فيما كانت القوات العراقية تتقدّم باتجاه الموصل، معقل الدولة الإسلامية، هذا العام، كان عليها أولاً أن تُحرّر البلدات والقرى المحيطة بها في شمال العراق. وعندما طُرِد التنظيم من بلدة القيارة التي تقع على بعد 60 كلم جنوب الموصل، أشعل المقاتلون المنسحِبون النيران في عشرين بئراً نفطياً مجاوراً. لقد عاش سكّان القيارة، التي تقع على مسافة كيلومترات قليلة من الآبار المشتعلة، طوال أشهر وسط الدخان السام الذي أطبَق على البلدة ولفّها بالظلام، ما تسبّب بمشكلات صحية مزمنة لعدد كبير من أبنائها. بيد أن السكّان الذين يرزحون تحت وطأة الفقر، في منطقة تعاني من الشح في الكهرباء والوقود والمواد الغذائية فضلاً عن ارتفاع أسعارها، يتحوّلون نحو إجراءات أكثر يأساً فيما يواجهون الجوع وبرد الشتاء.

سار رجلٌ متقدّم في السن وصبي صغير مترنّحَين للخروج من الدخان المتصاعد فوق آبار النفط المشتعلة التي تبدو وكأنها مشهد ما بعد أبوكاليبتي. كانا يمشيان بخطى متثاقلة، ويجرّان وراءهما مستوعباً بلاستيكياً كبيراً من النفط الخام الساخن الذي جمعاه للتو من الكميات المتراكمة قرب أحد الآبار المشتعلة.

قال الرجل العجوز بعدما وضع المستوعب على الأرض لبضع لحظات: "سوف أقوم بتخفيف هذا النفط قليلاً بواسطة البترول، وأستخدمه في الموقد عندنا في المنزل، من أجل تدفئة العائلة"، مضيفاً: "لا أملك المال، هذا كل ما يمكنني فعله". كانت فقاعات النفط الساخن تتصاعد عبر ثقبٍ صغير أحدثه النفط الذي يبلغ درجة الغليان في المستوعب البلاستيكي، وقد انحنى الصبي الصغير واستخدم يدَيه العاريتين ليضع الرماد السام على الثقب في محاولة منه لمنعه من التمدّد. ثم واصلا تقدّمهما مسرعَين مع حمولتهما الثمينة من النفط الخام.

على الرغم من أن هذه الممارسات غير قانونية، يقرّ عناصر الإطفاء الذين يبذلون جهوداً حثيثة للسيطرة على حرائق الآبار النفطية، وعدد كبير منهم هم من السكّان المحليين، بأنهم يغضّون النظر أحياناً. إنهم يدركون جيداً الوضع البائس الذي تعيشه بلادهم.

في مكبّ مجاور، راحت النساء والأطفال يتنقّلون بين النفايات بحثاً عن أخشاب أو أغراض أخرى مرميّة يمكنهم أخذها إلى منازلهم لاستخدامها في إشعال النار بهدف التدفئة وطهي الطعام. المكب الذي يقع على مسافة قريبة جداً من البئر النفطي يغطّيه رمادٌ سام، وتتصاعد منه رائحة كبريت قوية.

قالت فاطمة 35 عاماً، وقد انحنت تحت ثقل رزمة من القضبان كانت تحملها على ظهرها: "ليست لدينا كهرباء ولا غاز للتدفئة أو الطهي، ولا مياه ساخنة". أضافت: "آتي إلى هنا يومياً لجمع الأخشاب وأوراق الأشجار لإشعالها في المنزل". وأردفت وهي تشير بإصبعها إلى مصطفى، 13 عاماً، الذي كان يحمل كيساً رمادياً على كتفَيه الصغيرتين، وكان وجهه وملابسه مغطاة ببقع سوداء: "يساعدني. لقي والداه مصرعهما في هجوم جوي، فاحتضنته".

يمرّ مسارٌ وعرٌ متعرِّجاً عبر المكب. يلعب الأطفال الصغار – وقد اسودّت وجوههم وأيديهم فضلاً عن المخاط الذي يسيل من أنوفهم – قرب ألسنة النار الصغيرة المتصاعدة من البلاستيك المشتعل. يتمسّكون بفخر بأغراض أخذوها من النفايات ويتعاملون معها على أنها ألعاب – شظية من المعدن المذاب، سكّين صدئ، قطعة بلاستيكية زهرية اللون. ومعظهم مصابون بالسعال الجاف.

مريم، 26 عاماً، هي المرأة الوحيدة التي تضع قفازَين بلاستيكيين، مع العلم بأنهما لا يفيان بالغرض فيما تقوم بالتفتيش وسط النفايات المنزلية والصناعية. وقد علّقت: "أعرف أن ما أقوم به غير صحي ومحفوف بالمخاطر، لكن ماذا عساي أفعل؟" فمع الارتفاع في أسعار المواد الغذائية وخسارة زوجها لعمله، كل ما يمكنها شراؤه الآن هو الطحين. لقد تسبّب القتال بتدمير البنية التحتية في البلدة، وأصبحت المولّدات المصدر الوحيد للتيار الكهربائي حالياً، غير أن كثراً لا يستطيعون حتى شراء الوقود لتشغيلها، فما بالكم بشراء المولّدات. قالت مريم: "السبيل الوحيد كي أتمكّن من تحضير الخبز هو القدوم إلى هنا والبحث عن أشياء أستطيع إشعالها. فبهذه الطريقة نحصل على الأقل على بعض الدفء، وأتمكّن من تسخين الماء كي نغتسل". يعاني طفلاها من طفح جلدي حاد، وتعزو السبب إلى عدم قدرتهما على الاغتسال كما يجب في مياه ساخنة منذ أشهر.

روت فريدة، 40 عاماً: "هذا هو يومي الأول هنا، وأنا مذعورة جداً من احتمال حدوث انفجارات، فقد وجد بعض الأشخاص ألغاماً غير منفجرة في هذا المكان"، مضيفةً: "حتى الآن، لم يُسجَّل سقوط ضحايا أو إصابات هنا، لكن تنظيم الدولة الإسلامية زرع ألغاماً في كل مكان، ونحن نعلم أنه لم يتم بعد تمشيط هذه المنطقة ونزع الألغام منها". ولفتت إلى أنه في البداية، فقط النساء الأكثر فقراً كنّ يأتين إلى المكب بحثاً عن الأخشاب، لكن مع اشتداد اليأس لدى الناس، تقطع أعداد متزايدة من سكّان البلدة الآن الطريق الذي يستغرق 40 دقيقة سيراً على الأقدام، ويمضون ساعات في المكب بحثاً عن الأخشاب قبل أن يعودوا عند مغيب الشمس وهم يجرّون وراءهم ما تمكّنوا من غنمه.

في الأسابيع القليلة الماضية، انضم إلى النساء عند المكب نازحون هربوا إلى القيارة من بلدات لا تزال محتلّة من تنظيم الدولة الإسلامية. قالت حميدة، 37 عاماً، من بلدة الحويجة (على بعد 103 كلم) التي تتقدّم القوات المسلحة العراقية باتجاهها: "لم يسمح تنظيم داعش لأحد بالمغادرة، لكن زوجي قال لي إنه عليّ أن أحاول الهروب مع أولادنا قبل وصول القتال إلى بلدتنا". أضافت: "تسللنا ليلاً ومشينا طوال 24 ساعة من دون أن نرتاح حتى وصلنا إلى ثكنة تابعة للجيش العراقي". تعيش حميدة وأولادها الثلاثة الآن مع عائلات أخرى نازحة داخلياً في مساكن مؤقتة في القيارة. تروي: "نحن هنا منذ أسبوعَين، ولم يقدّم لنا أحد الدعم أو الطعام أو أي شيء على الإطلاق لأن أبناء البلدة أنفسهم لا يملكون سوى النذر اليسير".

تغلّبت المعركة المستميتة التي يخوضها السكّان من أجل الحصول على التدفئة والطعام، على همومهم الأخرى المتعلقة بالمضاعفات التي يمكن أن يعانوا منها على الصعيد الصحي بسبب الدخان السام الذي يُخيّم فوق رؤوسهم، والذي غالباً ما يحجب الشمس، وذلك بحسب اتجاه الريح. قال جندي شاب يدعى علي بأسلوب مرح: "في البداية، أصبنا جميعنا بسعال حاد، لكننا اعتدنا على الأمر ونحن بخير الآن".

غير أن فريق العمل الذي يتولّى تشغيل المنشأة الطبية في القيارة التي تعاني من النقص الشديد في التجهيزات والأدوية ومن عدم وجود أسرّة، أشار إلى أن عدداً كبيراً من أبناء البلدة أصيب بمشكلات صحية مزمنة. قال الممرّض مهدي صلاح، 32 عاماً: "يقصدنا يومياً 10 إلى 30 شخصاً يعانون من مشكلات في التنفس، ومعظمهم من الأطفال وكبار السن. لا يمكننا فعل الكثير لهم، ما عدا إعطائهم بعض الأكسجين وحقنة تساعد على تجنّب الحساسية أو الالتهاب". أضاف أن اثنَين من أطفاله الثلاثة أصيبوا بالتوعّك.

لا تزال مستشفيات البلدة مغلقة، بعدما لحقت بها أضرار شديدة خلال المعارك بين القوات العراقية والدولة الإسلامية، ولذلك تُنقَل الحالات الطبية الطارئة في بلدة القيارة إلى بلدة تكريت، على بعد 124 كلم، حيث الخدمات الصحية محدودة، بحسب صلاح. يُشار إلى أن إربيل – على بعد 78 كلم – تضم منشآت طبية أفضل تجهيزاً، غير أن السلطات في كردستان العراق عمدت إلى تشديد الإجراءات الأمنية المفروضة على الأشخاص الذين يسعون إلى دخول أراضيها من المناطق المحرَّرة حديثاً، وذلك بسبب المخاوف من أي ارتباطات قد تجمعهم بتنظيم الدولة الإسلامية. وهكذا ينبغي على معظم المرضى أن يؤمّنوا "كفيلاً"، مثل نسيبٍ يعيش في كردستان العراق، كي يتمكّنوا من العبور. يقول السكان إن هذه الشروط جعلت من شبه المستحيل على المرضى القادمين من بلدة القيارة الوصول إلى منشآت الرعاية الصحية في إربيل.

قال هيثم أحمد، 47 عاماً، وهو ديبلوماسي عراقي سابق: "الأكثر إثارة للقلق هو أن المضاعفات الناجمة عن العيش وسط هذا التلوث قد لا تظهر في الوقت الحالي"، مضيفاً: "يحتوي هذا الدخان على نحو تسعين مادّة كيميائية مختلفة، وتُظهر دراسات أجريت على أشخاص يعيشون قرب آبار نفطية تعمل بصورة طبيعية، أن متوسط العمر المتوقّع لديهم هو حوالي 60 عاماً. يعاني العمال النفطيون المحليون من مشكلات خطيرة في التنفّس والجلد، لذلك نحن قلقون للغاية على أولادنا ومستقبلنا". ولفت إلى أن الإجراءات الوقائية الوحيدة التي يستطيع معظم السكان اتخاذها هي ملازمة منازلهم ومحاولة الحد من الوقت الذي يمضيه أولادهم في اللعب في الشارع.

قال علي، وهو شرطي سابق يخضع حالياً للتحقيق لأنه عاش طوال عامَين في منطقة تقع تحت سيطرة الدولة الإسلامية، وينتظر بالتالي لمعرفة إذا كان سيحصل على تصريح أمني للعودة إلى العمل: "عند النظر داخل منازلنا، ترون أن كل الأغراض سوداء بسبب الدخان المتصاعد من الآبار". أضاف: "كل الأمور لا تسير على ما يرام هنا، وليست هناك أي بوادر بأن الأوضاع ستتحسّن". وقال وهو يؤشّر بيده إلى الأفق الأسود حيث كانت نساء وأطفال يسيرون ببطء عائدين إلى منازلهم وهم يحملون أكياساً مليئة بالمغانم التي جمعوها من المكب: "هل ترى نمط الحياة الذي يُرغَم الناس على عيشه هنا؟ ويقولون إن النفط مثل الذهب".

طوم وستكوت صحافي وكاتب بريطاني مقيم في ليبيا.