في 22 آذار/مارس الماضي، تحرّكت منظمة العمل الدولية ومنحت قطر حتى تشرين الثاني/نوفمبر المقبل لإصلاح قوانينها التي تنظّم العمالة الوافدة، وذلك على خلفية تحقيق يجري حالياً إبان تقديم شكوى إلى منظمة العمل الدولية في العام 2016 عن إرغام العمّال على "العمل بالسخرة". سوف تحدد منظمة العمل الدولية إذا كانت قوانين العمل القطرية تنتهك اتفاقية السخرة أو العمل القسري التي صادقت قطر عليها في العام 1998، ما قد يُعرِّض الدولة الخليجية للتدقيق من جانب لجنة تقصٍّ

مع بروز قطر على الساحة الدولية عبر اختيارها لاستضافة كأس العالم الذي ينظّمه الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) سنة 2022، نظراً إلى المكانة العالمية التي يتمتع بها هذا الحدث الرياضي، تواجه البلاد تحديات إضافية كبرى – ومطالبات جدّية – لتنظيف سجلها في مجال العمل. وقد اتخذت السلطات القطرية، منذ مطلع العام الجاري، خطوات أساسية لإصلاح نظام الكفالة، أي إطار العمل القانوني الذي ينظّم العمالة الوافدة، ولتحسين قوانين العمل التي تضع قطر حالياً في المرتبة الخامسة في مؤشر العبودية العالمي. بيد أن السؤال الأساسي يبقى إذا كانت هذه الإصلاحات تساهم فعلياً في معالجة مكامن الخلل في نظام الكفالة، أو تكتفي بتقديمها في إطار جديد، بحسب ما لفت إليه بعض النقّاد.

تستضيف قطر أكثر من 1.5 مليون عامل وافد على أراضيها، معظمهم من النيبال والهند وبنغلاديش والفيليبين وباكستان. يشكّل الوافدون نسبة تسعين في المئة من سكان البلاد، ويعملون في شكل أساسي في القطاعات ذات الأجور المتدنّية مثل البناء والعمالة المنزلية. حتى كانون الأول/ديسمبر 2016، كان العمال الوافدون في قطر يخضعون لنظام الكفالة الشائع في بلدان مجلس التعاون الخليجي. بموجب هذا النظام، يتحمّل كفيل قطري (مواطن أو شركة) المسؤولية القانونية والاقتصادية بالنيابة عن العامل الأجنبي، وغالباً ما يمارس الكفلاء درجة واسعة من السيطرة القانونية والمفروضة بحكم الأمر الواقع على شروط إقامة هؤلاء العمال. تتمحور الشكاوى من نظام الكفالة في قطر حول سرقة الأجور، ومصادرة جوازات السفر، وارتفاع رسوم التوظيف، والتأخير في تسديد الأجور، وعدم مراعاة المعايير المطلوبة في الظروف السكنية لهؤلاء العمال، واعتماد بدائل غير قانونية عن العقود، واشتراط حصول العامل على إذن من صاحب العمل كي يتمكّن من الاستحصال على تأشيرة خروج، ما يجعل العمال يواجهون صعوبة كبيرة في تحرير أنفسهم من ظروف العمل التعسّفية.

في كانون الأول/ديسمبر 2016، دخل القانون 21 لعام 2015 حيز التنفيذ. بحسب الحكومة القطرية، "أبطل القانون نظام الكفالة" وشكّل "قفزة نوعية في سياسة التوظيف" تصب في مصلحة العمّال الوافدين. أولاً، أجاز القانون للعمال المرتبطين بعقد محدّد المدة تغيير صاحب العمل، بدلاً من أن يُفرَض عليهم مغادرة البلاد لفترة عامَين كي يتمكّنوا من الحصول على تصريح إقامة جديد. أما بالنسبة إلى العمال الوافدين المرتبطين بعقد عمل غير محدد المدة، فعليهم أن يُتمّوا أولاً العمل لمدة خمس سنوات في الشركة التي وُظِّفوا لديها في الأصل. يشير النقّاد إلى أنه قد لا يُتمّ العمال الوافدون العالقون في مكان عمل حيث يتعرضون للمعاملة التعسفية، مدّة الخمس سنوات المذكورة، ومع ذلك عليهم الحصول على إفادة "تثبت انتهاء العلاقة التعاقدية مع صاحب العمل بصورة حبّية"، وكذلك على إذن من وزارة الداخلية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية قبل أن يتمكّنوا من التقدّم بطلب للعمل لدى شركة جديدة. عندما تقترن القيود المفروضة على تغيير الجهة المستخدِمة مع الشروط القاسية التي تحكم عملية الحصول على تأشيرة خروج، قد لا يجد العمال أنفسهم أسرى مكان العمل حيث يتعرضون للتجاوزات وحسب، إنما أيضاً أسرى البلد نفسه – وهذا يندرج في شكل أساسي في خانة السخرة.

تدّعي الحكومة أنها ألغت العمل بتأشيرات الخروج في كانون الثاني/يناير 2017، بموجب تعديل (القانون رقم 1 لعام 2017) ينص على أنه لم يعد يُفرَض عى العمال إبلاغ وزارة الداخلية قبل ثلاثة أيام من مغادرتهم البلاد. لكن، وبحسب الممارسة الشائعة في دول مجلس التعاون الخليجي، لا يزال العمال بحاجة إلى الحصول على إفادات من صاحب العمل تثبت مغادرتهم العمل بصورة حبّية، أو على إفادة عن التجاوزات التي تعرّضوا لها قبل أن يتمكّنوا من الحصول على تصريح لمغادرة البلاد. تتيح لجنة تظلمات خروج الوافدين التابعة لوزارة الداخلية، والتي أنشئت في كانون الأول/ديسمبر 2016، للعمّال الذين تُرفَض طلباتهم للحصول على تأشيرات خروج، بالتقدّم بشكاوى ضد مستخدِميهم؛ لكن ما زال يُفرَض على العمّال رفع طلب التماس مباشرةً إلى الحكومة أو صاحب العمل ليتمكّنوا من التنقل بحرية. علاوةً على ذلك، "يستطيع أصحاب العمل أن يحتفظوا الآن بصورة قانونية بجوازات سفر العمّال – وهو ما لم يكن ممكناً من قبل"، كما يقول مصطفى قادري، أحد واضعي التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية عن قطاع الإنشاءات في قطر في العام 2016،* مضيفاً: "وهذا يولّد تلقائياً خطر انتهاك الحق في حرية التنقل". وقد وجد التقرير أن جميع العمال الذين أجريت مقابلات معهم، وعددهم 234، صودرت جوازات سفرهم من قبل أصحاب العمل، ما يحول عملياً دون قدرتهم على مغادرة البلاد.

لعل العمّال المنزليين يشكّلون الشريحة الأكثر هشاشة بين العمال الوافدين، مع أنه من شأنهم اكتساب حقوق مهمة بموجب الإصلاحات المقترحة. في الوقت الراهن، لا تأتي قوانين العمل القطرية على ذكر العمال المنزليين، ما يعني أنهم لا يحصلون على أي اعتراف قانوني – وهذا يُتيح في الممارسة للكفلاء حرمانهم من النذر اليسير من إجراءات الحماية التي تمنحها قوانين العمل للشرائح الأخرى من العمال الوافدين. لهذا السبب، لا يستطيع العمال المنزليون التقدم رسمياً بشكاوى إلى وزارة العمل، كما أنهم لا يحصلون تلقائياً على عقود عمل – وفي غياب هذه العقود، لا يمكنهم تقديم أدلّة عن توظيفهم بهدف المطالبة بعطل وضرر عن الانتهاكات التي يتعرّضون لها في العمل.

بحسب الحكومة القطرية، يوسّع القانون 21 نطاق إجراءات الحماية لتطال العمال المنزليين الذين لم يكونوا مشمولين سابقاً بأحكام القانون. فضلاً عن ذلك، وافق مجلس الوزراء القطري في الثامن من شباط/فبراير الماضي على مشروع قانون حول عقد موحّد ينظم عمل العمال المنزليين، والذي يُجيز لهم تغيير الجهة المستخدِمة وطلب الحماية في حال مصادرة جوازات سفرهم. وفي خطوة مهمة، يفرض القانون على "المستخدِم أن يُحسن معاملة العامل/ـة المنزلي/ـة بما يصون كرامته/ـا وسلامته/ـا، ولا يعرّض حياته/ـا أو صحته/ـا للخطر، أو يُلحق الأذى به/ـا جسدياً أو نفسياً بأي طريقة من الطرق"، وهي لغة تتماشى مع أحكام اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين. صحيح أن العقد لم يُنشَر بعد لإطلاع الرأي العام عليه ولم يدخل حيز التنفيذ، لكن تواردَ أنه يُجيز للعمال الحصول على عقود توظيف خطية؛ ويُعيّن الحد الأقصى لساعات العمل بعشر ساعات يومياً؛ ويمنح العمال المنزليين منافع طبية وغذائية وسكنية؛ إلى جانب تعويضات نهاية الخدمة؛ وعطلة سنوية مدفوعة لمدة ثلاثة أسابيع في البلد الأم. يُحدّد القانون الجديد السن القانوني للعمال المنزليين بين 21 و60 عاماً، وينص على أنهم يعملون بموجب تصريح عمل ساري المفعول على ألا يتجاوز عدد ساعات العمل عشر ساعات يومياً. فضلاً عن ذلك، إذا تبيّن أن صاحب العمل انتهك أحكام العقد، يُفرَض عليه تسديد غرامة تتراوح قيمتها من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف ريال قطري (نحو 1373 إلى 2746 دولاراً أميركياً).

على الرغم من هذه الإصلاحات، لا يزال العمال الوافدون يعانون من الهشاشة الشديدة بسبب الصعوبات المستمرة التي يواجهونها في تغيير أصحاب العمل والحصول على تأشيرات الخروج. ويجد هؤلاء العمال أنفسهم عاجزين في شكل خاص عن التصدي للتجاوزات بحقهم، لأنهم ممنوعون قانوناً من تشكيل نقابات عمالية أو الانضمام إلى النقابات القائمة. غير أن ديفيد سيغال، الباحث المعاون في شؤون السياسات في مركز سترن للأعمال وحقوق الإنسان في جامعة نيويورك لفت إلى أنه في حين "تفشل الإصلاحات في إيجاد الحلول المناسبة للجوانب الأكثر إشكالية في نظام الكفالة، مثل القيود على تغيير أصحاب العمل أو مغادرة البلاد بحرية، إلا أنها تؤشر إلى أن الحكومة تأخذ المسؤولية على عاتقها من أجل تحسين الأوضاع".* في السياق عينه، قال قادري: "تتيح الإصلاحات الأخيرة وآلية المراجعة في منظمة العمل الدولية فرصة فريدة من نوعها لقطر وللأعمال والشركات في البلاد من أجل أظهار التزامها بتحسين معايير العمل".

فيما تنكبّ منظمة العمل الدولية على مراجعة ممارسات العمل في قطر قبيل انتهاء المهلة المحددة في تشرين الثاني/نوفمبر، قد تكون الشركات التي تنظّم مباشرةً حياة موظّفيها الفريق الذي يمكن أن يضطلع بالدور الأكثر أهمية من أجل تنفيذ مزيد من الإصلاحات المجدية. يقول جيمس لينش، نائب مدير منظمة العفو الدولية: "لا تزال الشركات تملك سلطة منع العمّال من مغادرة البلاد، وهذا انتهاك سافر لحقوق الإنسان، ويشجّع على السخرة"،* مضيفاً: "كذلك لا يزال العمال مرتبطين بجهة مستخدِمة واحدة طوال مدة سريان العقد – والتي يمكن أن تصل إلى خمس سنوات – ما يجعلهم يواجهون صعوبة فائقة في تحدّي ظروف العمل التعسفية". على ضوء الجهود التي تبذلها قطر حالياً لمكافحة السخرة، قد تكون هناك حاجة إلى اعتماد إجراءات أشد حزماً لمواجهة الإهمال من جانب الشركات كي تتمكن البلاد من تطبيق النطاق الكامل للإصلاحات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

سابرينا توبا صحافية وزميلة متخصصة بشؤون العمالة الوافدة في برنامج بانوس جنوب آسيا الإعلامي. لمتابعتها عبر تويتر: SabrinaToppa@


* مقابلة مع الكاتبة عبر البريد الإلكتروني، آذار/مارس 2017.