أشرف الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في صيف 2016 على آلية لتشكيل "حكومة وحدة وطنية" أملاً في إرساء الاستقرار في تونس. وقد اكتسبت هذه الآلية طابعاً رسمياً في تموز/يوليو 2016 من خلال اتفاق قرطاج. وظهرت مفاعيلها الملموسة الأولى في 30 تموز/يوليو، عندما طلب رئيس الوزراء الحبيب الصيد من البرلمان التصويت على الثقة، فكانت نتيجة التصويت حجب الثقة عن الحكومة، ماأفضى إلى إقالته من منصبه واستبداله بيوسف الشاهد. وفي 27 آب/أغسطس، وافق البرلمان على حكومة "الوحدة الوطنية" الجديدة التي تتألف من 26 وزيراً و14 وزير دولة، بنسبة 86 في المئة من أصوات النواب التونسيين.

على الرغم من أن الحكومة السابقة كانت تتمتع بأكثرية برلمانية أتاحت لها تطبيق إصلاحات واسعة النطاق، إلا أن تونس اختارت تشكيل حكومة وحدة وطنية في شكل محدد من أشكال تقاسم السلطة، لاسيما بين حزب نداء تونس وحركة النهضة اللذين يملكان الكتلتَين الأكبر في البرلمان. وقد جاء اتفاق قرطاج تتويجاً لسلسلة اجتماعات عُقِدت بين ممثّلي هذَين الحزبين منذ آب/أغسطس 2013، في إشارة إلى أن نموذج التسوية النخبوية هو عنصر مهم في التحوّل الذي شهدته تونس بعد العام 2011. مع إقرار اتفاق قرطاج، أصبح للممارسة الآنية المتمثلة في التسوية النخبوية أساس رسمي جديد. فضلاً عن ذلك، عمد الاتفاق إلى توسيع الصيغة لتشمل أحزاباً سياسية أخرى – منها الأحزاب الأربعة في الحكومة الائتلافية (نداء تونس، والنهضة، وآفاق تونس، والاتحاد الوطني الحر)، وخمسة أحزاب معارِضة (مشروع تونس، والمبادرة، والجمهوري، والمسار، وحركة الشعب) – وثلاث مجموعات أهلية – الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

مما لاشك فيه أن صيغة اتفاق قرطاج ساعدت على إدارة المأزق السياسي الخطير الذي تمرّ فيه تونس. العامل الأهم هو الاستعداد المتجدّد لدى النخب السياسية الحزبية للتوصّل إلى تسويات. وينطبق هذا في شكل خاص على آلية المصالحة بين الفصائل الموالية للإسلاميين وتلك المناهضة لهم على المستوى المؤسّسي. فقد ساهم ذلك، إلى جانب سلسلة النقاشات غير الرسمية التي أفضت إلى إبرام الاتفاق، في منع حدوث مزيد من الاستقطاب في المشهد السياسي، فأصبح حكم تونس ممكناً في مرحلة من الالتباس الشديد.

إلا أن التسوية النخبوية تنطوي على مخاطر أبرزها التهميش المحتمل للمعارضة الأوسع في صفوف البرلمان والمجتمع الأهلي، ماقد يؤدّي إلى ظهور ظروف غير ديمقراطية: ففي غياب الإجراء التصحيحي الضروري الذي يمثّله التدقيق والمراقبة من قبل المعارضة، يمكن أن يصبح تحديد الأهداف السياسية مجرداً إلى حد كبير من المضمون. فعلى الرغم من أن موقّعي اتفاق قرطاج يمثّلون غالبية كبرى من المقاعد التي تمت السيطرة عليها في الانتخابات البرلمانية في العام 2014، إلا أن الأحزاب التسعة في الائتلاف تمثّل 32 في المئة فقط من الناخبين في تونس.1 علاوةً على ذلك، تعمل الحكومة الجديدة على تفكيك توازن القوى الذي نشأ بعد انتخابات 2014 النيابية، فالاتفاق لم يمنح دوراً واضحاً للمعارضة، مهدِّداً بتهميشها بالكامل.

علاوةً على ذلك، فإن تطور مسار الاتفاق، من خلال سلسلة المحادثات غير الرسمية بين السبسي وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، خارج القنوات المعمول بها في العملية الديمقراطية، أدّى إلى إضفاء طابع شديد الشخصنة على آلية صنع القرارات. فقد ذكرت تقارير أنه حتى رئيس الوزراء الصيد لم يكن على علمٍ في البداية بمبادرة السبسي إلى أن مورست عليه ضغوط فجأةً للاستقالة من منصبه. على الرغم من أن الصيد رفض سابقاً التخلي عن منصبه طوعاً، إلا أنه جرى في النهاية استبدال حكومته بطريقة دستورية عبر حجب الثقة عنها، في خطوة تشكّل سابقة في التاريخ التونسي. إذاً لقد أفضت الشخصنة في صنع القرارات إلى دفع حكومة منتخبة نحو الاستقالة.

من شأن عملية بناء الإجماع التي تُعتبَر ضرورية إنما دونها صعوبات، والتي تتم برعاية ائتلاف كبير، أن تدفع أيضاً بأعضاء الائتلاف إلى تجنّب المواضيع السجالية – مثل الموقف العام تجاه النظراء السياسيين، وتطبيق النماذج الاقتصادية والإنمائية، ودور الإسلام وعلاقته بالدولة، والعدالة الانتقالية وإقرار قانون مصالحة جديد. في غضون ذلك، قد يصبح من الأصعب التمييز بين النهضة ونداء تونس فيما يحاول كل منهما، بأسلوب انتهازي، تعزيز اندماجه داخل الائتلاف. وهذه الخسارة للهوية الحزبية المتمايزة قد تثير نفور النخب السياسية والقاعدة الحزبية على السواء، مايولّد فراغاً خطيراً يمكن أن تتقدّم قوى جديدة من خارج العملية الديمقراطية الرسمية لملئه.

إلى جانب هذه المخاطر المحدِقة بالمبادئ الديمقراطية، قد تكون استراتيجية "الوحدة الوطنية" معرَّضة لخطر أن تصبح مجردة من المعنى – وغير قابلة للاستمرارية – إذا ظلت محصورة بالمستوى المؤسسي البحت. لقد حدّد اتفاق قرطاج ست أولويات واسعة النطاق – محاربة الإرهاب؛ وتشجيع التنمية والنمو والعمل؛ ومكافحة الفساد؛ وتنظيم المالية العامة؛ وتطبيق اللامركزية؛ وزيادة فعالية الحكومة – لكنه وضعَ بذلك إطار عمل مبهماً للحكومة الجديدة. يشكّل تحويل هذه المبادئ التوجيهية إلى قوانين ملموسة، وتطبيق القوانين المتّفق عليها، المهمتَين الأساسيتين اللتين تقعان على كاهل الحكومة الجديدة التي ينبغي عليها العمل أيضاً من أجل معالجة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. يجب وقف الانحدار الاجتماعي والمناطقي ليتمكّن التونسيون من لمس مبدأ "الوحدة الوطنية" التجريدي في حياتهم اليومية. وإلا سيظل التعاون المؤسسي في أعلى الهرم السياسي في تونس يحتفظ بالنكهة غير المستساغة للتسوية النخبوية.

بحسب المبادئ التوجيهية، أحد الأهداف المحورية للحكومة الجديدة هو تسهيل التنمية والنمو والعمل، وذلك من أجل معالجة التصدّعات داخل المجتمع التونسي. لقد كان ذلك من المطالب الأساسية التي رفعتها الحركة الاحتجاجية قبل العام 2011 وبعده. في إطار الاستعدادات لمؤتمر "تونس 2020" – مؤتمر استثماري دولي يُعقَد في 29-30 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري – اقترحت الحكومة خطة إنمائية خمسية في حزيران/يونيو تتمحور حول استقطاب الاستثمارات في القطاع الخاص. إلا أنه ليس أكيداً إلى أي حد تشكّل هذه الخطة اتجاهاً جديداً بكل ماللكلمة من معنى: فاستراتيجية النمو التي تنتهجها الحكومة تتّبع إلى حد كبير المبادئ التوجيهية السياسية والاقتصادية نفسها التي تطبع النموذج الإنمائي التونسي منذ تسعينيات القرن الماضي. لكن إذا كان الهدف من هذا النموذج التنموي تحقيق مزيد من المساواة الاجتماعية والاقتصادية والمناطقية، يجب أن ينخرط المستثمرون الأجانب عن كثب في استحداث الوظائف ونقل التكنولوجيات لتسهيل الاستثمارات الاستهدافية في القطاعات ذات القيمة الأعلى، الأمر الذي من شأنه أن يساهم، في المدى المتوسط، في تحسين مكانة تونس في السلسلة العالمية للقيمة المضافة، فتتخطى بذلك موقعها كبلد مورِّد. كما أنه سيؤدّي، في المدى الطويل، إلى تحفيز السوق الوظيفية وخفض البطالة التي تُعتبَر من المشكلات الأكثر بروزاً في المجتمع التونسي.

من شأن قانون جديد ينظّم الاستثمار بصورة أكثر تفصيلاً وتأنّياً، أن يساهم في تطبيق اللامركزية، فيؤدّي إلى تحسين أوضاع المناطق المهمّشة اقتصادياً في الجنوب وفي الأجزاء الداخلية من البلاد. تتضمن الخطة الإنمائية الجديدة توظيف استثمارات كبيرة في البنى التحتية المناطقية للحد من التفاوت بين الأجزاء المختلفة في البلاد. لكن ما لم يتحقق تقدّم ملموس في تعزيز السلطات المحلية والبلدية، ستبقى تأثيرات هذه المشاريع محدودة. لقد نصّت المادة 14 من دستور 2014 على الالتزام باللامركزية، لكن التقدم نحو تطبيقها بطيء حتى الآن. من النقاط الأساسية في هذا السياق نقل السلطة من المستوى الوطني إلى المستويَين المناطقي والبلدي، على أن يتجلّى ذلك في شكل أساسي من خلال منح هذه الهيكليات الإدارية استقلالية أكبر على صعيد موازنتها المالية. وهكذا جرى تعديل الهيكليات الإدارية، انسجاماً مع المبادئ التي أُدرِجت في الدستور، لكن وعلى الرغم من اقتراح مشروع قانون للإشراف على الانتخابات البلدية والمحلية في تشرين الأول/أكتوبر 2015، لم يتم حتى الآن إقرار هذا القانون ولاإدخال تعديلات إلى القانون الانتخابي الأوسع. لابل هناك كلامٌ عن إرجاء الانتخابات البلدية المقررة في آذار/مارس 2017 (الموعد الأول لإجرائها كان في تشرين الأول/أكتوبر 2016)، حتى العام 2018. بيد أن انتخاب الممثلين على مستوى البلدات والبلديات شرط مسبق أساسي لتحسين المواقع التفاوضية للمنظمات المحلية، لاسيما في المناطق المهمَّشة. من شأن ذلك أن يشكّل تطبيقاً عملياً للروحية التي استند إليها اتفاق قرطاج، فتصبح فكرة تحقيق مستوى أكبر من الانسجام والوحدة الوطنيَّين ملموسة أكثر على الصعيد المحلي وفي الحياة اليومية للشعب التونسي.

تُظهر التطورات في هذين الميدانين – الاقتصاد واللامركزية – بوضوح شديد أن عملية "الاندماج الوطني" التي تَصوّرها اتفاق قرطاج تتوقّف على عاملَين اثنين كي تتكلّل بالنجاح. أولاً، يُحكَم على كل مبادرة إصلاحية (وعند الإمكان يتم تعزيزها) بحسب تأثيرها على اللامساواة الاجتماعية. لكن، وهذا هو العامل الثاني، لايمكن النظر إلى هذين المجالَين، أي الاقتصاد واللامركزية، بمعزل عن بعضهما في العملية الإصلاحية، بل يجب التعاطي معهما كجانبَين مترابطَين في إطار مهمّة واحدة معقّدة. الهدف الضمني الذي يسعى إليه اتفاق قرطاج هو أن تساهم العملية الانتقالية في تونس بعد العام 2011 في الحد من اللامساواة الاجتماعية انطلاقاً من روحية "الوحدة الوطنية". إلا أنه ينبغي على الحكومة الجديدة أن تجعل من هذا الهدف المبدأ الذي تستظل به خلال المرحلة المقبلة بغض النظر عن الانقسامات الأيديولوجية، بحيث يُلهِم جميع الاعتبارات السياسية والمؤسسية ويترجمها فعلياً إلى ممارسات إدارية وقانونية. 

من هذا المنطلق، وعلى الرغم من المخاوف بشأن تأثير التسوية النخوبية على العملية الديمقراطية، يمكن أن تُقدّم هذه التسوية مساهمة مهمة. غير أن الطابع المؤقت لهذا النموذج في الحكم أمر أساسي. فمن العناصر الرئيسة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي المنافسة بين الأفكار السياسية وأيضاً بين ممثّليها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

يوليوس ديستلهوف وكاترين سولد محاضِران وباحثان في مركز الدراسات حول الشرق الأدنى والأوسط (CNMS) في جامعة فيليبس في ماربورغ، ألمانيا.


1. النسبة احتسبها الكاتب بالاستناد إلى عدد الناخبين التونسيين (8289900) ومجموع الأصوات التي مُنِحت للأحزاب الثمانية الموقِّعة على اتفاق قرطاج التي ترشّحت في انتخابات 2014 (نداء تونس، والنهضة، والاتحاد الوطني الحر، وآفاق تونس، والمسار، والجمهوري، والمبادرة، وحركة الشعب؛ 2681811 صوتاً).