ينطبع النقاش السياسي حول مستقبل اللاجئين السوريين في لبنان بتردّد شديد في مناقشة التغييرات الهائلة التي تشهدها البلاد منذ بداية النزاع السوري. بدلاً من ذلك، اعتمدت المقاربة منطقاً قصير الأمد لإدارة الأزمة يركّز على الحد من تدفق اللاجئين والتشديد على أن وضعهم مؤقت. ترتدي الحلول الطويلة الأمد، بما في ذلك الإقامة الدائمة والتجنيس، حساسية شديدة نظراً إلى أنه من شأن مثل هذا الدمج الدائم أن يزعزع إلى حد كبير الديناميات المذهبية في لبنان، ويهزّ بقوة مرتكزات اتفاق الطائف الذي أُبرِم إبان الحرب الأهلية اللبنانية. وقد تسبّبت الحرب الأهلية السورية باستفحال الانقسامات السياسية والمذهبية في لبنان، ومن شأن احتمالات حدوث تحوّل في الميزان المذهبي الداخلي أن تؤدّي إلى مزيد من التعقيدات في المنظومة السياسية الداخلية التي تعاني أصلاً من الهشاشة. بيد أن هذا التركيز المفهوم على الصمود في وجه العاصفة من خلال حلول قصيرة الأمد قد يتسبّب، للمفارقة، بنشوب أزمة سياسية-اجتماعية يمكن أن تؤدّي إلى زعزعة استقرار البلاد وتقويض ديمقراطيتها غير الكاملة إنما الصامدة.

منذ بداية الحرب الأهلية السورية، قامت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتسجيل أكثر من مليون سوري في لبنان. بسبب تدفق السوريين – الذين يُضافون إلى نحو 450000 لاجئ فلسطيني مقيمين في البلاد – بات لبنان يملك الآن أكبر تركّز للاجئين في العالم نسبةً إلى عدد سكّانه. يشكّل اللاجئون حوالي ربع مجموع السكان اللبنانيين. ويُسجَّل غياب لافت للجهود الآيلة إلى تحقيق اندماج سياسي-اجتماعي واقتصادي في المدى الطويل. حتى النقاش حول الحلول المحتملة الطويلة الأمد معدوم؛ وقد حجبته اعتبارات ملحّة قصيرة الأمد، ومقاربة موجّهة نحو الأمن. في مواجهة هذا التحدي الهائل، اعتمدت السياسة اللبنانية على مفهوم عملي ونفعي على المستوى السياسي عبر الحديث عن أزمة مؤقتة – تعاني منها البلدان المضيفة الأخرى.

يسعى لبنان إلى الحد من تأثير أزمة اللاجئين، أولاً عبر محاولة تنظيم تدفق السوريين الذين يدخلون إلى البلاد. لقد ابتعد عن سياسة الباب المفتوح التي اعتمدها في البداية، وعمد – لا سيما منذ كانون الثاني/يناير 2015 – إلى فرض قيود مشدّدة على الحصول على تصاريح الإقامة أو تجديدها. ومع تطبيق التنظيمات الجديدة، تراجعت أعداد السوريين القادرين على العبور إلى لبنان بطريقة قانونية. وكذلك ساهم تعزيز الإجراءات الأمنية في خفض أعداد السوريين الذين يدخلون البلاد عن طريق معابر غير شرعية. نتيجةً لذلك، استقرّ العدد الرسمي للاجئين إلى حد ما منذ العام 2015، مع تراجع طفيف سببه مغادرة بعض اللاجئين البلاد.

في موازاة ذلك، ازدادت أعداد السوريين الذين يقيمون أصلاً في لبنان من دون أن يكون وضعهم قانونياً؛ إما لأنهم دخلوا البلاد عن طريق معابر غير شرعية وإما لأنهم دخلوا بطريقة قانونية لكنهم يفتقرون الآن إلى المستندات اللازمة أو الموارد المالية للحصول على تصاريح إقامة أو تجديدها. إنها إشكالية كبيرة: تؤدّي الزيادة في أعداد الأشخاص الذين ليس لديهم وضع قانوني إلى زيادة في أعداد المهمّشين اجتماعياً والذين هم عرضة للاستغلال، الأمر الذي تترتب عنه عواقب مهمة في المدى الطويل على المستويَين الاجتماعي والأمني.

كما أن السلطات اللبنانية لا تمنح السوريين سوى إقامة مؤقتة، تشديداً على الطابع المؤقت لإقامتهم في لبنان. لذلك يواجه السوريون عدداً من القيود، أبرزها صعوبة الحصول على تصاريح عمل، ما يحدّ كثيراً من حظوظهم في دخول سوق العمل. نتيجةً لذلك، يفتقر السواد الأعظم من السوريين في لبنان إلى الأمن الوظيفي وإلى مدخول ثابت، ومعظمهم فقراء – تعيش 70 في المئة من الأسر السورية دون خط الفقر اللبناني، ونحو 90 في المئة منها لديه ديون. إلى جانب إلحاق الأذية باللاجئين السوريين، قد ترتد هذه التدابير – التي تهدف إلى حماية القوة العاملة اللبنانية في المدى القصير – بنتائج عكسية على الاقتصاد والمجتمع في لبنان. فعلى سبيل المثال، وإزاء صعوبة الدخول إلى سوق العمل بصورة قانونية، يصبح اللاجئون عرضة في شكل خاص للاستغلال. وقد تدفعهم تلك الإجراءات أيضاً إلى التنافس مع الطبقات الاقتصادية-الاجتماعية الدنيا في لبنان على المدخول المؤقت والمتدني، ما يتسبّب بانخفاض الأجور وتقويض حقوق العمّال. تُلحق هذه الديناميات الضرر بالمرونة المحلية والقدرة على الاستمرار لدى المجتمعات الأشد فقراً في لبنان، فيما تؤجّج التشنّجات الاجتماعية.

وكان منسوب التوتر الاجتماعي قد ارتفع خلال الأشهر القليلة الماضية، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات على الأمن. نتيجةً لذلك، تتخذ البلديات إجراءات أكثر تشدداً بحق مستوطنات اللاجئين غير النظامية، ما يتسبب في بعض الأحيان بصدامات بين السكان المحليين واللاجئين السوريين. فضلاً عن ذلك، من شأن وجود أكثر من مليون شخص ذوي حقوق وحماية محدودة، أن يؤدّي إلى ترسيخ أشكال قديمة وجديدة من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، لكنه يقوّض أيضاً النسيج الديمقراطي اللبناني والممارسات الاجتماعية للعيش المشترك. يؤدّي التركيز على إدارة الحالة الطارئة من دون التفكير في حلول طويلة الأمد لمسائل مثل حقوق العمل أو الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، إلى ظهور مجموعة أخرى من المقيمين من الدرجة الثانية، بحكم الأمر الواقع، شأنهم في ذلك شأن اللاجئين الفلسطينيين، مع حقوق وفرص محدودة، ويعانون من وطأة التمييز المؤسسي. قد يتسبب ذلك باستفحال اللامساواة الاجتماعية، وتسهيل فرص الاستغلال والتهميش، ما يقوّض التماسك الاجتماعي والاستقرار في شكل عام.

يبدو أن عدداً كبيراً من السياسيين المحليين يدرك التأثير الاقتصادي والاجتماعي الشديد للمأزق الراهن، لكنهم يصرّون على ترداد أن الحل الأمثل أو الوحيد هو عودة اللاجئين إلى بلادهم في المستقبل. واقع الحال هو أنه لم يُجرَ نقاش جدّي عن العيش المشترك في المدى الطويل والاندماج على المستوى السياسي. ليس مفاجئاً أن تجربة لبنان التاريخية المعقّدة مع استضافة اللاجئين الفلسطينيين ولّدت معارضة عامة لدى مختلف الأحزاب والأفرقاء للنظر في أي خيار من شأنه أن يتيح للاجئين السوريين الحصول على الجنسية اللبنانية أو على إقامة دائمة. لقد طبعت تروما اللاجئين بقوة السياسات اللبنانية، بدءاً من توجيه البلاد نحو رفض إنشاء مخيمات رسمية للاجئين من أجل استضافة السوريين وصولاً إلى تأجيج بعض الخطاب المناهض للاجئين.

لقد اعتمد عدد من الشخصيات السياسية موقفاً جازماً بأن الترحيل هو الحل الوحيد للمأزق الراهن، حتى إنهم ذهبوا إلى حد وضع خطط للشروع في إرسال السوريين إلى بلادهم في المستقبل المنظور. وهذا الموقف ليس أبداً حكراً على لبنان: فقد أدلى مسؤولون في الاتحاد الأوروبي بتصريحات مماثلة عن الطبيعة المؤقتة لأزمة اللاجئين، ما أفضى إلى اعتماد سياسات مشابهة للتعامل مع الحالة الطارئة. غير أن همجية الحرب والدمار الواسع في سورية يجعلان عودة اللاجئين بصورة سريعة وجماعية إلى ديارهم أمراً مستبعداً إلى حد كبير.

إذاً قد يؤدّي منطق إدارة الأزمة في المدى القصير، مقروناً برفض مناقشة الاندماج في المدى الطويل، إلى اشتداد الأزمة بدلاً من إيجاد حل لها، فيما يتسبّب بترسيخ الانقسامات داخل المجتمع اللبناني أو تفاقمها. هذه المخاطر قائمة في ضفتَي المتوسط، غير أن المزيج الفريد من الهندسة السياسية الهشّة، والتدخل الأجنبي، وحجم أزمة اللاجئين تجعل الوضع اللبناني معقّداً إلى درجة كبيرة. مما لا شك فيه أن معالجة الأزمة من خلال مقاربة طويلة الأمد تستند إلى الحقوق وتركّز على العيش المشترك، محفوفة أيضاً بالمخاطر – لا سيما على الصعيد السياسي – لكنها أكثر انسجاماً مع الواقع، والمهم هو أنها تملك حظوظاً أكبر لمساعدة لبنان على تجنّب زيادة الاستقطاب واللامساواة في الداخل. إذاً ثمة أسباب قوية للترحيب بنقاش داخلي يركّز على مستقبل ورفاه المواطنين اللبنانيين والأشخاص – على غرار السوريين أو الفلسطينيين – الذين يجدون أنفسهم في حالة من الفراغ القانوني والإهمال بحكم الأمر الواقع. إنه تحدٍّ هائل مطروح على لبنان الذي يحتاج إلى دعم دولي قوي – مالي وسياسي – كي يتمكن فعلاً من المضي قدماً.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

بينيديتا برتي زميلة كرسي روبرت أيه فوكس في معهد بحوث السياسة الخارجية (FPRI)، وزميلة رفيعة المستوى في برنامج TED، وزميلة في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومعهد الحرب الحديثة في وست بوينت.