يسعى الرئيس الإيراني حسن روحاني، وسط المخاوف من فرض مزيد من العقوبات الأميركية على بلاده، إلى تعزيز ثقة الرأي العام قبل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في أيار/مايو المقبل، عبر تسليط الضوء على الإنجازات الاقتصادية مثل خفض التضخم. لكن على الرغم من المؤشرات عن تحقيق نمو قوي خلال العام المنصرم، تبقى معافاة القطاع المصرفي المأزوم بطيئة. وتتسبب محدودية توافر التسليف، بدورها، بتقويض التأثير الذي يمارسه النمو في إجمالي الناتج المحلي على استحداث الوظائف. في صيف 2016، ارتفع معدل البطالة إلى 12.7 في المئة، بعدما كان 12.2 في المئة في الربيع و11 في المئة في العام 2015.

خلال العام المنصرم، ساهمت زيادة الإيرادات النفطية في تعزيز نمو إجمالي الناتج المحلي على الرغم من الأداء الضعيف للقطاعات الأخرى. في الخامس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلن محمد باقر نوبخت، رئيس منظمة التخطيط والموازنة الإيرانية، أن الحكومة الإيرانية تتوقع أن يبلغ معدل النمو السنوي 7.7 في المئة في العام 2017 – وهي زيادة طفيفة بالمقارنة مع نسبة الـ7.4 في المئة التي تحققت في النصف الأول من العام 2016 – فيما يُتوقَّع أن ينخفض معدل التضخم إلى 7.6 في المئة. بيد أن إيران لن تتمكن من الحفاظ على هذا النمو المرتفع لفترة طويلة. في كانون الأول/ديسمبر 2016، توقّع صندوق النقد الدولي أن يتراجع النمو إلى 3.5 في المئة في 2017-2018 مع استقرار الإنتاج النفطي عند مستوى معيّن، مشيراً إلى أن القطاع غير النفطي يبقى خجولاً. إذاً تسعى إيران إلى تنويع اقتصادها من أجل الحفاظ على النمو المرتفع عبر استقطاب جزء من الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تتدفق إلى منطقة الخليج.

لكن إيران لا تزال تفتقر إلى قطاع مصرفي يعمل كما يجب ويتيح لها امتصاص قدر كبير من الاستثمارات الخارجية المباشرة للمساعدة على تنويع اقتصادها. تستمر البلاد في بذل محاولات لإصلاح قطاعها المصرفي بعد سنوات من الممارسات غير السليمة في عهد أحمدي نجاد. تهدف حكومة روحاني، في إطار سعيها إلى زيادة الشفافية المالية، إلى توسيع استقلالية المصرف المركزي والتقيّد بمعايير مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. يعكس هذان المجالان تضارب المصالح الضمني بين الحكومة والقوى المرتبطة بالدولة، على غرار الحرس الثوري الإسلامي والبونياد (مؤسسات مالية تشغّلها الدولة)، التي لديها حضور نافذ في الاقتصاد.

بغية تحقيق هذه الأهداف، يسعى البنك المركزي الإيراني إلى تعزيز قبضته التنظيمية على القطاع. في تموز/يوليو 2016، رفع البنك المركزي الإيراني مشروعَي قانون إلى الحكومة حول إصلاح القطاع المصرفي؛ عندما فشلت الحكومة في إحالتهما إلى مجلس الشورى بسبب الخلافات الداخلية، قرّر مجلس الشورى مناقشة نسخته الخاصة. ينص المشروعان، من جملة أمور أخرى، على زيادة الصلاحيات المنوطة بالمصرف المركزي لجمع البيانات عن المعاملات ومساعدة المصارف في حالات الإفلاس أو إعادة الهيكلة. سوف يُتيح ذلك للمصرف المركزي الإشراف بفعالية أكبر على العملية المنتظرة منذ وقت طويل لاعتماد تنظيمات بازل 3، وهي عبارة عن مجموعة دولية من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان مرونة الرساميل المصرفية وشفافيتها. يتضمن مشروعا القانون أيضاً أحكاماً لتعزيز المساءلة والشفافية في البنك المركزي، مع الحرص أيضاً على استمراره في التقيد بأحكام الشريعة في أنشطته.

في حال إقرار مشروعَي القانون، بحلول صيف 2017 على الأرجح، قد يساهمان أيضاً في تلبية هدفَين مهمين، أولهما زيادة الشفافية في القطاع المصرفي، ما سيتيح للبنك المركزي التشدد أكثر في مراقبة أسعار الفوائد التي تقدّمها المصارف، نظراً إلى أن هذه الأخيرة تنتهك تكراراً الأسعار التي يحدّدها البنك المركزي الإيراني بهدف التنافس على الودائع. خلال الأعوام القليلة الماضية، فرض البنك المركزي أسعار فوائد مرتفعة على الإيداع والإقراض، ما أدّى إلى خفض التضخم من أكثر من 40 في المئة عندما تسلّم روحاني سدة الرئاسة في آب/أغسطس 2013 إلى 8.9 في المئة في مطلع العام 2016. غير أن أسعار الفوائد المرتفعة تسببت بركود اقتصادي. لقد اعتبر البنك المركزي الإيراني أن خفض أسعار الفوائد إجراءٌ آمن وأنه لن يتسبّب بارتفاع التضخم من جديد، فباشر خفض سقف الفوائد من 22 إلى 20 في المئة في نيسان/أبريل 2015، ثم إلى 18 في المئة في شباط/فبراير 2016، و15 في المئة في حزيران/يونيو. من شأن تعزيز الشفافية المالية وزيادة السلطة التنظيمية (والإشرافية) أن يمكّنا البنك المركزي من الحد من تلاعب المصارف بأسعار الفوائد المحددة.

ثانياً، قد يلبّي مشروعا القانون هدفاً سياسياً حساساً إنما مهماً. في آذار/مارس 2016، أقرّ مجلس الشورى قانوناً منفصلاً لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب كي يصبح القطاع المصرفي أكثر تقيّداً بمعايير مجموعة العمل المالي. كانت الغاية تقديم المصارف الإيرانية في صورة جديدة، ودمجها مجدداً في المنظومة المصرفية العالمية، واستقطاب الاستثمارات. غير أن هذا القانون أثار غضباً عارماً في أيلول/سبتمبر، عندما رفض بنك ملت وبنك سبه، وهما من كبريات المصارف الإيرانية، التعامل، بحسب المزاعم، مع شركة تابعة للحرس الثوري الإيراني فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، ليحصلا لاحقاً على ضوء أخضر من البنك المركزي لاستئناف التعامل مع الشركة. مع حصول البنك المركزي الإيراني على صلاحيات أكبر بموجب مشروعَي القانون المقترحَين، قد يتمكّن من الدفع نحو مزيد من الانضباط في القطاع المصرفي.

لكن ذلك لا يعني أن البنك المركزي الإيراني سيشجّع بالضرورة المصارف على عزل الكيانات التي فرض عليها الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة عقوبات، تماشياً مع معايير مجموعة العمل المالي. واقع الحال هو أن محاولة الضغط على الكيانات الخاضعة لعقوبات قد ترتدّ بنتائج عكسية خطيرة على روحاني، إذا لم تتم دوزنتها بعناية وتروٍّ. فمن شأن التطبيق الكامل مثلاً أن يؤدّي إلى تعطيل التمويل للشركات التابعة للحرس الثوري، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تقويض الاتفاق الذي يُشاع أنهم توصلوا إليه مع روحاني للابتعاد عن القطاعات الأكبر حجماً مثل البتروكيماويات والتمويل في مقابل منحهم حرية أكبر للتوسع في مجال التنمية الريفية. لكن إذا لم تطبّق إيران بالكامل خطة العمل قبل حزيران/يونيو 2017، سوف تفرض مجموعة العمل المالي من جديد إجراءات مضادة بحق القطاع المصرفي في البلاد.

إذا استطاعت إدارة روحاني إرساء التوازن السياسي الصحيح من أجل تطبيق هذه الإصلاحات، قد يتمكن القطاع المصرفي الإيراني من تقديم قروض كافية، لا سيما للشركات الصغيرة والمتوسطة، من شأنها أن تساهم في استحداث الوظائف والحد من البطالة. في الانتظار، يطرح العجز عن توليد وظائف على الرغم من النمو المتدنّي نسبياً في أعداد السكان، تحدياً سياسياً محتملاً على الرئيس روحاني على مشارف الانتخابات الرئاسية في أيار/مايو 2017. تشير استطلاعات الرأي التي أجريت في كانون الأول/ديسمبر 2016 إلى تراجع الثقة العامة بإدارته، ما يرغمها منذ الآن على العودة عن سياستها السابقة القائمة على الحد من اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تامر بدوي باحث متخصص في الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط يركّز في كتاباته وبحوثه على الشأن الإيراني. لمتابعته عبر تويتر: TamerBadawi1@

تصويب: ورد في نسخة سابقة من المقال أن الحكومة رفعت مشروع القانون حول البنك المركزي ومشروع القانون حول إصلاح القطاع المصرفي إلى مجلس الشورى في تموز/يوليو 2016.​