على الرغم من أن العلاقات الأمنية السعودية-الأميركية كانت متينة قبل رحيل باراك أوباما، إلا أن إدارة دونالد ترامب عمدت إلى تحسين الطابع العام لهذه العلاقات، وتعتبر السعودية أيضاً أن الإدارة الأميركية الجديدة بادرت إلى تحسين بعض المظاهر العملية لتلك العلاقة. من الممكن أن توسيع استخدام الهجمات الجوية والقوات الخاصة الأميركية في الشرق الأوسط سوف يجرّ الولايات المتحدة إلى مزيد من العمل العسكري ضد الأفرقاء الذين يُعتبَرون خصوماً للسعودية، بما في ذلك أولئك المدعومون من إيران. بيد أن ذلك قد يؤدّي أيضاً إلى تعزيز قبضة إيران وتقويض المصلحة المشتركة في إلحاق الهزيمة بالإسلاميين السنّة المتشددين.

سُجِّلت زيادة كبيرة في أعداد الهجمات بالطائرات الأميركية غير المأهولة في اليمن في عهد الرئيس ترامب، مع التركيز على استهداف تنظيمَي الدولة الإسلامية والقاعدة. بحسب تقارير صحافية أميركية، فاق عدد الهجمات بواسطة الطائرات من دون طيار في آذار/مارس 2017 عددها على امتداد العام 2016. كذلك ارتفعت وتيرة الهجمات الجوية الأميركية، بحسب ما تشير إليه التقارير، ووفقاً لبيانات صادرة عن مسؤولين عسكريين أميركيين، توسّع أيضاً النطاق المحتمل لهذه الهجمات. ونتيجةً لذلك، سُجِّلت زيادة ملحوظة أيضاً في حصيلة القتلى في صفوف المدنيين على مختلف الجبهات. في ما يتعلق باليمن، قررت الولايات المتحدة استئناف بيع ذخائر موجّهة بدقة إلى السعوديين، بعد الانتهاء من إجراء مراجعة إلزامية في الكونغرس، وذلك بعدما كان أوباما قد أوقف العمل بأحد العقود في كانون الأول/ديسمبر الماضي بسبب سقوط ضحايا مدنيين. إنه تحوّل عملي وقد لقي ترحيباً كبيراً من السعوديين. كما أنه يوجّه رسالة مفادها أنه سيتم، في الوقت الراهن، التخلي عن المحاولة الفاشلة التي بُذِلت في عهد أوباما من أجل ترويج حل سياسي في اليمن.

تحبّذ كل من الولايات المتحدة والسعودية الحرب، وليس السياسة، في اليمن في المرحلة الحالية. بيد أن الجواب عن السؤال، كم سيدوم تبنّي إدارة ترامب لهذه المقاربة، يتوقّقف على المراجعة الحالية للسياسة الأميركية في اليمن، والتي لن تُنجَز قبل وقت لاحق من شهر نيسان/أبريل الجاري. ليس واضحاً إذا كانت المراجعة الأميركية ستوافق على اقتراح تقدّمت به الإمارات العربية المتحدة من أجل الحصول على دعم أميركي مسلّح لمحاولة تقوم بها الإمارات مع السعودية بغية استعادة السيطرة من الحوثيين على ميناء الحديدة المحوري على البحر الأحمر. يدعم وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس المقترح الإماراتي، الذي يحظى بالتأييد من السعوديين على ما يبدو، على أساس أن إيران تشكّل التهديد الأساسي للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط في شكل عام، وللتنقّل الحر للسفن، تحديداً عبر مضيق باب المندب الضيّق في البحر الأحمر، على مقربة من المكان حيث استهدفت قوات الحوثيين المتمركزة في البر سلاح البحرية الأميركي.

تتطلب عملية مدعومة من الولايات المتحدة لتحرير ميناء الحديدة – وما يترتب عنها من تأمين فتح مضيق باب المندب أمام السفن – مزيجاً من القوات والأعتدة الجوية والبحرية والبرية، والتي من شأن الإمارات أن تعتمد جزئياً على الولايات المتحدة من أجل الحصول عليها، مع تدخّل سعودي محتمل. من الممكن أن يؤدّي سلاح البحرية الأميركي دوراً محدوداً نسبياً في عملية خليجية، مثل المساعدة على إحكام الحصار الحالي وشنّ هجمات استراتيجية، بيد أن الولايات المتحدة قد لا ترغب في الانخراط مباشرةً في حملة عسكرية يُرجَّح أن تسلك منحى تصعيدياً وتكون محفوفة بالمخاطر، حتى لو لم تكن ترى في المرحلة الراهنة بديلاً سياسياً عن النزاع المحلي والإقليمي. تزداد المصالح الأمنية التي تتصوّرها السعودية لنفسها في اليمن، تعقيداً بحكم أنه للإماراتيين وجود أقوى بكثير على الأرض في الجنوب، وأحد الأسباب هو أن السعوديين لا يحبّذون التحرك العسكري الميداني، لا في اليمن ولا في أي مكان آخر.

في الحقيقة، ربما لا يرغب السعوديون في استمرار العملية العسكرية، إنما لا يمكنهم الإقرار بوجود منافسة بين دول الخليج تشجّعهم على التحفظ في هذا المجال. في حال تكللت هذه العملية بالنجاح، قد تمنح الإمارات دوراً أساسياً في تحديد المستقبل السياسي لجنوب اليمن، والسلطة على الأمن في البحر الأحمر. فيما يخطط السعوديون لإنشاء مرفق لسلاحهم البحري في جيبوتي، ويتطلعون إلى انتقال السيطرة على جزيرتَي تيران وصنافير من مصر إلى المملكة، يملك الإماراتيون أعتدة عسكرية في جيبوتي وإريتريا، ويسعون إلى الحصول على منشأة بحرية في شمال الصومال، ما يتيح لهم فرصة أفضل لاستكمال الجهود الأميركية من أجل الحفاظ على الأمن في البحر الأحمر، لا سيما منذ إعلان إدارة ترامب بأنها ستعمد إلى توسيع الهجمات بالطائرات الأميركية من دون طيار ضد المقاتلين السنّة في الصومال. على الرغم من أن هذا التدخل الأميركي المتزايد في فرض الأمن في البحر الأحمر يُرضي السعوديين في شكل عام، إلا أن المملكة تخوض أيضاً منافسة ناشئة مع الإمارات على النفوذ في منطقة البحر الأحمر. ربما يتوقع السعوديون أن يساعدهم استئناف تنفيذ اتفاقهم البحري المعلّق مع الولايات المتحدة على تخطّي مشاحناتهم التجارية مع المموّنين الأميركيين. كما أنه من شأن الاستحواذ على هذه الأعتدة البحرية من الولايات المتحدة أن يُتيح للمملكة تعزيز أعتدتها البحرية التي حصلت عليها من فرنسا التي تحافظ أيضاً على علاقات قوية مع الإمارات. في المقابل، غالب الظن أن الولايات المتحدة ستقدّم المصالح السعودية على المصالح الإماراتية. وسوف يرغب السعوديون في زيادة قدراتهم البحرية الإجمالية، لكنهم يحافظون على اعتمادهم الطويل الأمد على التعاقد مع جهات أخرى من أجل تكليفها مهمة ضبط الأمن البحري. على الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى الجهة الأساسية التي يتم التعاقد معها في هذا المجال، إلا أنه من شأن التحسن في العلاقات السعودية-المصرية والأميركية-المصرية أن يساهم في زيادة الإمكانات والتمويل للمصالح الأمنية المتبادلة في البحر الأحمر.

لكن في نهاية المطاف، وفي حين أن السعودية قد ترغب في استعمال العلاقات الموطّدة مع الولايات المتحدة لتثبيت حضورها أكثر في مواجهة طهران في منطقة الخليج، لا تزال الولايات المتحدة تعتبر أن تنظيم الدولة الإسلامية يشكّل مصدراً أكبر للقلق. في الواقع، تقدّم إيران المساعدة في المعركة ضد الدولة الإسلامية في سورية والعراق، والآمال التي عقدها السعوديون على تحدّي الولايات المتحدة لإيران في سورية لن تجد سبيلاً إلى التحقق على أرض الواقع. قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في 30 آذار/مارس الماضي إن مستقبل بشار الأسد السياسي يقرّره الشعب السوري، حتى لو استمر الدعم الأميركي والسعودي المنخفض المستوى لمجموعات الثوار، إلى جانب الدعم الأكثر نشاطاً الذي تقدّمه تركيا لمجموعة معيّنة من المقاتلين العرب والأكراد. وفي العراق، ليس هناك بديل واقعي عن القيادة الشيعية العربية المدعومة من إيران.

المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة والسعودية هي أن زيادة الولايات المتحدة تركيزها على سلاحها الناري في سورية والعراق، حتى لو ترافق ذلك مع زيادة عديد القوات الخاصة الأميركية على الأرض، قد تؤدّي إلى توسّع قواعد التجنيد في تنظيم الدولة الإسلامية وسواه من المجموعات السنّية المتشددة بسبب ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين. ويتضاعف هذا الخطر في حال لم تُبدِ الولايات المتحدة والسعودية استعداداً لتبنّي الأسد رسمياً في سورية باعتباره أهون الشرَّين، بحسب التوصيف الذي يُطلَق عليه. في اليمن، لا وجود لواقعية سياسية أميركية في الوقت الراهن. من شأن زيادة التركيز العسكري الأميركي هناك أن يشكّل أيضاً أرضاً خصبة للتجنيد في صفوف الحوثيين المدعومين من إيران. ويمكن أن يتسبّب أيضاً بمواجهة أميركية غير مباشرة مع إيران، حتى لو لم تكن الولايات المتحدة تؤدّي دوراً عسكرياً ناشطاً في اليمن خارج إطار التموين والدعم.

ربما كان السعوديون يشعرون الآن بأن "الصخب"، وبعض "العنف" الذي تعبّر عنه الإدارة الأميركية في الموضوع الإيراني، يساهم في تعويمهم. لكن لا تزال هناك حاجة إلى التوصل إلى اتفاق سياسي في اليمن، وأي اتفاق يجري إبرامه مع الحوثيين سيحافظ حكماً على بعض المنافع لإيران. من أجل إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، يجب أن تتعاون الولايات المتحدة بصورة مستمرة مع إيران وروسيا، وربما أيضاً مع حليفهما الأسد.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

نيل بارتريك، محرر ومساهم أساسي في كتاب Saudi Arabia Foreign Policy: Conflict and Cooperation "السياسة الخارجية السعودية: النزاع والتعاون" (IB Tauris, 2016).