاً بأقل بثلاثة دولارات للبرميل، تعمد إيران إلى خفض دولار إضافي عن سعر البيع الرسمي الذي تعتمده السعودية، ثم يخفّض العراق السعر دولاراً إضافياً. بدلاً من خفض تكاليف الإنتاج، تُنتج هذه البلدان وتصدّر كمية أكبر من النفط الخام للتعويض عن هذه الحسومات. حالياً تنتج السعودية نحو 10.7 ملايين برميل في اليوم، وتتنافس مع الولايات المتحدة وروسيا على مستوى الإنتاج نفسه، لكنها تستهلك تقريباً نصف إنتاجها. تخوض هذه البلدان المصدِّرة حرب استنزاف في الأسعار والكميات، فيما تمتلئ مستودعات الاتحاد الأوروبي حتى القطرة الأخيرة، وتخزّن الصين كميات إضافية من النفط الخام حتى في الوقت الذي تعمد فيه إلى تطوير احتياطاتها من النفط الصخري.

حتى إن حروب أسعار النفط في الشرق الأوسط تدور داخل الدول نفسها. فعلى سبيل المثال، باع إقليم كردستان العراق، في العامَين 2014 و2015، النفط الخام على الساحة الدولية بسعر أقل من ذاك الذي اعتمدته الحكومة المركزية في بغداد التي كانت تعاني من عدم الملاءة ومن توغّل تنظيم الدولة الإسلامية وتعدّيه على مقدّرات البلاد. حصل الشيء نفسه في ليبيا مع تنافس مراكز النفوذ المختلفة في طرابلس وبنغازي ومصراتة والزنتان على بيع النفط بأسعار مخفَّضة إلى تجار النفط المستقلين في أوروبا بهدف جمع أموال للميليشيات والخدمات الحكومية المحلية، مايتسبب بفوضى في سوق التصدير بالنسبة إلى الحكومات المحلية التي لاتستطيع فرض بيع النفط بأسعار أعلى، وكذلك بمزيد من الإرباك في أوساط المتنافسين.

إذا واصلت السعودية استراتيجيتها النفطية القائمة على مبدأ العين بالعين، في تعاملها مع بلدان على غرار إيران والعراق، وفشلت في تزويد الدول المنتِجة للنفط في مجلس التعاون الخليجي باستراتيجية موحَّدة للتسويق النفطي، يُخشى أن يُنظَر إليها ليس كمثبِّتة للأسعار إنما كجهة متنمّرة ومصدر للتقلبات في الأسواق العالمية. بدلاً من ذلك، بإمكان القيادة السعودية أن تلاقي البراغاماتيين الإيرانيين والعراقيين في منتصف الطريق لتنسيق الإنتاج والتسويق وتجنّب مزيد من التقلبات. من شأن ترسيخ موقع بلدان مجلس التعاون الخليجي في التصدير أن يجعل منها لاعبة أكبر في السوق، مايتيح لتلك البلدان التفوّق على الدول المنتجة الأخرى لناحية قدرتها على التأثير في العرض. بإمكان السعودية أن تستخدم أيضاً مؤشر أسعار دبي - عبر تعزيزه من خلال العقود العينية والاشتقاقية من أجل الاستقلال أكثر عن مؤشر برنت، لاسيما في مايختص بالصادرات المتّجهة إلى آسيا – بغية استعادة دورها القيادي في تسعير النفط واستقلاليتها عن وكالات التسعير ودور التجارة، وتجنُّب الفوضى التي تتسبب بها الجهات الداخلية المصدِّرة للنفط.


 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

هادي فتح الله خبير اقتصادي ومستشار في السياسات يركّز على الطاقة والأمن الغذائي والمخاطر السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. زميل في معهد كورنيل للشؤون العامة في جامعة كورنيل، وعضو في هيئة المشكّلين العالميين (Global Shapers Community)، إحدى مبادرات المنتدى الاقتصادي العالمي.