فيما يبذل الجيش المصري قصارى جهده للقضاء علىتنظيم ولاية سيناء التابع للدولة الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، تصبح الإجراءات المشدّدة التي يلجأ إليها ثقيلة الوطأة بصورة مطّردة. فالاعتماد المتزايد على الأسلحة الثقيلة وسلاح الجو يتسبب بارتفاع في أعداد الضحايا المدنيين وبتأجيج مشاعر العداء للحكومة.

بلغت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في سيناء 1234 من أصل 1384 عملية في مختلف أنحاء مصر، بحسب مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، لتشكّل بذلك 89 في المئة من مجموع الحالات الموثَّقة. ووقعت الغالبية الكبرى لهذه العمليات (1177) في محافظة شمال سيناء التي تضم بلدتَي العريش والشيخ زويد، فضلاً عن جبل الحلال الذي يشكّل بؤرة التمرد. وعلى مستوى البلاد بكاملها، تسبّبت الهجمات الجوية بمقتل 451 شخصاً من بين الحالات المبلّغ عنها، في حين بلغت حصيلة عمليات الاغتيال 443 قتيلاً، والوفيات خلال العمليات الحكومية 368 حالة، ولقي 56 شخصاً مصرعهم في نيران المدفعية. إذاً تستحوذ المدفعية وسلاح الجو على حصة 36.6 في المئة من عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في مصر. بالمقابل، بلغ مجموع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في العام 2015، 328 حالة في مختلف أنحاء البلاد، مع مصرع 43 شخصاً في الهجمات بواسطة سلاح الجو والمدفعية، أو ما نسبته 13.1 في المئة من مجموع الضحايا.

أدت حملة القمع التي تشتد وطأتها إلى زيادة عدد الهجمات التي تبنّاها تنظيم ولاية سيناء، وهو الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية والمجموعة المتمردة الأساسية في البلاد، لتصل إلى 48 هجوماً شهرياً في الأشهر الستة الأولى من العام 2016، بالمقارنة مع 28 هجوماً شهرياً في الأشهر الستة السابقة. غير أن الزيادة في الهجمات الإرهابية ليست التفسير الوحيد والأبرز للارتفاع في حصيلة القتلى المدنيين الذين تقرّ بهم الدولة، بل إن العامل الأساسي هو تكتيكات الأرض المحروقة التي يعتمدها الجيش المصري. على سبيل المثال، وبحسب تقارير محلية صدرت في أيلول/سبتمبر 2015 تعرّضت قرى بأسرها رُبِط اسمها بالمقاتلين، للتدمير الكامل بواسطة القصف المكثّف، منها قرى التومة والمهدية والمقاطعة والجورة، وسواها. كذلك تتحدّث تقارير محلية عن إطلاق النار مباشرةً على منازل يسكنها مدنيون؛ وعندما يشتكي السكان إلى السلطات، يتّهمهم الجيش بأنهم يمتلكون روابط مع المقاتلين. علاوةً على ذلك، تشير تقارير محلية أخرى إلى شنّ سلاح الجو المصري هجمات على قرى في سيناء، ما أسفر عن تدمير عدد من المنازل وسقوط ضحايا مدنيين.

هذا فضلاً عن أن أعداد الضحايا في عمليات مكافحة الإرهاب تتخطّى بأشواط التقديرات عن عدد القتلى في صفوف عناصر ولاية سيناء. منذ انطلاقة "عملية حق الشهيد" الواسعة النطاق لمكافحة الإرهاب في أيلول/سبتمبر 2015، أشار الجيش المصري إلى مصرع 2529 مقاتلاً والقبض على 2481 آخرين اعتباراً من كانون الأول/ديسمبر 2016. بيد أن أجهزة الاستخبارات الخارجية، ومنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) وجيش الدفاع الإسرائيلي، أشارت في تقديرات نُشِرت في منتصف العام 2016، إلى أن عديد تنظيم ولاية سيناء يتراوح من بضع مئات المقاتلين إلى ألف مقاتل، أي أقل بكثير من أعداد القتلى المذكورة في التقارير. يمكن أن يُعزى هذا التباين في الأرقام إلى شوائب في المعلومات الاستخباراتية، أو إلى تضخيم أعداد القتلى في صفوف المقاتلين بحيث تُضاف حصيلة الضحايا المدنيين إلى أعداد القتلى من المسلّحين. لدى الحكومة المصرية سوابق في مهاجمة المدنيين عن طريق الخطأ اعتقاداً منها بأنهم مقاتلون. تؤكّد مصادر محلية في سيناء وقوع مثل هذه الحوادث، منها ادّعاء حدوث هجوم على قسم للشرطة في الشيخ زويد واستخدامه ذريعةً لتبرير سقوط قتلى مدنيين في أيلول/سبتمبر 2013.

تكشف عملية مكافحة التمرد عن عشوائية مطّردة في استهداف السكان المحليين. في 13 كانون الثاني/يناير الماضي، أُعدِم خمسة شبّان في سيناء على خلفية اتهامهم بالضلوع في هجوم على نقطة تفتيش للشرطة أسفر عن مقتل ثمانية شرطيين. فردّت القبائل البدوية المحلية حول مدينة العريش بشنّ حملة عصيان مدني محدودة النطاق بهدف تهدئة الرأي العام، معلنةً في 11 شباط/فبراير رفضها تسديد فواتير الماء والكهرباء. وقد زعمت عائلات الشبان الخمسة أن هؤلاء كانوا محتجزين لدى القوى الأمنية، وتحديداً جهاز أمن الدولة، عند وقوع الهجوم على نقطة التفتيش. ليست هذه المرة الأولى التي تُتَّهم فيها قوات الأمن المصرية بإعدام متّهمين يكونون قيد الحجز أثناء وقوع الجرائم المنسوبة إليهم، ولعل قضية الشركس العرب هي الأبرز في هذا السياق. فقد أُعدِم ستة رجال بعد اتهامهم بالانتماء إلى تنظيم ولاية سيناء وتورّطهم في مقتل ستة جنود خلال غارة على قرية الشركس العرب في آذار/مارس 2014، على الرغم من وجود أدلة قوية بأنهم كانوا قيد التوقيف خلال وقوع الهجوم.

تشير حالات أخرى وثّقتها منظمة سيناء لحقوق الإنسان، وهي منظمة محلية غير حكومية، إلى إعدام مزيد من المدنيين خارج نطاق القانون. فقد أُعدِم أربعة مدنيين على الملأ بعد إلقاء القبض عليهم في 27 كانون الثاني/يناير 2017، ولا يزال الدافع مبهماً. وهناك أيضاً عدد من الحالات الموثَّقة عن مقتل مدنيين عند نقاط التفتيش الأمنية، وتزداد وتيرة الحوادث التي يُسجَّل فيها مقتل مدنيين في هجمات جوية وبواسطة الأسلحة الثقيلة. فعلى سبيل المثال، في 20 كانون الثاني/يناير الماضي، أسفر هجوم بطائرة من دون طيار عن مصرع عشرة مدنيين كانوا يؤدّون صلاة الجمعة جنوب مدينة رفح. وفي الشهر نفسه، سقطت قذيفة مدفعية في منطقة سكنية جنوب العريش، فكانت الحصيلة مقتل ثلاثة مدنيين بينهم طفلان.

لقد تسبّب العنف الذي تُجيزه الدولة ضد المدنيين، بتأجيج غضب السكان من الجيش الذي أفضت ممارساته أيضاً إلى تدهور الظروف المعيشية عبر فرض حصار مستمر على السكان في شبه جزيرة سيناء. يؤدّي هذا القمع، مقروناً بسياسات التهميش الاقتصادي والاجتماعي التي تنتهجها الدولة، إلى استفحال التمرد. ونتيجةً لذلك، تحوَّل بعض التعاطف تجاه الجيش نحو المقاتلين الذين يُنظَر إليهم بصورة مطّردة بأنهم أداة للثأر. وقد تجلّى ذلك من خلال استعراض المقاتلين لقوتهم، بما في ذلك عبر طرد العائلات القبطية على الملأ من منازلها في مدينة العريش؛ وقد عجزت الحكومة عن وقف عملية الطرد هذه، وإعادة اللاجئين إلى منازلهم، مما يشير إلى فقدان الحكومة المركزية السيطرة في سيناء، على الرغم من تباهيها بقتل آلاف المقاتلين وإعلانها مراراً وتكراراً عن تحقيق تقدّم في مكافحة التمرد. فضلاً عن ذلك، بحسب مصادر محلية، فرض المقاتلون سيطرتهم على المدنيين علانيةً–عبر جباية الضرائب، وفرض ارتداء النقاب، وزيادة التعريفات على أنفاق التهريب في رفح.

واقع الحال هو أن مزيج القمع الشديد، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، والاعتماد المتزايد على استخدام سلاح الجو والأسلحة الثقيلة لم يؤدِّ إلى امتعاض السكان من السلطات وحسب، بل تبيّن عدم فعالية هذه السياسات في مقاومة الإرهاب إلى درجة كبيرة. بإمكان الدولة أن تعزز فعالية عملياتها في سيناء عبر التعاون مع القبائل المحلية التي أعلنت استعدادها للتحالف مع الجيش المصري. بيد أن الحكومة المركزية تنظر بارتياب إلى القبائل المحلية، وقد أبدت تردّداً في تسليحها في إطار حملة مكافحة الإرهاب. لقد أخفقت الحكومة المصرية، عبر تمسّكها بالأساليب العسكرية التقليدية، في سحق التمرد، لا بل ازداد هذا التمرد جرأة وزخماً ورفعَ من وتيرة هجماته.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt عبر "أوبن ديمقراسي". لمتابعته عبر تويتر: @MagedMandour