أحدثت انتخابات مجلس الأمة التي شهدتها الكويت في 26 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تغييرات أساسية في موازين القوى بين مجموعات المعارضة والدولة. في 16 تشرين الأول/أكتوبر، حلّ أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، البرلمان وأعلن عن تنظيم انتخابات مبكرة بهدف تهدئة الاعتراضات على خفوضات الدعم الحكومي وترسيخ الدعم البرلماني. وقد اتّخذت المجموعات المعارضة التي قاطعت انتخابات 2012 و2013، القرار بالمشاركة في هذه الانتخابات. واستغلّت إحباط المواطنين، فشنّت حملتها بناءً على وعود بالحد من التقشف، وإيجاد حل للأزمة السكنية، والتخلص من الفساد في الإنفاق الحكومي.

بيد أن الحكومة الكويتية اتخذت خطوات لتقليص انتصارات المعارضة عبر إقرار قوانين جديدة تمنع منتقدي الأمير أو العقيدة الدينية من الترشّح. خلال الحملة الانتخابية القصيرة، أبطلت المحاكم الكويتية ترشيح عشرات من المعارضين. وغضّت الحكومة النظر أيضاً عن الانتخابات التمهيدية غير القانونية التي أجرتها العشائر في العديد من الدوائر الانتخابية، وذلك تفادياً لتأجيج المعارضة في صفوف تلك العشائر. صحيح أن هذه الانتخابات التمهيدية أجريت في دورات انتخابية سابقة، لكن هذه المرة نُشِرت نتائج عدد كبير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون الخشية من التداعيات. على الرغم من هذه الإجراءات، نجح مرشّحو المعارضة العائدون بعد مقاطعة استمرت أربع سنوات، في السيطرة على نحو نصف المقاعد في البرلمان المؤلف من 50 مقعداً. يُشار إلى أن 20 نائباً فقط حافظوا على مقاعدهم مع بلوغ نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع 70 في المئة.

تشير هذه النتائج، كما لفت محللو الكويت، إلى استياء عميق من السياسات الحكومية. مشاعر الغضب هذه يتشاركها المواطنون في مختلف بلدان الخليج العربي التي تتخبّط حكوماتها لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تدنّي أسعار النفط. بيد أن الكويت حالة فريدة في هذا السياق، نظراً إلى أن سياساتها هي ذات طابع ديمقراطي نسبياً. بإمكان البرلمان الكويتي اقتراح مشاريع قوانين واستجواب الوزراء. تتيح هذه الصلاحيات للمواطنين تحدّي الحكومة عن طريق المؤسسات الرسمية، وتضفي على الانتخابات البرلمانية في الكويت أهمية مضاعَفة بالمقارنة مع الانتخابات في بلدان الخليج العربي الأخرى. والانتخابات الأخيرة تضع المعارضة الكويتية في موقع القوة النافذة بكل ما للكلمة من معنى، وقد طرحت المكاسب التي حققتها المجموعات المعارضة في الانتخابات تعقيدات وتحدّيات أمام المخططات الحكومية الهادفة إلى تأمين الاستدامة المالية مع الحفاظ على الاستقرار السياسي، إنما من دون إفشال هذه المخططات.

كانت الانتخابات البرلمانية مقرّرة في الأصل في تموز/يوليو 2017، غير أن القرار الذي اتخذته الحكومة بإجرائها في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 كان الهدف منه إلى حد كبير تثبيت الدعم لها. من هذا المنظار، كانت الانتخابات المبكرة تكتيكاً غير ناجح. تتألف المعارضة في البرلمان الجديد من مجموعات متنوّعة – إسلاميين وقوميين ويساريين – لكن غالب الظن أنها ستتوحّد حول مظالم اقتصادية مشتركة. حتى إن الشخصيتَين المعارضتَين، عبدالله الرومي وشعيب المويزري، تُنافسان رئيس مجلس النواب الحالي مرزوق الغانم المعروف بولائه للنظام، على منصب رئاسة المجلس. سوف يحتفظ الغانم بمنصبه على الأرجح، لكن يساوره القلق من الضغوط التي يمكن أن تمارسها المعارضة. قبل أيام من موعد الانتخابات، ألقى الغانم خطاباً لمدّة ساعتَين وصف فيه المعارضة بأنها "زمرة تتآمر للاستيلاء على الحكومة". يسلّط هذا الكلام الضوء على التهديد الجديد الذي تشكّله المعارضة على قدرة الحكومة على تطبيق جدول أعمالها.

أجرت الكويت خفوضات في الدعم الحكومي للوقود في أيلول/سبتمبر 2016، غير أن المعارضة باتت في موقع يخوّلها الاعتراض على اتخاذ إجراءات تقشفية أخرى مؤلمة إنما ضرورية. حتى لو حصلت الحكومة على الأصوات اللازمة في مجلس الأمة لتنفيذ هذه المبادرات، غالب الظن أنها ستدفع ثمناً باهظاً على مستوى التأييد الشعبي، وسوف تواجه خطر خضوع أعضائها للاستجواب في مجلس الأمة. تعكس هذه الأثمان السلطة الحقيقية التي تتمتع بها المعارضة الكويتية راهناً في مجلس الأمة المنتخَب ديمقراطياً. فعلى النقيض من البرلمانات الأخرى في المنطقة، لايبصم مجلس الأمة الكويتي بكل بساطة على سياسات الأمير. ثمة أساليب تتيح الالتفاف على سلطة البرلمان – مثلاً، يستطيع الأمير إصدار مراسيم – لكن مازال بإمكان مجلس الأمة التأثير في نتائج السياسات المهمة أو تأخير تنفيذ السياسات غير الشعبية.

لكن لو لم تنظّم الحكومة انتخابات مبكرة، كانت لتساهم في أجواء الركود التي تتسبّب بالإحباط لدى عدد كبير من الكويتيين. كما أنها لم تكن لتجد سهولة أكبر في تنفيذ جدول أعمالها: كانت هذه المقاربة لتحمل مخاطر بالنسبة إلى الحكومة، لأن الإحباط في الكويت تسبّب تاريخياً بزعزعة الاستقرار السياسي. في العام 2011، نزل آلاف الكويتيين إلى الشارع للاحتجاج على الفساد والمطالبة بحقوقهم. فردّت الشرطة على الاحتجاجات بإطلاق الغاز المسيل للدموع، واستخدام خراطيم المياه، واعتقال عدد من المتظاهرين. في الأعوام اللاحقة، ألقت الحكومة القبض على العديد من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتهمة انتقاد الأمير، والتي تُعتبَر جريمة في الكويت. وفي نيسان/أبريل 2016، نفّذ عمّال النفط إضراباً لمدة ثلاثة أيام احتجاجاً على خفض رواتبهم. وقد تسبّب الإضراب بقلق شديد للحكومة الكويتية لأن الإيرادات النفطية تشكّل الحصة الأكبر من عائدات البلاد. تستطيع الحكومة ضبط الاضطرابات، إنما يترتب عن ذلك ثمن باهظ على مصداقيتها لدى الرأي العام وسمعتها بين الكويتيين. إذاً بالمقارنة مع خطر الاحتجاجات أو الإضرابات، كان تنظيم انتخابات مع نسبة إقبال مرتفعة الحل المفضّل بالنسبة إلى الحكومة الكويتية، حتى ولو كان هناك خطرٌ بأن تفوز المعارضة بمقاعد في البرلمان.

علاوةً على ذلك، تُقلّص القوانين الانتخابية في الكويت من الإمكانات المتاحة أمام المعارضة لتوحيد صفوفها، لاسيما في أوساط المجموعات القبلية. لقد أدّى التعديل الذي أُدخِل إلى القانون الانتخابي الصادر في تشرين الأول/أكتوبر 2012، والذي نص على اعتماد نظام "الصوت الواحد للشخص الواحد"، إلى خفض عدد المرشحين الذين يستطيع الكويتيون التصويت لهم على ورقة الاقتراع من أربعة إلى مرشح واحد. عندما كان الكويتيون يصوّتون لأربعة مرشحين، كان عدد كبير من أبناء العشائر يقترعون أولاً لمرشح العشيرة في دائرتهم الانتخابية، الذي كان يحظى بالدعم من ائتلاف من العشائر الكبيرة والصغيرة على السواء. ثم كانت لديهم الحرية لإعطاء الأصوات الثلاثة المتبقّية لمرشحين آخرين. كانت هذه المنظومة تعطي الأفضلية للقبائل النافذة مثل مطير والعجمان والعوازم.

لكن مع اعتماد نظام الصوت الواحد، أصبحت تكلفة الفرصة الضائعة المترتبة عن التصويت للمرشح المفضّل في الائتلاف القبلي، أعلى بكثير. كانت مفاعيل هذا التغيير محدودة في انتخابات 2013 بسبب مقاطعة عدد كبير من المجموعات القبلية لها. لكن في الجولة الأخيرة، شاركت معظم المجموعات القبلية في الانتخابات، وقد أقنع المرشحون من القبائل الأقل نفوذاً الناخبين بدعمهم بدلاً من التصويت للمرشح المفضَّل من الائتلاف القبلي. نتيجةً لذلك، يضم مجلس الأمة الجديد نواباً ينتمون إلى قبائل أقل نفوذاً، منها قبيلتا عنزة والدواسر. بيد أن التمثيل الأوسع للقبائل في مجلس الأمة قد يجعل المعارضة تجد صعوبة أكبر في توحيد صفوفها. ففي حين أن هذه القبائل كبيرة من الناحية العددية، تتلقى رعاية أقل من الدولة، وبالتالي علاقتها مع الحكومة أقل تطوراً بالمقارنة مع قبيلتَي مطير والعجمان – مايعني أن لديها حوافز أقل لدعم جدول أعمال الحكومة. قد تستخدم القبائل الأقل نفوذاً تأثيرها المتزايد للدفع نحو اعتماد سياسات لاتوافق عليها القبائل الأكثر نفوذاً. وهكذا تواجه الحكومة اليوم معارضة أكبر، إنما أيضاً أكثر تنوّعاً. وقد تتمكّن، عبر استغلال هذه الانقسامات، من تحجيم مكاسب المعارضة.

على الرغم من هذه التغييرات المهمة التي طرأت على تركيبة مجلس الأمة، لاتزال المشكلات الأساسية التي يعاني منها المجتمع الكويتي مستمرة. من أجل الحؤول دون حدوث مزيد من التحولات في موازين القوى، سوف يكون على الحكومة الاعتماد على قدرتها على شقّ طريقها عبر المشهد السياسي الجديد الذي صنعته بنفسها جراء مبادرتها إلى تنظيم انتخابات مبكرة. قد تجد المعارضة صعوبة في لمّ الشمل في البداية، إلا أن الإجراءات التقشفية غير الشعبية والوتيرة البطيئة حكماً للتغيير البيروقراطي سوف تؤدّي إلى التعجيل في رص الصفوف. من الأوراق التي تستطيع الحكومة استخدامها لمصلحتها أنه يُتوقَّع من الأعضاء الجدد في مجلس الأمة الوفاء بالوعود التي أطلقوها خلال الحملات الانتخابية. ومع تورُّط مزيد من الأفرقاء في اللعبة، قد لاينصبّ غضب المواطنين من السياسات غير الشعبية إنما الضرورية، على الحكومة وحدها. يبقى أن نرى إذا كانت هذه المسؤولية ستتسبّب بمأزق يؤدّي إلى تعطيل عمل مجلس الأمة أو تولّد زخماً وحافزاً نحو التغيير الصعب إنما الضروري.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

سكوت واينر رئيس مجموعة النقاش الشرق أوسطية للمهنيين الشباب في السياسة الخارجية. حصل مؤخراً على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج واشنطن.