يبدو للوهلة الأولى أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في آذار/مارس 2016، والذي ينص على إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرات السفر ومنح تركيا مساعدات لتمويل جهود الإغاثة تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات يورو في حال أقدمت على كبح تدفق اللاجئين إلى أوروبا، قد تكلل بالنجاح. تستضيف تركيا راهناً عدداً من اللاجئين السوريين يفوق ثلاثة أضعاف العدد في القارة الأوروبية بأسرها، وبحسب بيانات صادرة عن "وكالة الحدود الأوروبية وخفر السواحل" (فرونتكس)، سُجِّل تراجع دراماتيكي في عدد اللاجئين المنتقلين من تركيا إلى اليونان منذ إقرار الاتفاق. بيد أن السبب الحقيقي لكثير من اللاجئين خلف التراجع في تدفقاتهم إلى أوروبا يتمثل في تفضيل اللاجئين في شكل عام البقاء في تركيا، حيث يعتبرون أنه بإمكانهم الحصول على حياة أفضل.

أظهرت تحاليل إحصائية أجرتها جامعة أكسفورد سابقاً أن التراجع في أعداد المهاجرين المتوجّهين إلى أوروبا بدأ قبل إبرام الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، ولا يمكن بالتالي إقامة رابط سببي بين الأمرَين. تؤكّد سلسلة من المقابلات مع لاجئين سوريين، هذه النزعة، فقد أبدى معظم اللاجئين الذين أُجريَت مقابلات معهم، رغبتهم في البقاء في تركيا، وكانوا يستخدمون مواردهم الاقتصادية والاجتماعية من أجل تسهيل اندماجهم. وجد عدد كبير من الأشخاص الذين سافروا إلى أوروبا أن الحياة هناك ليست نعيماً كما كانوا يتوقعون، وتواصلوا، في حالات كثيرة، مع السوريين في تركيا لإبلاغهم أن النتيجة لا تستحق عناء المجازفة ومواجهة المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها خلال الرحلة.

يعمد اللاجئون المقتدرون في تركيا إلى شراء المنازل، وتعلّم اللغة التركية، وتأسيس أعمال، والالتحاق بالمدارس، وتشكيل جماعات. ويواجهون مجموعة من العقبات، منها الشوائب في الخدمات الصحية، وعائق اللغة، والعنصرية. لا يحالف الحظ جميع اللاجئين في المدن التركية: ففي حين أن عدداً كبيراً من اللاجئين في تركيا وجد عملاً غير نظامي، يعاني معظمهم من البطالة المقنّعة، ومن تدنّي الأجور، ويجدون صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم أو مستواهم العلمي. مع ذلك، أعرب معظم الأشخاص الذين أجريَت مقابلات معهم – حتى أولئك الذين عاشوا سابقاً في أوروبا أو لديهم أقرباء يعيشون هناك – عن تفضيلهم للحياة في تركيا بالمقارنة مع أوروبا. فتركيا أكثر تساهلاً في تطبيق تنظيمات العمل، وتضم جماعات سورية أكثر رسوخاً، كما أن ديانتها وثقافتها مألوفتان بالنسبة إلى السوريين، وتقع جغرافياً على مقربة من سورية ما يمنحهم أملاً بالعودة. تجسّد ثلاثة أحياء على وجه الخصوص الجاذبية التي تتمتع بها تركيا: سلطان بيلي وفاتح في اسطنبول، ومانيسا خارج مدينة إزمير.

في حي فاتح في اسطنبول، يدير متعهد سوري مقهى Pages الذي يستقبل أشخاصاً من إثنيات مختلفة، ويضع بتصرفهم كتباً بلغات متعددة، وقائمة طعام منوّعة، فضلاً عن تنظيم فعاليات ثقافية ومقررات لتدريس اللغتَين العربية والتركية. ليس المقهى مخصصاً حصراً للاجئين أو لمضيفيهم الأتراك، كما أنه يضم مديرين وعمالاً من المجموعتَين على السواء. قال سوري في الـ27 من العمر يقود فرقة مسرحية في المقهى، إن نوعية الحياة الجيدة التي يعيشها في تركيا دفعته إلى المكوث فيها في حين أن بعض أصدقائه هاجروا إلى أوروبا، مضيفاً أنه لن يغادر "إلا عندما لا يعود هناك ما أؤمن به هنا. لكن حتى الآن، أثق بأن هذا المكان لن يخذلني". على غرار مالك مقهى Pages، يكسب عدد كبير من السوريين في حي فاتح رزقهم عن طريق بيع الحلويات في العربات أو العمل في الاقتصاد غير النظامي الذي يبني على المهارات القائمة على غرار هندسة البرمجيات الإلكترونية.

كذلك وجدت ملفيد، وهي ممرضة سورية في الـ26 من العمر، فرصاً في حي سلطان بيلي الذي تقطنه الطبقة العاملة في اسطنبول مقابل حي فاتح على الضفة الأخرى من نهر البوسفور. وتقول في هذا الإطار: "أحب الحياة التي أعيشها هنا في اسطنبول. يعاملني الناس بلطف، وثمة تشابه كبير بين ثقافتهم وثقافتنا. أنا محظوظة لأنني أعمل هنا… وأعتقد أن الفرصة ستكون سانحة أمام كي أتطوّر في مسيرتي المهنية في تركيا". لقد نجح حي سلطان بيلي في دمج إثنيات متنوّعة بطريقة فعالة نسبياً، بفضل ما شهده من توافد المهاجرين المتعددي الأطياف على امتداد تاريخه. ويؤمّن أيضاً خدمات صحية وتعليمية وسكنية، فضلاً عن تنظيم فعاليات ثقافية على غرار إحياء حفلات موسيقية سورية وإقامة مآدب إفطار خلال شهر رمضان.

قدّمت المناطق الريفية في تركيا خياراً أفضل من أوروبا للمهاجرين السوريين الذين وجدوا أن نمط الحياة في المدن التركية يطرح عليهم تحديات شاقة، وأن كلفته أكبر من قدرتهم على تحمّلها. في الأراضي الزراعية المحيطة بمنطقة مانيسا، على بعد 25 ميلاً (40 كلم) من إزمير، استوطنت جماعة كردية سورية هرباً من الزحمة الخانقة وغلاء السكن في اسطنبول وشانلي أورفة، قريب من الحدود السورية. هذا الانتقال نحو الأرياف أو الضواحي نموذج شائع في هجرة اللاجئين داخل تركيا ومواقع إعادة التوطين في الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأوروبا. وسط المنازل البسيطة المصنوعة من قوالب الإسمنت والرماد المفرّغة، والمغطّاة بالجص، والمحاطة بأشجار الزيتون المائلة إلى اللون الرمادي، يؤمّن هذا الحي وظائف موثوقة في قطاعَي الإنشاءات والزراعة. قال أحد الأشخاص: "أنا حر. إذا كنت أريد العمل، إذا كان باستطاعتي العمل… فهذا يعني أننا في وضع مريح".

في كل واحد من هذه الأحياء، يبدي عدد كبير من السوريين عدم رغبتهم في الذهاب إلى أوروبا. قال رجل في حي مانيسا في تعليق مقتضب: "لست مستعداً للذهاب إلى أوروبا تحت أي ظرف من الظروف. لن أغادر تركيا إلا للتوجّه إلى سورية". واعتبر أن مواقف الأوروبيين من اللاجئين أكثر سلبية بالمقارنة مع مواقف الأتراك: "تنطبع صورة معيّنة عن اللاجئين في ذهنهم… يعتقدون أنهم من كوكب آخر أو أنهم شعب مختلف. لا يبدون ترحاباً باللاجئين. في ألمانيا نظّموا احتجاجات للاعتراض على استقبال اللاجئين". على الرغم من أن عدداً كبيراً من السوريين، من اسطنبول إلى برلين، عزا هذه التصرفات إلى السياسات الأوروبية في شكل خاص، وليس إلى الشعوب الأوروبية في ذاتها، تُقدِّم تركيا مشهداً مغايراً إلى حد كبير. يقول الرجل: "لا نشعر بأننا غرباء، بل نشعر وكأننا مثل المواطنين الأتراك تماماً… عند الذهاب إلى وسط المدينة، لا أشعر بالاختلاف عن الآخرين. لا ينظرون إلي بأنني سوري، بل يعاملونني كأخٍ لهم".

تُظهر هذه المقابلات أن هناك تضخيماً في الحديث عن العوامل التي تدفع بالسوريين إلى مغادرة تركيا. وفي المقلب الآخر من المتوسط، يبدو أن هناك غلواً أيضاً في الحديث عن العوامل التي تدفع بهم إلى التوجه إلى أوروبا. تؤكّد المقابلات التي أجريناها مع سوريين في أثينا وبلغراد وهورغوس ولسبوس وبريسيفو وصوفيا وتسالونيكي، التقارير التي تتحدث عن أن اللاجئين السوريين يواجهون مشكلات واسعة النطاق ومستفحلة على طريق البلقان، بما في ذلك أعمال الشغب على خلفية المساعدات الغذائية، وغياب الرعاية الطبية التي تقود إلى الاستشفاء، وعدم توافر مساكن ملائمة. حتى في بلدان الوجهة على غرار ألمانيا، يواجه السوريون تحديات بسبب عوائق اللغة، والبطالة، ومحدودية المساكن. يتواصل هؤلاء السوريون مع السوريين في تركيا عن طريق فايسبوك أو سكايب أو واتساب حول هذه التجارب، ما يساهم بصورة مطردة في تبديد جاذبية "الحلم الأوروبي".

في حين أن الجالية السورية في بلدان الاغتراب متنوعة، يقوّض ضعف العوامل التي تدفع بالسوريين إلى مغادرة تركيا نحو أوروبا، الزعم بأن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا كان السبب في تراجع الهجرة. لم يكن الاتفاق فعالاً بطريقة حاسمة في إدارة تدفّق اللاجئين عبر المتوسط، كما أوردت المفوضية الأوروبية. فالأدلة عن التجارب التي يعيشها اللاجئون والسلوكيات التي يختبرونها من إزمير إلى فرانكفورت، وليس الافتراضات في بروكسل أو أنقرة، يمكن أن تشكّل الأساس لسياسات أكثر فعالية في إدارة الهجرة، وأمن الحدود، والمساعدات الإنسانية، ودمج اللاجئين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تشارلز سيمبسون مساعد مدير اتحاد بوسطن لدراسات المنطقة العربية (BCARS). زينب بالتشيوغلو طالبة دكتوراه في جامعة نورث إيسترن وباحثة في اتحاد بوسطن لدراسات المنطقة العربية. عبدالله المتبغاني مساعد أبحاث وطالب بكالوريوس في بوسطن كولدج.


* يستند هذا المقال إلى عمل ميداني واسع النطاق أجراه باحثون من اتحاد بوسطن لدراسات المنطقة العربية بين أيار/مايو وكانون الأول/ديسمبر 2016 – بما في ذلك مقابلات مع مئات اللاجئين السوريين، وعمال الإغاثة، وقادة المجتمعات المحلية، وممثّلي الحكومات، والموظفين الأمنيين في مواقع عدة في تركيا، وعلى طريق البلقان، وفي بلدان الوجهة في الاتحاد الأوروبي.